التقارب الروسي ـ التركي.. هل سيكون نهاية الحرب البادرة بين البلدين؟!

الانقلاب الفاشل أوجد فرصة لمزيد من التعاون على حساب علاقات أنقرة مع أوروبا وأميركا

إردوغان يدلي ببيان من قصره الجديد في أنقرة («الشرق الأوسط»)
إردوغان يدلي ببيان من قصره الجديد في أنقرة («الشرق الأوسط»)
TT

التقارب الروسي ـ التركي.. هل سيكون نهاية الحرب البادرة بين البلدين؟!

إردوغان يدلي ببيان من قصره الجديد في أنقرة («الشرق الأوسط»)
إردوغان يدلي ببيان من قصره الجديد في أنقرة («الشرق الأوسط»)

جاء تطبيع تركيا للعلاقات مع روسيا نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي خبرا سارا للأتراك. ففي أعقاب موجة الهجمات الإرهابية التي شنتها العصابات الكردية وتنظيم داعش، شهدت البلاد موجات نزوح عاتية للمهاجرين، مما تسبب في مشكلات اقتصادية تزامنت مع العقوبات الروسية ومزيد من الاحتكاك مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.. تسبب كل ذلك في أن يشعر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأن بلاده لم تعد قادرة على تحمل تبعات الحرب الباردة مع موسكو.
وباعتذاره عن إقدام تركيا على إسقاط طائرة حربية روسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، مهد إردوغان الطريق لاستئناف العلاقات الاقتصادية والتعاون الأمني بين البلدين. بيد أن الاعتذار لن يضعف من النفوذ الروسي المتنامي في الفناء الخلفي لتركيا. الأهم من إسقاط الطائرة هو أن التحول الجغرافي السياسي، الذي أدى إلى زيادة النفوذ الروسي في منطقة البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط بالكامل على حساب أنقرة، وضع نهاية للشراكة الروسية التركية الاستراتيجية القصيرة التي لم تظهر سوى في النصف الأول من القرن الحالي، بحسب تقرير نشرته «فورين أفيرز».
في السنوات المقبلة، سوف يستمر النفوذ الروسي في الجوار التركي في الحد من فرص الشراكة بين أنقرة وموسكو. ورغم أن محاولة الانقلاب الفاشلة ضد إردوغان أوجدت الفرصة لمزيد من التعاون الروسي التركي على المدى القصير على حساب علاقات أنقرة مع الولايات المتحدة وأوروبا، فقد تسبب ذلك في إضعاف تركيا وجعلها أكثر عرضة للضغط الروسي. وسوف تتسبب كل تلك التطورات في ازدياد فرص إقامة شراكة غير متكافئة على المدى البعيد بين البلدين.
وشهد العقد الأول من القرن الحالي شراكة قوية بين روسيا وتركيا وضعت حدا للمواجهات التي دامت لعدة قرون، حيث بدأت الطموحات الاستراتيجية للبلدين في التقارب، إذ يتطلع كل طرف إلى لعب دور أكبر في النظام العالمي، ويشعر كل منهما بضيق متزايد من رفض دول الغرب إفساح المجال لهما على الطاولة. وفي ظل الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الدولتان، بدأت أنقرة وموسكو تركزان على التعاون الاقتصادي، وعلى تعزيز الروابط التجارية والاستثمارية بينهما. وبحلول عام 2015، أصبحت روسيا ثالث أكبر شريك تجاري لتركيا، ورابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي، والمورّد الأساسي للغاز الطبيعي، وأصبح السياح الروس مشهدا مألوفا في المنتجعات السياحية التركية.
