الموصل تنتظر معركة تحريرها

بين التحضيرات الأميركية وحروب بغداد الجانبية

الموصل تنتظر معركة تحريرها
TT

الموصل تنتظر معركة تحريرها

الموصل تنتظر معركة تحريرها

طبقا لمجريات الأمور في بغداد، لا تبدو معركة الموصل هما عراقيا خالصا، بالقياس إلى الاهتمام العالي المستوى الذي يبديه الجانب الأميركي لهذه المعركة التي يراد لها أن تكون آخر المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش، لا سيما بعد سلسلة خسائره في الأنبار بدءا من مدينة الرمادي والفلوجة وأخيرا جزيرة الخالدية.
وعلى الرغم من أن هدف كل من بغداد وواشنطن هو تحرير الموصل (محافظة نينوى - ثاني أكبر المحافظات بعد بغداد وتبعد عن العاصمة مسافة 405 كيلومترات)، فإن لكل منهما أولوياته. ففيما تبدو الأولوية الأميركية تحرير الموصل التي ترتبط طبقا للاستراتيجية الأميركية مع الرقة السورية في مسعى لتحقيق انتصار للديمقراطيين يسبق انتخابات الرئاسة الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وهو ما قد يفيد في معركة هيلاري كلينتون الديمقراطية ضد الجمهوري دونالد ترامب، فإن أولوية سلطات بغداد هي «مرحلة ما بعد تحرير الموصل» نظرا للجغرافية السياسية المعقدة في المدينة، وخصوصًا على صعيد العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان لجهة المناطق المتنازع عليها بين الجانبين، أو لجهة محاولات مد النفوذ لكل طرف سواء للمناطق المسيحية (من قبل الأكراد) أو المناطق المختلطة مذهبيا (شيعة وسنة) على صعيد مساعي إشراك ميليشيا «الحشد الشعبي» في معركة الموصل من أجل تحقيق موطئ قدم في تلك المناطق.
«مرحلة ما بعد تحرير الموصل» تثير مخاوف أهالي الموصل وأبرز قياداتها السنية، أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق، وشقيق الزعيم السني البارز أسامة النجيفي، بالذات، في ضوء الجغرافية السياسية والإثنية والدينية والمذهبية المعقدة في المدينة ومحيطها، وخصوصًا في ضوء سوابق ميليشيا «الحشد الشعبي» بوجهها الشيعي، وقوات البيشمركة الكردية بناء على مواقف معلنة ومقلقة لغير الأكراد صدرت في الأمس القريب عن بعض أبرز قادة إقليم كردستان، إزاء مصير المناطق المختلطة بعد إنجاز التحرير.

التمدد الإيراني
أثيل النجيفي يقود حاليا فصيلا مسلحا من نحو 3 آلاف مقاتل تحت مسمى «الحشد الوطني السني» للمشاركة في معركة الموصل. وهو يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «كل الأطراف باتت تتصرف باتجاه خلق حالة تلائمها لمرحلة ما بعد (داعش) وهو أمر يمثل خطورة بحد ذاته على التنوع السكاني في محافظة كبيرة بحجم نينوى». وبشأن ما إذا كان أهالي نينوى الذين يرفضون مشاركة «الحشد الشعبي» بنسخته الشيعية خشية حصول تمدد شيعي في المناطق المختلطة في الموصل، وأبرزها قضاء تلعفر، يقول النجيفي إن «أهالي الموصل لا يخشون التمدد الشيعي بالمفهوم المذهبي بل يخشون تمدد النفوذ الإيراني وهو ما يؤسس لحالة جديدة في الموصل في مرحلة ما بعد (داعش) تجعل من الموصل بؤرة توتر دائمة في المستقبل». ويرى النجيفي أن «الحل الصحيح لكل الأطراف إذا ما أردنا تحرير الموصل بأيد عراقية، هو أن يكون الجيش العراقي هو الأصل في التحرير بمشاركة التحالف الدولي، بينما سيكون لأهالي الموصل الدور الأبرز في تهيئة كل مستلزمات المعركة حين تقترب المعارك من الموصل».
وردا على سؤال للنجيفي بشأن دعوته أهالي الموصل لعدم مغادرة المدينة، وهو ما أثار لغطا في مختلف الأوساط، يقول النجيفي إنه «يكرر هذه الدعوة الآن لسببين: الأول هو أن تحرير الموصل لا يمكن أن يتم إلا من داخلها ومن قبل أهلها المستعدين الآن للقتال في حال اقتربت قطعات الجيش من المدينة، والثاني هو عدم قدرة الحكومة على تلبية نزوح أكثر من مليون ونصف مليون إنسان، وهي التي فشلت في إغاثة نازحي الشرقاط الذين لم يزد عددهم عن 50 ألفا. وبالتالي فإن من يخرج بناء على دعوات الحكومة للخروج سوف يتعرض للموت جوعا وعطشا وذلا».

