منفذ هجوم ميونيخ من أصول إيرانية كان يعاني «الاكتئاب»

الشرطة الألمانية: الهجوم جريمة قتل عشوائي تقليدية.. و3 أتراك ويوناني بين القتلى

وزير الداخلية الالماني توماس دي ميزيير ويواخيم هيرمان وزير داخلية بافاريا خلال زيارتهما أمس إلى المركز التجاري في ميونيخ الذي شهد الهجوم (غيتي)
وزير الداخلية الالماني توماس دي ميزيير ويواخيم هيرمان وزير داخلية بافاريا خلال زيارتهما أمس إلى المركز التجاري في ميونيخ الذي شهد الهجوم (غيتي)
TT

منفذ هجوم ميونيخ من أصول إيرانية كان يعاني «الاكتئاب»

وزير الداخلية الالماني توماس دي ميزيير ويواخيم هيرمان وزير داخلية بافاريا خلال زيارتهما أمس إلى المركز التجاري في ميونيخ الذي شهد الهجوم (غيتي)
وزير الداخلية الالماني توماس دي ميزيير ويواخيم هيرمان وزير داخلية بافاريا خلال زيارتهما أمس إلى المركز التجاري في ميونيخ الذي شهد الهجوم (غيتي)

أعلن الادعاء العام الألماني في ميونيخ، أمس، أن الجريمة التي وقعت مساء أول من أمس في المركز التجاري في ميونيخ كانت جريمة قتل عشوائي تقليدية، وأضاف الادعاء أنه لا توجد شواهد أخرى». وقال المدعى العام في ولاية بافاريا، في مؤتمر صحافي، أمس، إن منفذ الهجوم خضع لعلاج نفسي من الاكتئاب، مشددًا على عدم ارتباطه بأي أفكار سياسية.
وتابع أن المهاجم الألماني ذي الأصول الإيرانية البالغ من العمر 18 عامًا لا يملك سجلاً إجراميًا، ونفذ عمليته بشكل منفرد، دون أن يترك أي رسالة قبل انتحاره.
من جهته، أعلن يواخيم هيرمان وزير داخلية بافاريا، أمس، عن وجود شواهد تفيد بإصابة منفذ هجوم ميونيخ بقدر كبير من الاضطراب النفسي. وقال هيرمان: «لدينا بعض الشواهد على إمكانية وجود قدر غير ضئيل من الاضطراب النفسي لدى الجاني».
وكانت ميونيخ قد شهدت هجوما مسلحا على أحد مراكزها التجارية، أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 27 آخرين بينهم 7 مراهقين كلهم مواطنون، وانتحار منفذ الهجوم.
ورغم ترجيح وسائل الإعلام العمل الإرهابي في ميونيخ، فإن الشرطة الألمانية تتعامل مع الموضوع بحذر شديد، وتقول إنه لا يوجد أي دليل حتى الآن على تورط «متطرفين» في حوادث إطلاق النار. من جهته، قال هوبرتوس أندريا رئيس الشرطة الألمانية، أمس، إن المحققين عثروا داخل منزل منفذ هجوم المركز التجاري في ميونيخ على كتب عن حوادث القتل العشوائي، مشيرًا إلى أنه كان شديد الاهتمام بهذا الموضوع.
من جهته قال أندريا رئيس الشرطة الألمانية أمس إن المحققين يعتقدون بوجود علاقة بين هجوم ميونيخ ومذبحة أوسلو التي كان النرويجي اليميني المتطرف أندريس بيرينج بريفيك قد نفذها قبل سنوات. وأضاف أندريا أن «هذه العلاقة واضحة». يُذكر أن أمس وافق الذكرى الخامسة للجريمة التي ارتكبها بريفيك. وقال أندريا قائد شرطة ميونيخ أمس إنه لا توجد مؤشرات على الإطلاق لوجود صلة بين الألماني ذي الأصل الإيراني الذي فتح النار في مركز للتسوق بالمدينة، أول من أمس، وتنظيم داعش. وقالت الشرطة الألمانية إنها تميل إلى فرضية أن مطلق النار في ميونيخ مختل عقليًا.
وصرح قائد شرطة ميونيخ هوبرتوس أندريا: «وجدنا عناصر تدل على أنه يهتم بقضايا مرتبطة بالمختلين عقليا»، الذين ارتكبوا عمليات قتل، خصوصًا كتبًا ومقالات في صحف. وأضاف أنه ليس هناك أدنى علاقة لمطلق النار بتنظيم داعش.
وأوضح أندريا، في مؤتمر صحافي صباح أمس، أن المشتبه به لم يكن معروفا لدى الشرطة، وأنه لم يكن له أي صلة معروفة بتنظيمات إرهابية. ودعت ميركل مجلس الأمن الألماني إلى الانعقاد أمس لبحث الهجمات القاتلة. ويقوم المشاركون في الاجتماع بتقييم الأوضاع الأمنية بعد هجمات ميونيخ، وكذلك عمل القوات الأمنية. وفي سياق متصل، أعلنت السلطات في ألمانيا تشديد الرقابة على الحدود مع التشيك، فيما فرضت النمسا إجراءات أمنية على حدودها مع ألمانيا. وتقول الشرطة الألمانية إن المسلح الذي قتل 9 أشخاص رميا بالرصاص في مدينة ميونيخ بولاية بافاريا أول من أمس كان مهووسا بهجمات إطلاق النار الجماعية، ولم تكن له أي ارتباطات بالتنظيم الذي يطلق على نفسه اسم «داعش». وأكدت أن ثمة ارتباطًا واضحًا بين المهاجم والقاتل النرويجي اندرز بيهرينغ بريفيك الذي قتل نحو 92 شخصا في هجمات نفذها في العاصمة أوسلو وحولها قبل 5 أعوام بالضبط. وقالت الشرطة للصحافيين إن رجالها الذين فتشوا الغرفة التي كان يقيم فيها عثروا على قصاصات من صحف تتعلق بهجمات مماثلة، بما فيها مقال عنوانه «لماذا يقتل الطلاب؟».
