«الشرق الأوسط» تكشف اتفاق كيري ـ لافروف: «تجزيء» الحل السوري.. وتأجيل مصير الأسد

وزير الخارجية الأميركي أبلغ نظيره الروسي أن ما يقوم به هو «المحاولة الأخيرة للإدارة الحالية»

قوات الدفاع المدني تتفحص الدمار الذي لحق بحي في بلدة دوما قرب دمشق إثر غارة لطيران النظام أمس (رويترز)
قوات الدفاع المدني تتفحص الدمار الذي لحق بحي في بلدة دوما قرب دمشق إثر غارة لطيران النظام أمس (رويترز)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف اتفاق كيري ـ لافروف: «تجزيء» الحل السوري.. وتأجيل مصير الأسد

قوات الدفاع المدني تتفحص الدمار الذي لحق بحي في بلدة دوما قرب دمشق إثر غارة لطيران النظام أمس (رويترز)
قوات الدفاع المدني تتفحص الدمار الذي لحق بحي في بلدة دوما قرب دمشق إثر غارة لطيران النظام أمس (رويترز)

تمكنت «الشرق الأوسط» من الاطلاع على مجريات الاجتماع الذي ضم وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظرائه الأوروبيين في بروكسل، في الثامن عشر من الشهر الحالي، وذلك عقب عودته من اجتماعاته المطولة مع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف والرئيس فلاديمير بوتين، لغرض إطلاعهم على الاتفاق الذي توصل إليه في موسكو، ونظرته إلى مسار الأزمة السورية، والجهود المشتركة التي يبذلها مع لافروف.
وكشف المصدر الذي تحدثت معه «الشرق الأوسط» أن كيري كان «بادي التفاؤل» لجهة وضع الاتفاق موضع التنفيذ، الأمر الذي أثار «دهشة البعض»، نظرا لما خبروه من تعامل موسكو مع الملف السوري، وللأهداف التي تسعى روسيا لتحقيقها بالربط بين الملف المذكور والملفات الأخرى العالقة بينها وبين واشنطن والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ومنها الأزمة الأوكرانية، وازدياد الوجود العسكري الأطلسي على الحدود مع روسيا، وجهود التسلح التي يقوم بها الحلف التي تراها موسكو موجهة ضدها.
وقال كيري لنظرائه خلال الاجتماع، إن اتفاقه مع لافروف يقوم على مبدأ «تجزيء» التعامل مع الأزمة السورية على مراحل؛ تبدأ مرحلتها الأولى بالعمل على التنسيق العسكري بين الطرفين فيما يخص الضربات الجوية ضد تنظيمي «داعش» و«النصرة». لكن أمرا كهذا، وفق كيري، لن يمكن البدء فيه إلا بعد أن يكون قد تم الفصل بين مواقع المعارضة المعتدلة ومواقع «النصرة».
وبحسب المصدر الدبلوماسي، فإن كيري يريد أن يحصل من الجانب الروسي على تعهدات بأن يقوم الطرفان بتحديد الأهداف التي ستقصف «معا»، الأمر الذي يفهم من الجانب الأميركي على أنه «تقييد» لحركة الطيران الروسي الذي تتهمه بعض الأطراف الغربية والخليجية بأنه يستهدف أولا مواقع المعارضة المعتدلة قبل أن يستهدف مواقع «داعش» أو «النصرة»، وذلك لمساندة نظام الأسد وإيقافه على قدميه.. وأكثر من ذلك.
وتقوم الخطة التي نقلها كيري لنظرائه الأوروبيين، والتي احتاج مع نظيره الروسي إلى 12 ساعة من المناقشات لإقرارها، على إنشاء «غرفة عمليات مشتركة» في العاصمة الأردنية تكون من صلاحياتها الإشراف على العمليات العسكرية في سوريا. ومشكلة موسكو في هذا الطرح أن لديها منذ أشهر غرفة عمليات مشتركة روسية - إيرانية - سورية في العاصمة العراقية، وأن التنسيق بين قواتها والقوات الأميركية سيثير حفيظة طهران.
مقابل الثمن «العسكري» الذي قبلت واشنطن بدفعه من خلال قبولها تنسيق العمليات مع موسكو، فإنها طلبت ثمنا مقابلا، وهو امتناع الطرف الروسي عن استهداف مواقع المعارضة المعتدلة التي تقاتل النظام و«داعش» في الوقت عينه. والمشكلة أن واشنطن تتهم الطيران الروسي باستهداف مجموعات تدعمها وتدربها وتسلحها واشنطن من برنامج المخابرات الأميركي لمساعدة المعارضة. كذلك تريد واشنطن، وفق ما شرحه كيري، أن «تضغط» روسيا على نظام الأسد، ليوقف بدوره استهداف المعارضة المذكورة؛ أقله الجانب المدني. لكن المشكلة كما أثيرت في موسكو أن الجانب الروسي لا يريد فقط فصل المعارضة المعتدلة عن مواقع «النصرة»، بل إنه يعتبر أيضا أن «جيش الإسلام» و«أحرار الشام»، اللتين تحظيان بدعم خليجي واسع، هما حركتان إرهابيتان، وهو ما لا تقبله واشنطن، خصوصا أن «جيش الإسلام»، مثلا كان جزءا من وفد الهيئة العليا للمفاوضات في جنيف، وأن ممثله محمد علوش كان يحمل صفة «مفاوض رئيسي» قبل أن يستقيل منه. وفي أي حال، فإن مصدرا رفيعا في المعارضة السورية أبلغ «الشرق الأوسط»، أن المعارضة «لن تكون قابلة بأي مساع للفصل، إلا في حال حصول هدنة شاملة». كذلك، فإنها ترفض رفضا قاطعا إعطاء الروس إحداثيات مواقعها، لأن هذا يعني تعرضها مباشرة للقصف.
