«طور الباحة».. الخط الدفاعي الأول لعدن تقترب من «كارثة إنسانية»

مديرها العام لـ «الشرق الأوسط» : الفراغ الأمني تسبب في انهيار الاقتصاد

طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)
طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)
TT

«طور الباحة».. الخط الدفاعي الأول لعدن تقترب من «كارثة إنسانية»

طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)
طفل يتأمل كيس غذاء حصلت عليه عائلته من منسقية الإغاثة لأسبوع الماضي («الشرق الأوسط»)

تعاني مديرية طور الباحة، التي وصفها مديرها العام علوان العطري بالخط الدفاعي الأول عن العاصمة المؤقتة عدن، الفقر والبطالة وشح الموارد الغذائية بعد المواجهات العسكرية العنيفة بين قوات المقاومة الشعبية والانقلابيين منذ مطلع العام الماضي.
وبعد أن عرفت طور الباحة تاريخيا بهدوئها البعيد عن تعقيدات العالم واحتياجاته العصرية، أصبحت اليوم أرضا تسقيها دماء المقاومين الذين ضحوا بأرواحهم لصد تقدم ميليشيات الحوثي وقوات الانقلاب. فعند الحدود الشمالية للمديرية، تتمركز الميليشيات الانقلابية في كل من القبيطة وحيفان، ساعية إلى الوصول إلى مركز المديرية الذي يبعد عن هذه المواقع بضعة كيلومترات فقط، لكنها تجد مقاومة شرسة من قبل المقاومة في طور الباحة.
وفي جوانب الطريق الذي يبدو كثعبان أسطوري، تلمح عينا الزائر بعض التجمعات السكانية للبدو والرحل الذين وجدوا من البيئة الصحراوية القاسية مكانا مناسبا لرعي ماشيتهم ونشر خلايا نحلهم، خاصة في موسم تساقط الأمطار من السنة. وكلما توغلت غربا في تلك الأرض المنبسطة، تختفي خلفك رويدا رويدا تلك الصحراء التي رويت بدماء ما يقارب الأربعين «شهيدا» من أبناء طور الباحة، وهم يتصدون لقطعان البغي والدمار من ميليشيات الحوثي، لتقف أمامك سلسلة جبال الخرف والجليدة، وجبل أرف ورشاش غربا، وجبال الفرشة والغول وتقار شرقا، وشعب والبيضاء شمالا، مشكلة حائطا جبليا هائلا بين لحج وتعز، لتترك ممرات ضيقة في بطون الأودية حفرتها مياه السيول الموسمية المنحدرة من جبال حيفان.
تعد مديرية طور الباحة إحدى مديريات محافظة لحج، التي يربطها ببقية مديرياتها الـ14 خط إسفلتي يزيد طوله عن 89 كيلومترا، يبدأ من تقاطع صبر الوهط، ليمر مخترقا منتصف الصحراء المسماة بخبت الرجاع، التي تشكل ثلثي مساحتها المترامية الأطراف، لينتهي ملتقيا الخط الإسفلتي الذي يربط المديرية بتعز في المنفذ التاريخي المسمى بالمرصد في قرية البيضاء الحدودية. ويعد هذا الممر الذي شهد حركة تجارية هائلة للشاحنات والقاطرات الكبيرة من ميناء عدن في الشهور المنصرمة، أهم ممر تجاري بين الشمال والجنوب بعد إغلاق طريق كرش والخط الساحلي باب المندب، قبل أن يتوقف بسبب المعارك المحتدمة في منطقة حيفان لتصبح طور الباحة محطة «ترانزيت» لإعادة نقل البضائع بوسائل النقل الصغيرة من وإلى تعز.
