الديموغرافيا تمنع قيام «كردستان سوريا»

تعدد القوميات والطوائف أبرز العراقيل.. والفيدرالية تمهيد لشكل حكم مستقبلي مقترح

الديموغرافيا تمنع قيام «كردستان سوريا»
TT

الديموغرافيا تمنع قيام «كردستان سوريا»

الديموغرافيا تمنع قيام «كردستان سوريا»

لم تسفر نهاية المهلة التي منحتها «قوات سوريا الديمقراطية» لتنظيم «داعش»، والقاضية بإخلاء مدينة منبج، عن عملية عسكرية تنهي وجود التنظيم في المدينة. كما لم تسمح بربط مناطق نفوذ الأكراد في شرق سوريا بمعقلهم الشمالي في عفرين.. فالعوائق التي تحول دون التقدم العسكري، ليست إلا جزءًا بسيطًا من موانع استراتيجية تحول دون ربط تلك المناطق، ليست أقلها العوائق السياسية الدولية والإقليمية، فضلاً عن العوائق الديموغرافية.
فالأكراد يتشاركون مع عدد من الإثنيات والقوميات والطوائف في شمال شرقي سوريا، الميدان الجغرافي نفسه. هم أكبر خليط من القوميات والطوائف في سوريا، وتتداخل مناطق النفوذ، مما يمنع حكما أن يُطبق نموذج كردستان العراق في سوريا. أما من الناحية السياسية، فإن العوائق الدولية، تمنع قيام كيان مشابه، على ضوء ارتباط معظم أكراد سوريا بحزب العمال الكردستاني الذي تحظره تركيا. وهو ما دفع الأكراد إلى بدائل، تمثلت في المساعي لتطبيق الفيدرالية في شمال سوريا، وقيام نموذج حكم مشترك بين العرب والأكراد والسريان، مثل «الحاكمية المشتركة» في مقاطعة «الجزيرة» أو «عفرين» أو «كوباني».
يجمع الأكراد على أن النظام الفيدرالي، الذي أعلن في مارس (آذار) الماضي بالتزامن مع مفاوضات «جنيف3» التي استبعدوا منها، هو لتنظيم العلاقات بين مكونات مجتمع مناطق شمال سوريا، وأنه «لا يعني أننا سنكون نسخة عن كردستان العراق». أما ضمّ ما كانت تعرف بمناطق «روج آفا» إلى تلك الأخيرة في شمال سوريا، فباتت اليوم مجتمعة تحت اسم «الاتحاد الديمقراطي روج آفا وشمال سوريا»، وهي خطّة كان قد بدأ البحث فيها قبل أربعة أشهر من مفاوضات جنيف، وأعلن عنها بعد اجتماعات ومشاورات مكثفة بين مختلف المكونات في هذه المناطق، بحسب ما واظب كبار المسؤولين الأكراد على تأكيده.
منذ إعلان تلك الخطوة، برزت تغييرات ميدانية تعزز الاعتقاد بأن الهدف من معركة منبج، هو ربط مناطق سيطرة الأكراد بعضها ببعض. لكن الواقع أن مرحلة ما بعد معارك ريف حلب الشرقي، وتحديدًا معركة منبج، تبدو ضبابية بالنسبة للأكراد و«قوات سوريا الديمقراطية». وترى مصادر كردية واسعة الاطلاع أن معركة منبج «لم تدخل مرحلة الحسم بعد»، وأنها «ستطول عسكريًا بالنظر إلى الألغام المزروعة داخل المدينة، والمدنيين الذين يلوذون بالفرار داخلها».
بدأت «قوات سوريا الديمقراطية»، بدعم من التحالف الدولي، هجوما منذ 31 مايو (أيار) الماضي لاستعادة السيطرة على منبج، وتمكنت من محاصرة أكثر من 79 قرية ومزرعة في محيط المدينة، والسيطرة عليها. وأدت محاصرة المدينة، إلى قطع طريق التواصل والإمداد المباشر من جرابلس الحدودية مع تركيا الخاضعة لسيطرة «داعش»، إلى معاقل التنظيم في الباب ودير حافر، وصولاً إلى الرقة. وبعد السيطرة على الطرقات المحيطة بمنبج، يضطر التنظيم لسلوك أكثر من 140 كيلومترًا لنقل إمداداته بين جرابلس والباب، بدلاً من 60 كيلومترًا. وبات ضروريًا للقادمين من الرقة كمحطة من دير الزور والأراضي العراقية، باتجاه جرابلس، المرور في مدينة الباب وريفها الغربي، وصولاً إلى الريف الجنوبي لمدينة مارع، قبل الانتقال إلى مدينة الراعي الحدودية مع تركيا ثم مدينة جرابلس.
وتعد تلك العملية «الأوسع» ضد تنظيم «داعش» في شرق سوريا، وتتبع المسار العسكري باتجاه الغرب، وراء ضفة نهر الفرات الغربية، وليس جنوبًا باتجاه الرقة، بهدف وصل مناطق سيطرة الأكراد بين الإدارة الذاتية في كوباني والإدارة الذاتية في عفرين، كما يرى المتابعون للملف، وسط استبعاد لأن يكون هذا التوسع يهدف للاقتراب من الشريط الحدودي مع تركيا بسبب الحساسيات مع أنقرة، علمًا بأن القوات التي تخوض المعارك في منبج «تتألف بشكل أساسي من المجلس العسكري في منبج الذي يتضمن قوات عربية وأخرى كردية تنحدر من المدينة»، إلى جانب و«حدات حماية الشعب» الكردية.