إلى الجانب العسكري، شرح كيري لنظرائه أن الاتفاق مع لافروف ينص على إعادة إحياء المحادثات التي يقودها ستيفان دي ميستورا. وكشفت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط»، أن الأخير «يتعرض لضغوط روسية وأميركية» لحمله على الدعوة إلى جولة ثالثة من المحادثات في جنيف، وهو ما سارع المبعوث الدولي إلى إعلانه أول من أمس، بقوله إنه يأمل تحقيق هذا الهدف نهاية شهر أغسطس (آب) المقبل. وأشارت المصادر الفرنسية إلى أن دي ميستورا «قدم تنازلا» للروس عندما لم يربط، كما كان يفعل سابقا، بين العمل مجددا على وقف الأعمال العدائية وإيصال المساعدات الإنسانية، والعودة إلى المحادثات، عند إشارته في مؤتمره الصحافي، أول من أمس، إلى أن هذه العودة «لن تنتظر تطورات الوضع في حلب ودمشق»، في إشارة إلى حصار المدينة الأولى واستمرار القصف في محيط المدينة الثانية.
تشير المصادر الأوروبية إلى أن كيري، من باب العمل بمبدأ «التجزيء»، شرح لنظرائه أن البحث في مصير الأسد «مؤجل لمراحل لاحقة»، معيدا التأكيد على أن «لا حل في سوريا إلا سياسيا»، وألا تفاهم من غير الجانب الروسي. والحال، فإن موسكو ما زالت ترفض الخوض علنا في هذا الموضوع. أما في المشاورات التي تجري مع مسؤوليها بشأن الأسد، فإنها تنبه من تعميم الفوضى وانتشار الإرهاب على نطاق أوسع، كما أنها، في أي حال، تربط هذا الموضوع، بالانتهاء من الحرب على الإرهاب.
ووفق تقدير المصادر الأوروبية، فإن موسكو «لن تقبل الخوض جديا في هذا الموضوع إلا بعد أن يكون قد توفرت لديها شخصية تثق بها من أجل قيادة سوريا، وبعد أن تكون قد اطمأنت على مصالحها في هذا البلد، إضافة إلى ما يمكن أن تحصل عليه في الملفات الخلافية الأخرى».
وتعتبر المصادر الأوروبية التي نقلت كلام الوزير الأميركي، أن اتفاق كيري - لافروف «صعب التنفيذ»، وجل ما يمكن تحقيقه هو منع القصف عن بعض مناطق المعارضة فقط، لافتا إلى أن استكمال سيطرة النظام على طريق الكاستيلو ومحاصرته حلب قد جرى بدعم روسي وبعد لقاءات كيري في موسكو، أي بعد التوصل إلى الاتفاق. وتضيف هذه المصادر أن النظام بدعم روسي وإيراني وجميع الميليشيات، سيستمر في تغيير الوقائع الميدانية، خصوصا في حلب، وأنه سيناور في العودة إلى المفاوضات التي يدعو إليها دي ميستورا، حتى تحقيق أهدافه الميدانية. وتجاه هذا الواقع، ترى هذه المصادر أن الدول الداعمة للمعارضة السورية، لا سيما الخليجية منها، «تنتظر ثبات فشل الجهود الأميركية لرفع مستوى دعمها بشكل كبير للمعارضة، كي تتمكن هذه من الاستمرار، ومن خلق الظروف الملائمة لإعادة تحسين وضعها الميداني».
أما آخر خلاصة للمصادر الأوروبية، فهي أن كيري أبلغ لافروف أن ما يقوم به هو «المحاولة الأميركية الأخيرة للإدارة الحالية»، وأنه في حال لم تضغط روسيا على النظام وإيران لتطبيقه، فإن واشنطن ستنسحب تماما من الأزمة السورية وتترك لموسكو عبء التعامل مع كل الوقائع الميدانية. ويدرس الأوروبيون جديا الخطة البديلة للتعامل مع الأزمة السورية ولملء الفراغ السياسي في حال فشل الاتفاق.
ومنذ وصول الجهود التي يبذلها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا إلى طريق مسدود بعد جولتين من المحادثات استضافتهما مدينة جنيف، باتت كل الأنظار مشدودة لما يقوم به كيري ولافروف باعتبارهما «رئيسي» أوركسترا المفاوضات، وضامني اتفاقية وقف الأعمال العدائية التي تحولت منذ أسابيع طويلة إلى أثر بعد عين. من هنا، أهمية اجتماع كيري والوزراء الأوروبيين، وبينهم كثيرون ممن يلزمون الحذر إزاء جهود كيري ومن سياسة الإدارة الأميركية، فيما يخص الأزمة السورية للفترة المتبقية من ولاية الرئيس أوباما.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.