ويعتبر وادي معادن شمالي طور الباحة، بحسب مدير عام المديرية علوان العطري، أبرز الممرات الاستراتيجية التاريخية التي تربط بين محافظات الجنوب وتعز، الذي يتصل بنقيل حيفان الجبلي، وصولا إلى مدينة الراهدة. ويأتي في المرتبة الثانية وادي معبق إلى الغرب الذي يتصل بنقيل هيجة العبد، التي تؤدي إلى مدينة التربة الواقعة على سفوح جبلية ترتفع قرابة 2000 متر فوق سطح البحر، ومن الشرق طريق شعب المغنية القبيطة تعز.
وتقع مديرية طور الباحة إلى الغرب من الحوطة عاصمة محافظة لحج، وهي تشكل موقعا جغرافيا وسطا؛ حيث يحدها من الشرق مديرية تبن بحدود صحراوية تمتد من الوهط، جنوب شرقي المديرية، إلى أن تلتقي بسلسلة جبال المشاريج ما وراء قاعدة العند (شمال شرق)، ومن الغرب مديرية المضاربة، ومن الجنوب العاصمة عدن، ومن الشمال محافظة تعز بحدود جبلية طويلة تبدأ من القبيطة وصولا إلى المقاطرة شمال غربي المديرية.
وطور الباحة هي ثاني أكبر المديريات بعد مديرية المضاربة، حيث تبلغ مساحتها 1883 كلم مربعا، وتقع فلكيا عند تقاطع دائرة العرض 13 وخط الطول 44.5833، ما يجعل موقعها مميزا ويتيح تنوعا مناخيا فريدا. أما عدد سكانها، فيفوق حسب الإسقاطات السكانية لتعداد عام 2004 77420 نسمة، ينتشرون بكثافة في سفوح المنحدرات والجبال في الجزء الشمالي منها.
وتعتبر بيوت المواطنين المبنية من الأحجار والطوب الإسمنتي المصنوع بقوالب يدوية، جزءا من التراث الوطني للمنطقة، عاكسة بساطة حياة سكانها وظروف معيشتهم الصعبة.
من جهته، يقول علوان العطري مدير عام المديرية، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن طور الباحة وبقية مناطق الصبيحة تشكل «خطا دفاعيا أوليا للدفاع عن العاصمة المؤقتة عدن»، حيث تبدأ طور الباحة حدودها مع محافظة تعز من حدود قاعدة العند شرقا إلى منطقة العطيرة غربا بسلسلة جبلية، مشكلة طوقا أمنيا يمتد بمسافة تقدر 100 كيلومتر لتلتحم مع المضاربة، مستكملة للطوق الجبلي الذي يصل طوله المتعرج إلى ما يقارب 200 كيلومتر، وصولا إلى باب المندب في أقصى الغرب.
وتشهد هذه السلسلة الجبلية أعمالا عسكرية وقتالا مستمرا منذ بداية العام 2015 حتى اللحظة، ففي حدود طور الباحة الشمالية تتمركز الميليشيات وجيش المخلوع في كل من القبيطة وحيفان في محاولة للوصول إلى مركز المديرية الذي يبعد عن هذه المواقع بضعة كيلومترات فقط، ولكنها تجد مقاومة شرسة من قبل رجال طور الباحة. وصدت المقاومة محاولة الانقلابيين التقدم رغم خسارتها المستمرة لبعض المواقع الاستراتيجية، التي كان آخرها جبال منطقة ضبي القريبة من حدود المديرية إلى حد كبير. ويرجع ذلك إلى سوء القيادة وضعف التنسيق وظهور المصالح المتضاربة التي جعلت المقاومة معزولة عن محيطها الاجتماعي الحاضن.
ونتيجة للحرب الدائرة هناك، شهدت المناطق الجنوبية من تعز وخاصة بعض قرى حيفان حالة نزوح كبيرة لتتموضع في مركز المديرية، حيث تنتشر الخيام وبيوت القش في ظروف غاية في التعقيد، كما أن جزءا كبيرا من الأسر النازحة استقرت في بعض مساكن المواطنين.