مخاوف السوريين
غير أن دخول «قوات سوريا الديمقراطية» إلى المدينة، حتى لو استغرق وقتًا إضافيًا، يثير هواجس المعارضة السورية التي تعبر عن مخاوفها من أن تسهّل هذه العملية للأكراد إعلان «كانتون» لهم في شمال سوريا، رغم أن الأكراد ينفون ذلك، مؤكدين أن النطاق الجغرافي في سوريا «متداخل بين القوميات والأعراق، خصوصًا بين العرب والأكراد في شمال سوريا، مما يمنع قيام دولة قومية غير تشاركية، ومن هنا تأتي (الحاكمية المشتركة) للفيدراليات التي تم الإعلان عنها».
وتتشارك المعارضة السورية الهاجس التركي حول قيام دولة كردية على حدودها، وباتت أكثر قربًا، مع إحراز «قوات سوريا الديمقراطية» التي يغلب عليها الأكراد، تقدمًا باتجاه الريفين الشرقي والشمالي لمدينة حلب على حساب تنظيم «داعش»، الذي سيكون معزولاً عن العالم خارج سوريا والعراق، إذا تمكنت تلك القوات من السيطرة على مناطق نفوذه.
وبانتظار تحقيق حسم عسكري، لا ينفي مستشار القيادة العامة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» الدكتور ناصر الحاج منصور، أن مرحلة «ما بعد منبج»، مسألة معقدة جدا، موضحًا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن تعقيداتها «تنطلق من أن الأزمة السورية يؤثر فيها لاعبون دوليون وإقليميون ومحليون، نظرًا لأن هناك توازنات إقليمية ودولية والتحالف الدولي، كما أن هناك مجموعة قوى متداخلة ومتصارعة وتعاني مشكلات كثيرة».
وتنتشر في مناطق شمال سوريا فصائل متعددة الولاءات، إضافة إلى «جبهة النصرة»، وتنظيم داعش، وقوات النظام السوري التي تحيط بمناطق سيطرة ونفوذ الأكراد، إلى جانب دخول العاملين الأميركي والروسي على خطوط التأثير بالملف السوري.
وإذ أكد الحاج منصور: «إننا لن نكون العامل الوحيد في صناعة الأحداث أو تسجيلها، رغم أننا جزء أساسي منها في شمال سوريا»، أشار إلى أن الخيارات المتاحة، في مرحلة بعد منبج، «لم تتبلور بعد»، وأنها «رهن الانتظار والتوافق عليها مع التحالف الدولي سياسيا وعسكريا».
يقول كثيرون إن الأكراد يفوضون التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، والولايات المتحدة الأميركية، لاتخاذ القرارات عنهم، في ضوء مساعدتهم عسكريًا للقضاء على «داعش»، وقد أثبتوا أنهم يمتلكون قدرة كبيرة على تحقيق ذلك، من خلال انتصارات أحرزوها في جبهات عدة في شمال سوريا وشمال شرقيها، مثل جبهات ريف الحسكة وريف الرقة وتحرير مدينة كوباني (عين العرب) الحدودية مع تركيا في أواخر يناير (كانون الثاني) 2015.
وفي حين ينفي الحاج منصور أن يكون أكراد سوريا قد فوضوا التحالف تقرير الخطوات المناسبة، قال إن العلاقة «تفاوض وليس تفويضا، بمعنى أننا نتفق معهم على كل الخطوات، والتعامل بيننا يتم على أساس النقاش والتوافق والتقاطعات المشتركة»، لافتًا إلى أن أهمية التنسيق مع التحالف تزداد أيضًا بالنظر إلى «دوره على الصعيد الإقليمي في كبح جماح تركيا أو النظام، أو غيرها من العوامل الأخرى»، لجهة التعامل معهم.
ولا ينفي الأكراد نيتهم وصل الفيدرالية في كوباني بالفيدرالية في عفرين، لتكون «فيدرالية شمال سوريا»، المعروفة باسم «روج آفا»، متصلة، وتمتد من محافظة الجزيرة أو الحسكة السورية في شمال شرقي البلاد، على طول الشريط الحدودي مع تركيا، وصولاً إلى رف حلب الشمالي في عفرين، على مساحة تناهز العشرين ألف كيلومتر مربع.
وقال الحاج منصور: «من المبكر جدًا الحديث عن هذا الأمر حتى الآن، كون معركة منبج وما بعدها ستستغرق وقتًا إضافيًا، رغم أن المعركة الحالية هي بداية نهاية (داعش)، وتطلق العدّ العكسي ضد وجود التنظيم، لكنني أؤكد أن الفيدرالية التي نسعى لإنشائها في شمال سوريا لن تكون كردية أبدًا، بل ستكون فيدرالية مشتركة تضم بالتأكيد عربًا وأكرادا وأشخاصًا ينتمون إلى كل الطوائف والمذاهب».
وتناقل كثيرون الحديث عن أن الأكراد بدأوا بتغيير اسم منبج، مع اقترابهم منها وحصار تنظيم «داعش» فيها، وبدأوا يطلقون عليها اسما كرديًا. لكن القيادي الكردي ناصر الحاج منصور، نفى أن يكون هناك أي توجه لتغيير اسمها، قائلاً إن اقتراب «قوات سوريا الديمقراطية» من طرد «داعش» منها، لا يمكن أن يلغي حقيقة منبج بأن الأغلبية الساحقة من أهلها وسكانها من العرب، وبالتالي لا يمكن تغيير اسمها، وليس هذا الأمر مطروحا بتاتًا. وأوضح أن «المساحات الجغرافية في سوريا متداخلة وتعيش فيها كل القوميات، وكل قومية تطلق عليها اسمًا باللغة المعتمدة، كذلك منبج، التي نؤكد أن اسمها العربي هو اسمها الرسمي».