وتحقق الشرطة فيما إذا كان المهاجم قد أقنع ضحاياه بالتوجه إلى مطعم معين من خلال دعوة نشرها في موقع «فيسبوك». وثمة شكوك بأنه استخدم حسابا وهميا تحت اسم فتاة لدعوة عدد من الأشخاص إلى مطعم ماكدونالدز للوجبات السريعة في مجمع أولمبيا التجاري حيث نفذ هجومه. يذكر أن المسلح، وهو إيراني الأصل يبلغ من العمر 18 عامًا، كان من مواليد ميونيخ، وكان يحمل مسدسًا من طراز «غلوك» عيار 9 ملليمترات. وانتحر المسلح بإطلاق النار على نفسه. وأصيب في الهجوم 27 شخصا بينهم عدد من الأطفال. وتقول الشرطة إن المهاجم كان يتلقى علاجا نفسيا للكآبة التي كان يعاني منها.
وقال النائب العام في ميونيخ توماس شتاينكراوس كوخ أمس إن منفذ هجوم ميونيخ كان يعاني «شكلاً من أشكال الاكتئاب». وأضاف خلال مؤتمر صحافي في ميونيخ (جنوب) أن «المسألة تتعلق بمرض، وهو شكل من أشكال الاكتئاب»، لكنه أبدى في الوقت ذاته حذرا حيال معلومات تفيد بأنه تلقى علاجا نفسيا». وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس إن 3 أتراك كانوا ضمن القتلى الذين سقطوا في ميونيخ. وقال الوزير التركي لتلفزيون «إن تي في» التركي المحلي إن مراهقين اثنين وسيدة أتراكًا قتلوا في الهجوم.
كما أعلنت وزارة الخارجية اليونانية أن أحد المواطنين اليونانيين قُتِل هو الآخر في الهجوم. من جانب آخر، أعلنت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، عن تأجيل عطلتها في جبال الألب لترأس اجتماع مجلس الأمن الألماني في وقت لاحق أمس.
وعُثِر على جثة المهاجم على بعد كيلومتر واحد من مركز أولمبيا في ضاحية موساتش بالشمالي الغربي من ميونيخ. وكان يُعتقد في البداية أن 3 أشخاص ضالعين في الهجوم، لكن الشرطة تعتقد الآن أن شخصا نفذ الهجوم بمفرده. وداهم أفراد من القوات الخاصة التابعة للشرطة ألألمانية شقة في حي ماكسفورشتات تعود لمنفذ الهجوم في ميونيخ في وقت مبكر من صباح أمس. وهذا ثالث هجوم يستهدف مدنيين في غرب أوروبا خلال ثمانية أيام. وقالت صحيفة بيلد إن المسلح كان يعيش في تلك الشقة مع والديه. وذكرت الشرطة أن المسلح وهو ألماني إيراني يبلغ من العمر 18 عاما تصرف بشكل منفرد على ما يبدو. وعثر على المهاجم الذي كان يحمل مسدسا مقتولا بعيار ناري يشتبه بأنه أطلقه على نفسه.
وقال قائد شرطة ميونيخ هوبرتوس أندريه إن المهاجم الذي يحمل الجنسيتين الألمانية والإيرانية من أبناء المدينة. وذكرت السلطات أن من السابق لأوانه القول إن الهجوم إرهابي، مضيفة أنها لا تملك أدلة فورية على وجود دافع للمتشددين. كما أسفر الهجوم عن إصابة 16 شخصا بينهم عدة أطفال وثلاثة في حالة حرجة».
وذكرت الشرطة الألمانية أنه ليس هناك أي دليل يسمح بتحديد ما إذا كان هجوم ميونيخ الذي أدى إلى جرح 16 شخصا أيضًا بينهم ثلاثة إصاباتهم خطيرة، هو اعتداء أو عمل شخص مختل عقليا. وأشار رئيس الشرطة أندريا إلى أن أطفالاً بين ضحايا الحادث دون أن يذكر أي تفاصيل أخرى. وأضاف أن «التحقيقات لا تزال مستمرة».
وتحدثت الشرطة ظهر أمس إلى الصحافيين لكنها لم تنشر سوى تفاصيل قليلة عن هوية المهاجم، مشيرة إلى أنه عمل بمفرده وليس معروفًا من قبل الشرطة. وقال قائد شرطة ميونيخ إن دوافعه «لم تُعرف إطلاقا».
وكانت الشرطة قالت أولا إنها «تشتبه بعمل إرهابي»، لكنها لا تملك أي عناصر تؤكد أنه «متطرف». إلا أنها تحفظت بعدما تأكدت من أن مطلق النار تحرك بمفرده. وعن ملابسات تنفيذ الهجوم، أوضح رئيس شرطة ميونيخ أن المنفذ فتح النار في بداية الأمر على المدنيين أمام أحد المطاعم ثم في مركز (أولمبيا – أينكاوفسزينتروم) التجاري، ثم لاذ بعدها بالفرار».
ولم يكشف المسؤول الألماني أندريا عن هوية الضحايا، مكتفيًا بتأكد ضرورة إبلاغ ذويهم. وتوجه ألفان و300 شرطي من جنود الوحدات الخاصة، إلى مكان الهجوم، بحسب ما ذكره في تصريحاته الصحافية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...