الرؤية الأميركية
أميركيا، فإن واشنطن التي كان لها دور بارز في حسم معركتي الرمادي والفلوجة من خلال استخدام الطيران بكثافة في ضرب أهداف «داعش»، وذلك للتحضير لمعركة الموصل، بدأت الآن في مضاعفة جهودها السياسية والعسكرية والاستخبارية من أجل تهيئة الأجواء لمعركة الموصل. فعلى صعيد التسليح والتجهيز، فإن واشنطن أرسلت خلال الفترة الأخيرة كثيرا من الوفود الرفيعة المستوى إلى بغداد، مثل وزراء الخارجية والدفاع وقائد القيادة المركزية الأميركية والناطق باسم التحالف الدولي ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية، وذلك بهدف تهيئة الاستعدادات كافة للمعركة الفاصلة. وفي حين رعت واشنطن مؤخرا مؤتمرا للمانحين وصفه سعد الحديثي، الناطق الرسمي باسم المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنه «واحد من أهم المؤتمرات التي أكدت حرص المجتمع الدولي على منح العراق مزيدا من الأموال لمواجهة أعباء الحرب ضد (داعش)، إضافة إلى إغاثة النازحين والبدء بإعادة البنى التحتية للمدن التي تم تحريرها من تنظيم داعش».
الحديثي يؤكد أن «الاهتمام الأميركي بتحرير الموصل يتمثل في مستوى الدعم المتواصل الذي بدأت تقدمه واشنطن للعراق، وهو ما يتضح من خلال ما تجريه الإدارة الأميركية من اتصالات مع رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي تعده واشنطن شريكا رئيسيا لها في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى أنها تدرك أن العراق بات يمثل الخط الأمامي في المواجهة ضد تنظيم داعش. وبالتالي فإن هناك طمأنة أميركية مستمرة للعراق بالوقوف إلى جانبه في مختلف الجوانب وهو ما ترك أثره على طبيعة ومستوى الإعداد للمعركة من مختلف جوانبها».

صراعات داخلية متعددة
ومع استمرار الصراعات الداخلية في العراق على مختلف المستويات، وهي التي يمكن أن تترك تأثيراتها على مسار معركة الموصل، فإن الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع رئيس الوزراء حيدر العبادي وضعت الأولويات العسكرية واللوجستية على صعيد المعركة بمختلف جوانبها. وفي مجال شرح الآلية التي سوف تعتمد في عملية تحرير الموصل، فإنه طبقا لما كشفه مصدر مطلع رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، فإن واشنطن ستبدأ باستخدام طائرات الأباتشي المتطورة في معركة الموصل بدءًا من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، هذا إضافة إلى النصيحة التي قدمها الأميركان للقيادة العراقية بالإبقاء «على قضاء الشرقاط محاصرا دون قتال، الأمر الذي سوف يجبر عناصر تنظيم داعش الموجودين فيه على الهرب، كما أن من شأن ذلك تجنب عمليات النزوح الهائلة التي يمكن أن ترافق العمليات القتالية مما يؤخر عملية التقدم نحو الموصل».
وبينما رجح المصدر بدء معركة الموصل «خلال شهر سبتمبر المقبل حين ستشرك واشنطن طائرات الأباتشي العسكرية المتطورة فضلا عن المدفعية ومضاعفة الطلعات الجوية لثلاث مرات» فقد أشار إلى أن «العمليات ستبدأ بتحرير مناطق الشورة وحمام العليل مع مطلع الشهر التاسع على أن تصل إلى اقتحام الموصل نهاية الشهر، في حال مضت الأمور بشكل طبيعي».