مخاطر تقسيم سوريا
يرى المعارضون السوريون الفيدرالية، نقيضًا لما يطالب به الائتلاف، وهو إبقاء سوريا موحدة وإنشاء نظام ديمقراطي تعددي. ويقول عضو الائتلاف السوري المعارض سمير نشار، إن «ما يصرّح به قادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يحمل مخاطر شديدة». ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «من السابق لأوانه وقبل سقوط نظام بشار الأسد أن تعتقد أي قوة أنها قادرة على تحديد مستقبل سوريا»، مشيرًا إلى أن «مستقبل سوريا يحدده كل السوريين من عرب ومسيحيين وتركمان وأكراد وسنّة وشيعة، لأن الشعب السوري متنوع وسوريا دولة متعددة الأديان والمذاهب».
وقال: «أي تصور أو خطة يطرحها أي مكون تحمل مخاطر كبيرة، لأنه داخل كل كيان، توجد عناصر متطرفة تدفع نحو اقتتال طويل، ومن الخطأ أن يحاول الأكراد الاستفادة من التطورات على الأرض، وأن يلجأوا إلى اتخاذ قرار منفرد»، لافتًا إلى أن «الطموح الكردي الذي يجنح نحو التقسيم، سيقابل برد فعل عنيف من المكون العربي والتركماني، لكن موقف المكون العربي سيكون حادًا».
وأضاف نشار: «مخاطر تقسيم سوريا كبيرة جدًا، وعليهم أن يعلموا أن العرب السنّة هم أم الصبي، والحريصون على وحدة سوريا، ولا يقبلون بأن يقوم البعض، بدعم قوى دولية، بطرح مشاريع خطيرة يصعب التنبؤ بنتائجها». ونبّه إلى أنه «إذا صحت التصريحات المنقولة عن مسعود بارزاني، حول مطالبته بتقسيم العراق إلى ثلاث دول؛ شيعية وسنية وكردية، فإن ذلك سيدفع أكراد سوريا إلى طرح مثل هذه الأفكار أيضًا».
وشدد عضو الائتلاف على أن «الوقت الآن ليس لطرح مستقبل سوريا، فلتبقَ الأفكار في النفوس إلى ما بعد سقوط النظام، وكل من يصر على طرح هذه الرؤى الآن هو متواطئ ومتآمر على الشعب السوري وعلى الثورة السورية».

