«طور الباحة».. الخط الدفاعي الأول لعدن تقترب من «كارثة إنسانية»

مديرها العام لـ «الشرق الأوسط» : الفراغ الأمني تسبب في انهيار الاقتصاد

طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)
طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)
TT

«طور الباحة».. الخط الدفاعي الأول لعدن تقترب من «كارثة إنسانية»

طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)
طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)

تعاني مديرية طور الباحة، التي وصفها مديرها العام علوان العطري بالخط الدفاعي الأول عن العاصمة المؤقتة عدن، الفقر والبطالة وشح الموارد الغذائية بعد المواجهات العسكرية العنيفة بين قوات المقاومة الشعبية والانقلابيين منذ مطلع العام الماضي.
وبعد أن عرفت طور الباحة تاريخيا بهدوئها البعيد عن تعقيدات العالم واحتياجاته العصرية، أصبحت اليوم أرضا تسقيها دماء المقاومين الذين ضحوا بأرواحهم لصد تقدم ميليشيات الحوثي وقوات الانقلاب. فعند الحدود الشمالية للمديرية، تتمركز الميليشيات الانقلابية في كل من القبيطة وحيفان، ساعية إلى الوصول إلى مركز المديرية الذي يبعد عن هذه المواقع بضعة كيلومترات فقط، لكنها تجد مقاومة شرسة من قبل المقاومة في طور الباحة.
وفي جوانب الطريق الذي يبدو كثعبان أسطوري، تلمح عينا الزائر بعض التجمعات السكانية للبدو والرحل الذين وجدوا من البيئة الصحراوية القاسية مكانا مناسبا لرعي ماشيتهم ونشر خلايا نحلهم، خاصة في موسم تساقط الأمطار من السنة. وكلما توغلت غربا في تلك الأرض المنبسطة، تختفي خلفك رويدا رويدا تلك الصحراء التي رويت بدماء ما يقارب الأربعين «شهيدا» من أبناء طور الباحة، وهم يتصدون لقطعان البغي والدمار من ميليشيات الحوثي، لتقف أمامك سلسلة جبال الخرف والجليدة، وجبل أرف ورشاش غربا، وجبال الفرشة والغول وتقار شرقا، وشعب والبيضاء شمالا، مشكلة حائطا جبليا هائلا بين لحج وتعز، لتترك ممرات ضيقة في بطون الأودية حفرتها مياه السيول الموسمية المنحدرة من جبال حيفان.
تعد مديرية طور الباحة إحدى مديريات محافظة لحج، التي يربطها ببقية مديرياتها الـ14 خط إسفلتي يزيد طوله عن 89 كيلومترا، يبدأ من تقاطع صبر الوهط، ليمر مخترقا منتصف الصحراء المسماة بخبت الرجاع، التي تشكل ثلثي مساحتها المترامية الأطراف، لينتهي ملتقيا الخط الإسفلتي الذي يربط المديرية بتعز في المنفذ التاريخي المسمى بالمرصد في قرية البيضاء الحدودية. ويعد هذا الممر الذي شهد حركة تجارية هائلة للشاحنات والقاطرات الكبيرة من ميناء عدن في الشهور المنصرمة، أهم ممر تجاري بين الشمال والجنوب بعد إغلاق طريق كرش والخط الساحلي باب المندب، قبل أن يتوقف بسبب المعارك المحتدمة في منطقة حيفان لتصبح طور الباحة محطة «ترانزيت» لإعادة نقل البضائع بوسائل النقل الصغيرة من وإلى تعز.
ويعتبر وادي معادن شمالي طور الباحة، بحسب مدير عام المديرية علوان العطري، أبرز الممرات الاستراتيجية التاريخية التي تربط بين محافظات الجنوب وتعز، الذي يتصل بنقيل حيفان الجبلي، وصولا إلى مدينة الراهدة. ويأتي في المرتبة الثانية وادي معبق إلى الغرب الذي يتصل بنقيل هيجة العبد، التي تؤدي إلى مدينة التربة الواقعة على سفوح جبلية ترتفع قرابة 2000 متر فوق سطح البحر، ومن الشرق طريق شعب المغنية القبيطة تعز.
وتقع مديرية طور الباحة إلى الغرب من الحوطة عاصمة محافظة لحج، وهي تشكل موقعا جغرافيا وسطا؛ حيث يحدها من الشرق مديرية تبن بحدود صحراوية تمتد من الوهط، جنوب شرقي المديرية، إلى أن تلتقي بسلسلة جبال المشاريج ما وراء قاعدة العند (شمال شرق)، ومن الغرب مديرية المضاربة، ومن الجنوب العاصمة عدن، ومن الشمال محافظة تعز بحدود جبلية طويلة تبدأ من القبيطة وصولا إلى المقاطرة شمال غربي المديرية.
وطور الباحة هي ثاني أكبر المديريات بعد مديرية المضاربة، حيث تبلغ مساحتها 1883 كلم مربعا، وتقع فلكيا عند تقاطع دائرة العرض 13 وخط الطول 44.5833، ما يجعل موقعها مميزا ويتيح تنوعا مناخيا فريدا. أما عدد سكانها، فيفوق حسب الإسقاطات السكانية لتعداد عام 2004 77420 نسمة، ينتشرون بكثافة في سفوح المنحدرات والجبال في الجزء الشمالي منها.
وتعتبر بيوت المواطنين المبنية من الأحجار والطوب الإسمنتي المصنوع بقوالب يدوية، جزءا من التراث الوطني للمنطقة، عاكسة بساطة حياة سكانها وظروف معيشتهم الصعبة.