مشكلتا «الحشد» والبيشمركة
وفي سياق الإشكالية التي لا تزال تمثلها عملية مشاركة كل من قوات «الحشد الشعبي» الشيعي والبيشمركة الكردية في معركة الموصل، يقول المصدر المطلع إن «هناك نحو 15 ألف مقاتل من عناصر الحشد الشعبي الشيعي سوف يشاركون، على أن يشارك 10 آلاف مقاتل من الحشد السني في المعركة، على أن يرتبط الحشد الشيعي بالشرطة الاتحادية بينما يرتبط الحشد السني بقيادة عمليات نينوى». وأردف موضحا أن «دور الحشد الشعبي الشيعي سيقتصر على معارك القيارة وحمام العليل وتلعفر والحضر، وهو ما يعني أنه لن يدخل الموصل. كذلك لن تدخل قوات البيشمركة هي الأخرى الموصل بل تقتصر مشاركتها على مناطق الكسك وزمار والكوير».
ولكن إذا كانت المخاوف من قبل أهالي الموصل بشأن «الحشد الشعبي» مثلما يراها أثيل النجيفي بأنها لا ترتبط بالتمدد المذهبي بل بالتمدد الإيراني، وهو مما يغير قواعد اللعبة في المنطقة الغربية من العراق وخصوصا في ظل توغل إيراني مشابه في محافظتي ديالى (56 كيلومترا شرق بغداد) وصلاح الدين (180 كيلومترا شمال شرقي بغداد)، فإن المخاوف من إشراك البيشمركة الكردية في تحرير الموصل تتمثل في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل بموجب المادة 140 من الدستور العراقي. ففي نينوى يدّعي الأكراد أن هناك عدة مناطق تعود لهم مع أنها ذات غالبيات سريانية مسيحية وتركمانية وشُبكية ويزيدية وعربية في سهل نينوى، وتشمل أقضية الشيخان والحمدانية وتلكيف. وكذلك هناك منطقة الوجود الأيزيدي في بلدة سنجار الواقعة في محيط عربي، وأيضًا ناحية زمار من قضاء تلعفر وناحية القحطانية في قضاء البعاج.

الحسابات الكردية الخاصة
وهكذا، بالنسبة لمفهومي الاختلاط والتمدد في الموصل شيعيًا وكرديًا، فإنه في الوقت الذي تبدو فيه خطة إيران غير واضحة المعالم وهي تعتمد على التمدد والتوغل تحت أغطية مختلفة، منها حماية أبناء المذهب الشيعي في تلك المناطق ذات الغالبية السنية، فإن الوضع الكردي مختلف. ذلك أنه يقوم على أساس ما يعتبره عائدية جغرافية لتلك المناطق بصرف النظر عن التنوع السكاني فيها، حيث يتواجد فيها الأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون. وبالتالي، فإن الجغرافية هي التي تحكم العلاقة المستقبلية مع إقليم كردستان في تلك المناطق. وفي ظل وحدة الموقف الكردي حيال المناطق المتنازع عليها بوصفه «استحقاقا كرديا غير قابل للتصرف» فإن الخلافات بين الأحزاب الكردية، لا سيما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني وبين «حركة التغيير» الكردية، بدأ يطغى حتى على العلاقة مع بغداد.
فبينما أعلن مسعود بارزاني عام 2014، بعد احتلال «داعش» للموصل وتمكن قوات البيشمركة الكردية من استعادة مناطق واسعة بمساعدة أميركية، أن «الحدود الجديدة إنما رسمت بالدم، وإن مرحلة ما بعد (داعش) هي غير مرحلة ما قبلها»، فإن رئيس «برلمان كردستان» يوسف أحمد، الذي ينتمي إلى حركة التغيير، رفض هذا المنطق قائلا إن «الحدود لا ترسم بالدم» مبديًا الاستعداد «للتفاهم عن طريق الحوار بشأن المناطق المتنازع عليها».