فيدرالية التشارك الإثني والطائفي
لا يبدو أن الفيدرالية التي أعلنها الأكراد، التفاف على الوقائع الجيوسياسية في شمال سوريا لإعلان الانفصال التام، أو إقصاء القوميات والإثنيات الأخرى عن السلطة في أي نظام مستقبلي تستقر عليه سوريا، بالنظر إلى استحالة قيام «كردستان سوريا» كما يسميها مؤيدو هذا الطرح. فقد أثارت خطوة إعلان «النظام الفيدرالي» في مناطق سيطرة «حزب الاتحاد الديمقراطي» في شمال سوريا، في شهر مارس الماضي، كثيرا من المخاوف، حتى إن البعض اعتبرها مقدمة لاعتماد نظام مماثل في الأراضي السورية كافة بعد الحرب، وهو ما رفضه كل من النظام والمعارضة.
الخبير الاستراتيجي اللبناني ومدير معهد الأبحاث الجيوسياسية، خطّار بو دياب، ذكّر بأنه «لم يصدر حتى الآن أي تصريح رسمي من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، يعلن فيه أنه يريد دولة كردية مستقلة في شمال سوريا».
وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «كل ما قيل حتى الآن هو إعلان فيدرالية (روج آفا)، من ضمن نظام فيدرالي في كل سوريا، وهم يعتبرون أن هذه الفيدرالية لا تخص الأكراد وحدهم، إنما المجموعات العربية والآشورية والتركمانية وغيرها». وقال: «في ظلّ التحولات التي حصلت في الماضي ومنها (سايكس – بيكو)، تلقى الأكراد وعودًا بإقامة دولتهم المستقلّة، لكن كل هذه الوعود سقطت، باستثناء ما تحقق في كردستان العراق، ومن هنا يُفهم أن الكرد في سوريا يأملون بتكرار تجربة العراق، لكن تحقيق ذلك يبقى رهنًا بميزان القوى على الأرض»، مشيرًا إلى أن «الدول الغربية المؤثرة في الأزمة السورية لا تدعم أي تقسيم، لكنها لا تمانع قيام دول اتحادية، بخلاف بعض المتشددين الأكراد الذين لديهم نزعة نحو إحياء ما كان يعرف بالدولة الكردية التي كانت ممتدة من شمال حلب إلى تركيا».
وأضاف الخبير الاستراتيجي: «لا يستطيع أي طرف من الأطراف إعادة صياغة ما هو تاريخي، وإلا عندها يمكن للبعض أن يطالبوا باستعادة الأندلس». ولفت إلى أن «أكراد سوريا يحاولون الاستفادة من دعم الدول الكبرى لهم، لأنهم أثبتوا أنهم القوّة الأقدر على قتال (داعش)، ولكن إذا قرأنا نظريات (زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في تركيا) عبد الله أوجلان، نفهم أنه يطرح مزيدا من الحكم الذاتي للأكراد ضمن دولهم، بما يؤمن حقوقهم القومية والثقافية، لكنه لا يحلم بهدم حدود الدول القائمة حاليًا».