وبالحديث عن الوضع الإنساني في المديرية، يقول المدير العام علوان العطري إن استمرار الحرب وطول أمدها سبب الكثير من الانهيارات الاقتصادية وظهور البطالة والمتسولين، وأصبح وضع المواطنين يقترب من الكارثة الإنسانية في ظل غياب فرص العمل، وتأخر الرواتب لعدة أشهر، وانهيار العملة، واختفاء المشتقات النفطية التي تسببت في انهيار الورش، وتوقف وسائل النقل، وتوقف آلات ضخ المياه في المزارع.
وأكد العطري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن أغلب السكان يعتمدون على الرواتب والأعمال بالأجر اليومي والزراعة ورعي الأغنام، لكن «ظهور العصابات المنظمة وقطاع الطرق وغياب الأمن والمؤسسات الحكومية شكل وضعا إنسانيا وأمنيا معقدا، في ظل مطالبات بتحرك عاجل لتحريك عجلة التنمية وإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية والأمنية بصورة عاجلة»، على حد تعبيره.
تاريخيا، عرفت طور الباحة بنضالها العريق بحسب الباحث السياسي باسم فضل الشعبي. ذلك حيث يعد رجلاها قحطان الشعبي وفيصل عبد اللطيف الشعبي، من مؤسسي حركة القوميين العرب في الجنوب والجبهة القومية التي قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني حتى تحقق الاستقلال في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1967، وأصبح قحطان الشعبي أول رئيس لجمهورية «اليمن الجنوبية»، ثم عين فيصل عبد اللطيف، رئيسا للوزراء. ومن أبرز رجالاتها أيضا الدكتور ياسين سعيد نعمان، رئيس الوزراء في الجنوب، وأول رئيس لبرلمان دولة الوحدة، وهناك الكثير من المناضلين والقادة من أبناء هذه المديرية التي كان لهم أدوار في المراحل كافة.
وأوضح الشعبي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن طور الباحة عانت الظلم والتهميش في المراحل كافة، فأهلها يعانون عدم وجود مشاريع المياه والكهرباء والمشاريع الصحية، وما تزال كثير من مناطقها خارج اهتمام الدولة، مشيرا إلى أن ما تقدمه هذه المديرية، التي تعد عاصمة لمناطق قبائل الصبيحة، من تضحيات كبيرة في سبيل التصدي للميليشيات الانقلابية «بحاجة إلى لفتة من قبل رجال السياسة والإعلام، فمن من غير المعقول أن تكون هذه التضحيات منسية أو ينالها الجحود والنكران». وأوضح أن الحرب الدائرة في المديرية منذ ما يقارب العام خلفت معاناة كبيرة في الصبيحة، لا سيما في عاصمتها طور الباحة؛ بسبب جرائم الميليشيات واستمرار موجة النزوح إليها من مناطق ومديريات تعز (القبيطة والوازعية والتربة وذباب).
وأكد الشعبي أن عدم قيام المنظمات الدولية بدور في معالجة أضرار الحرب والنزوح ودعم الجانب الإنساني أثر بشكل كبير في المديرية التي تعيش تحت ضغط الحرب منذ عام بعد تحرير عدن؛ لأن المعركة «انتقلت من عدن إلى المناطق الحدودية مع الشمال».
ولفت الشعبي إلى أن غياب الإغاثة ضاعف معاناة أهل المديرية، إذ «لم تحظ المنطقة بدعم إغاثي كما كان متوقعا»، مطالبا المجتمع الدولي للاهتمام بهذا الجانب لرفع معنويات المقاتلين، ومشيرا إلى ضرورة الدعم بالسلاح والعتاد ليستمر الدفاع عن الجنوب وعدن وقهر الميليشيات التي تهدف إلى التوغل ناحية محافظة لحج الاستراتيجية التي دحرتهم منها في أغسطس (آب) من العام الماضي.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.