عاصفة العبيدي
على صعيد آخر، فجأة خلال الأسبوع الماضي حصل ما لم يكن متوقعا. وبعد سلسلة تأجيلات تم استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي، وهو الاستجواب الثاني له في غضون أقل من سنة.
في العام الماضي حين كانت جلسة الاستجواب سرية قدم الوزير أجوبة بدت مقنعة لأعضاء البرلمان، الأمر الذي حال دون سحب الثقة منه. ولكن بعدما بدأ سلسلة نجاحات تحققت على صعيد المعارك ضد «داعش» خلال العام الماضي، فإنه عندما بدأت الأصوات ترتفع باتجاه تغيير وزاري شامل، اتفقت الكتل السياسية على استثناء حقيبتي وزارتي الدفاع والداخلية من التغيير لأسباب تتعلق بالأولويات الأمنية. بيد أن الأوضاع سرعان ما تغيرت في أعقاب سلسلة تداعيات أمنية في بغداد، لا سيما، تفجير الكرادة مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، الذي راح ضحيته 500 شخص بين قتيل وجريح. وكان وزير الداخلية الضحية السياسية لهذا الحادث، إذ قبل حيدر العبادي استقالته فور تقديمها له.
أما وزير الدفاع العبيدي، الذي كان هو الآخر غير مشمول بمبدأ التغيير الوزاري، فقد حامت حوله شبهات الفساد. وبين الإصرار على استجوابه من قبل رئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري – على الرغم من انتمائهما إلى كتلة واحدة هي «تحالف القوى العراقية» ومكون مذهبي واحد (المكون السني) - ومحاولات التأجيل سواء من قبل الوزير أو أطراف أخرى، فإن الاستجواب وقع لكنه كان له وقع الصاعقة.
وفي خلفيات ما جرى، فإن وزير الدفاع كان قد زار قادة الكتل السياسية كلها تقريبا، لا سيما الشيعية والكردية، وكشف لهم عن أدلة يملكها حيال أطراف وشخصيات، غير أنه أبلغهم أنه لن يعلن أسماء الشخصيات التي تنتمي إلى كتلهم، بل سيتحدث عن رئيس البرلمان طالما هو مُصرّ على الاستجواب. رئيس البرلمان الدكتور الجبوري، من جانبه، قدم رواية لـ«الشرق الأوسط» على مائدة غداء في منزله في المنطقة الخضراء بوسط بغداد، وهو أحد قصور صدام السابقة الفخمة، مفادها أن «وزير الدفاع كان قد طلب تأجيل استجوابه ثلاث مرات، لكنني كنت أرفض ذلك مع أنني كنت أعلم أنه سيتحدث بما هدد بأنه سيتحدث به». وأضاف الجبوري أن «ما قدمه العبيدي لا أساس له من الصحة، بل العكس تماما هو الصحيح، حيث إنه أراد من خلال هذه الطريقة الاستعراضية التهرب من الملفات التي بحوزتنا ضده» كاشفا عن «تقديم 16 ملفا ضد العبيدي إلى رئيس الوزراء العبادي الذي لم يكن موافقا على استجوابه».

استجوابات.. وتساؤلات
المبررات هي التي تختلف على صعيد استجواب العبيدي. ففيما يرى العبادي ومعظم قادة التحالف الوطني الشيعي أن استجواب العبيدي في هذه المرحلة التي يعد فيها العراق لمعركة الموصل يمكن أن تمثل إرباكا على صعيد هذه المعركة، فإن لجنة الأمن والدفاع في البرلمان لا ترى أي أهمية لذلك. ويقول العضو فيها والنائب عن تحالف القوى العراقية محمد الكربولي - الذي كان أبرز المتهمين في قائمة العبيدي – لـ«الشرق الأوسط»، إن «العبيدي، حتى ولو كان وزيرا للدفاع فلا دور حقيقيًا له، سواء في معركة الموصل أو المعارك السابقة... لأننا ومن خلال لجنة الأمن والدفاع نعرف كل التفاصيل المرتبطة بذلك، لجهة كون المعارك ترتبط بالقيادة المشتركة التي يشرف عليها القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء». وأضاف الكربولي قائلا، إن «العبيدي طالما أكد لنا بوصفنا لجنة أمن ودفاع أنه - أي العبيدي - لا يستطيع تحريك القوات، وبالتالي ليس له دور أساسي في المعارك... لكنه أراد من خلال ما عمله خلال الاستجواب الهرب إلى الأمام، من خلال رمي التهم شمالاً وجنوبًا».

واشنطن مع العبادي
والآن، بينما تبدو الإدارة الأميركية مصممة على تحرير الموصل، على الرغم من تشتت الجهد العراقي وفتح معارك جانبية هي جزء من أمراض العملية السياسية في البلاد منذ عام 2003 وإلى اليوم، فإنها جددت دعمها لرئيس الوزراء حيدر العبادي. وهذه الخطوة فُسّرت على أن واشنطن رمت بثقلها خلفه حتى في إطار صراعه الداخلي مع خصومه. وكان سياسي مطلع قد أبلغ «الشرق الأوسط» أن «العبيدي وزير الدفاع قد لا يكون هو الرأس المطلوب في سياق صراع الكبار في العراق، بل هناك من هو أهم منه وهو رأس العبادي نفسه». ومضى السياسي قائلا إن «العبادي أخذ على الجبوري محاولته استجوابه لغرض سحب الثقة منه، وهو ما يعني فتح معركة داخل البيت الشيعي باتجاه البديل الممكن للعبادي، بينما تسعى أطراف إلى إزاحة رئيس البرلمان سليم الجبوري، وبالذات من قبل أطراف داخل جبهة الإصلاح التي يهيمن عليها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. والغاية إعداد العدة بعد تغيير الجبوري للتحرك لتغيير العبادي وهو ما يفتح الطريق مجددا أمام المالكي لاختيار بديل من حزبه... لكن هذه المرة مرضي عنه ممن بقوا مع المالكي في أوج أزمته بعد تغييره واختيار العبادي بديلا له».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».