معارك منبج مستمرة
بعد شهرين من انطلاق معركة منبج، لا يزال المدنيون يعوقون العمليات العسكرية في داخل المدينة، نظرًا لأن القوات التي تنوي مهاجمتها، مدعومة بالطائرات الحربية التابعة للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، وتشن غارات جوية أمام وخلف القوات المهاجمة لإسنادها في تقدمها.
ومع أن «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري، تمكنت من دخول منبج، لكنها تواجه مقاومة تحول دون طرد «الجهاديين» الذين يستخدمون التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة. وتتركز المعارك في الأحياء الغربية من المدينة، حيث يتصدى تنظيم داعش «بشراسة لمحاولات (قوات سوريا الديمقراطية) التقدم إلى داخل المدينة، ويزج بالأطفال على خطوط المواجهات».
المدينة الاستراتيجية التي كانت تضم أكبر صوامع الحبوب والقمح في شمال سوريا، تقع في وسط زراعي، ويقع فيها مركز المدينة الإداري لعشرات القرى والبلدات التي يعمل سكانها بالزراعة. بلغ تعداد سكان المنطقة 408.143 نسمة حسب التعداد السكاني لعام 2004، ويسكن أريافها خليط من العرب والأكراد والتركمان، كما يسكنها بعض الشركس والمسيحيين والأرمن، علمًا بأن القسم الأكبر من سكان منبج ونواحيها، من القبائل والعشائر العربية المختلفة التي هاجرت إليها من ضفاف الفرات واستقرت فيها. وقد قصدها في العصر الحديث، عائلات كثيرة من المهنيين والتجار والموظفين والعلماء قدموا إليها من مدينتي حلب والباب ومناطق أخرى مجاورة؛ للعمل فيها، واختاروها مستقرًا لهم.
بعد سيطرة «داعش» على المدينة وريفها في أواخر عام 2014، شهدت المدينة حركة نزوح ثانية بعد النزوح الأول إثر سيطرة قوات المعارضة عليها، وتقلص عدد السكان إلى نحو 40 ألف نسمة، ما لبثوا أن تقلص عددهم أيضًا إثر الهجمات الأخيرة التي شنتها «قوات سوريا الديمقراطية» إلى نحو 20 ألف نسمة، بحسب ما قالت مصادر عسكرية معارضة لـ«الشرق الأوسط». وفر آلاف المدنيين مطلع الأسبوع من مدينة منبج مع اقتراب «قوات سوريا الديمقراطية» من مشارفها خوفا من المعارك والغارات الجوية التي يشنها التحالف الدولي.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».