من جهته، يقول علوان العطري مدير عام المديرية، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن طور الباحة وبقية مناطق الصبيحة تشكل «خطا دفاعيا أوليا للدفاع عن العاصمة المؤقتة عدن»، حيث تبدأ طور الباحة حدودها مع محافظة تعز من حدود قاعدة العند شرقا إلى منطقة العطيرة غربا بسلسلة جبلية، مشكلة طوقا أمنيا يمتد بمسافة تقدر 100 كيلومتر لتلتحم مع المضاربة، مستكملة للطوق الجبلي الذي يصل طوله المتعرج إلى ما يقارب 200 كيلومتر، وصولا إلى باب المندب في أقصى الغرب.
وتشهد هذه السلسلة الجبلية أعمالا عسكرية وقتالا مستمرا منذ بداية العام 2015 حتى اللحظة، ففي حدود طور الباحة الشمالية تتمركز الميليشيات وجيش المخلوع في كل من القبيطة وحيفان في محاولة للوصول إلى مركز المديرية الذي يبعد عن هذه المواقع بضعة كيلومترات فقط، ولكنها تجد مقاومة شرسة من قبل رجال طور الباحة. وصدت المقاومة محاولة الانقلابيين التقدم رغم خسارتها المستمرة لبعض المواقع الاستراتيجية، التي كان آخرها جبال منطقة ضبي القريبة من حدود المديرية إلى حد كبير. ويرجع ذلك إلى سوء القيادة وضعف التنسيق وظهور المصالح المتضاربة التي جعلت المقاومة معزولة عن محيطها الاجتماعي الحاضن.
ونتيجة للحرب الدائرة هناك، شهدت المناطق الجنوبية من تعز وخاصة بعض قرى حيفان حالة نزوح كبيرة لتتموضع في مركز المديرية، حيث تنتشر الخيام وبيوت القش في ظروف غاية في التعقيد، كما أن جزءا كبيرا من الأسر النازحة استقرت في بعض مساكن المواطنين.
وبالحديث عن الوضع الإنساني في المديرية، يقول المدير العام علوان العطري إن استمرار الحرب وطول أمدها سبب الكثير من الانهيارات الاقتصادية وظهور البطالة والمتسولين، وأصبح وضع المواطنين يقترب من الكارثة الإنسانية في ظل غياب فرص العمل، وتأخر الرواتب لعدة أشهر، وانهيار العملة، واختفاء المشتقات النفطية التي تسببت في انهيار الورش، وتوقف وسائل النقل، وتوقف آلات ضخ المياه في المزارع.
وأكد العطري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن أغلب السكان يعتمدون على الرواتب والأعمال بالأجر اليومي والزراعة ورعي الأغنام، لكن «ظهور العصابات المنظمة وقطاع الطرق وغياب الأمن والمؤسسات الحكومية شكل وضعا إنسانيا وأمنيا معقدا، في ظل مطالبات بتحرك عاجل لتحريك عجلة التنمية وإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية والأمنية بصورة عاجلة»، على حد تعبيره.
تاريخيا، عرفت طور الباحة بنضالها العريق بحسب الباحث السياسي باسم فضل الشعبي. ذلك حيث يعد رجلاها قحطان الشعبي وفيصل عبد اللطيف الشعبي، من مؤسسي حركة القوميين العرب في الجنوب والجبهة القومية التي قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني حتى تحقق الاستقلال في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1967، وأصبح قحطان الشعبي أول رئيس لجمهورية «اليمن الجنوبية»، ثم عين فيصل عبد اللطيف، رئيسا للوزراء. ومن أبرز رجالاتها أيضا الدكتور ياسين سعيد نعمان، رئيس الوزراء في الجنوب، وأول رئيس لبرلمان دولة الوحدة، وهناك الكثير من المناضلين والقادة من أبناء هذه المديرية التي كان لهم أدوار في المراحل كافة.
وأوضح الشعبي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن طور الباحة عانت الظلم والتهميش في المراحل كافة، فأهلها يعانون عدم وجود مشاريع المياه والكهرباء والمشاريع الصحية، وما تزال كثير من مناطقها خارج اهتمام الدولة، مشيرا إلى أن ما تقدمه هذه المديرية، التي تعد عاصمة لمناطق قبائل الصبيحة، من تضحيات كبيرة في سبيل التصدي للميليشيات الانقلابية «بحاجة إلى لفتة من قبل رجال السياسة والإعلام، فمن من غير المعقول أن تكون هذه التضحيات منسية أو ينالها الجحود والنكران». وأوضح أن الحرب الدائرة في المديرية منذ ما يقارب العام خلفت معاناة كبيرة في الصبيحة، لا سيما في عاصمتها طور الباحة؛ بسبب جرائم الميليشيات واستمرار موجة النزوح إليها من مناطق ومديريات تعز (القبيطة والوازعية والتربة وذباب).
وأكد الشعبي أن عدم قيام المنظمات الدولية بدور في معالجة أضرار الحرب والنزوح ودعم الجانب الإنساني أثر بشكل كبير في المديرية التي تعيش تحت ضغط الحرب منذ عام بعد تحرير عدن؛ لأن المعركة «انتقلت من عدن إلى المناطق الحدودية مع الشمال».
ولفت الشعبي إلى أن غياب الإغاثة ضاعف معاناة أهل المديرية، إذ «لم تحظ المنطقة بدعم إغاثي كما كان متوقعا»، مطالبا المجتمع الدولي للاهتمام بهذا الجانب لرفع معنويات المقاتلين، ومشيرا إلى ضرورة الدعم بالسلاح والعتاد ليستمر الدفاع عن الجنوب وعدن وقهر الميليشيات التي تهدف إلى التوغل ناحية محافظة لحج الاستراتيجية التي دحرتهم منها في أغسطس (آب) من العام الماضي.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.