وتسبب قرار روسيا في نوفمبر (تشرين ثاني) 2015 بفرض عقوبات على تركيا لإسقاطها طائرة حربية روسية في ضرر كبير للاقتصاد التركي. وركزت موسكو عقوباتها على الأعمدة الثلاثة للعلاقات الاقتصادية الثنائية وهي الزراعة، والتشييد، والسياحة. ومن بين الإجراءات التي اتخذتها روسيا كان حظر استيراد الأغذية من تركيا، وحظرت نشاط شركات الإنشاءات التركية في روسيا، وحظرت طيران الشارتر بين البلدين، ولغت اتفاقية الإعفاء من تأشيرة الدخول التي كانت موسكو وتركيا وقعتها عام 2010. وعلقت روسيا نشاط عملاق الغاز الروسي «غازبروم» بأن أوقفت خططه لتوصيل خط جديد عبر البحر الأسود إلى تركيا. كذلك علقت شركة «روساتوم»، مؤسسة نووية روسية مملوكة للدولة، العمل في مفاعل نووي كانت تشييده بمدينة أكيويا التركية. وطبقا لتقديرات البنك الدولي للإسكان والتعمير، سوف تتسبب العقوبات في تراجع الناتج المحلي الإجمالي بواقع 0.7 في المائة عام 2016 في حال استمرت حتى نهاية العام.
وكان للمواجهات مع روسيا أثرها السلبي على جهود أنقرة في التعامل مع الأزمة السورية، وتسبب الصراع في تحفيز روسيا على دعم حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، وكذلك إيران وميليشيا ما يسمى «حزب الله» الشيعية ضد تركيا، وهي بدورها، مع عدد من دول الخليج العربي والدول الأوروبية، تساند كثيرا من الجماعات السنية المتمردة التي تسعى للإطاحة بالأسد. وفي الشهور التي تلت حادث إسقاط الطائرة، صعدت موسكو إجراءاتها ضد المصالح التركية في سوريا باستخدام قواتها الجوية لمهاجمة الجماعات المتمردة المدعومة من تركيا. في المقابل، فر كثير من السوريين من منازلهم وتوجهوا إلى تركيا، التي تستضيف الآن أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ، بحسب «فورين أفيرز».
ومن شأن قيام إردوغان بنزع أحشاء جيشه أن يجعله غير قادر على مواجهة توسع النفوذ الروسي.
وفي الوقت نفسه، وفرت روسيا دعما إضافيا لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ومقره سوريا، مما تسبب في حالة من الذعر بين القادة الأتراك الذين يرون الحزب بوصفه امتدادا لحزب العمال الكردستاني، وهي الجماعة التي تخوض حربا انفصالية جنوب شرقي تركيا بعد أن ظهرت على السطح العام الماضي. سمحت روسيا لحزب الاتحاد الديمقراطي التركي الذي خلق أمرا واقعا في شمال سوريا أن يفتتح مكتبا للتمثيل في موسكو، وشن سلاح الطيران الروسي هجمات صاروخية مهدت الطريق أمام الأكراد السوريين للاستيلاء على مزيد من الأرض (زعمت أنقرة كذلك أن إمدادات الجيش الروسي لحزب الاتحاد الديمقراطي قد جرى تهريبها عبر الحدود السورية التركية، لينتهي بها المطاف بين يدي مقاتلي حزب العمال الكردي).
في السياق ذاته، لم تكن مفاجأة أن يهرول إردوغان لتطبيع العلاقات مع روسيا. وفي ضوء الزيادة المفاجئة في وتيرة هجمات «داعش» في تركيا، فقد بدا أن فشل استراتيجية تركيا في التعامل مع الحرب الأهلية السورية، وازدياد عزلة أنقرة الدولية، وتفاقم الصراع مع حزب العمال التركي، وارتفاع التكلفة الاقتصادية والاستراتيجية للانتقام الروسي، بدت كلها وكأنها أقنعت الحكومة التركية أنها لم يعد بوسعها تحمل عبء المواجهة مع موسكو. وبدا أسلوب اعتذار إردوغان وكأنه قصد تمهيد الطريق أمام تركيا للتراجع عن مطلبها الخاص بسرعة إسقاط نظام الأسد (الذي بدا غير وارد لبعض الوقت)، في مقابل وضع نهاية للعقوبات الروسية، وعودة الدعم الروسي لحزب الاتحاد الديمقراطي. وفي حال نجحت المناورة، ستتمكن أنقرة من التركيز على التحديات العاجلة المتمثلة في مواجهة حزب العمال الكردستاني و«داعش»، إذ يتطلب الأمر التعاون مع روسيا لمواجهة الأخير.
في الأسابيع القليلة الماضية، لغت روسيا الحظر الذي فرضته على رحلات الشارتر إلى المنتجعات التركية، وسمحت بإجراء مباحثات تهدف إلى استئناف العلاقات الاقتصادية الطبيعية بين البلدين. وفي أعقاب الهجوم الانتحاري الذي نفذه تنظيم داعش في مطار إسطنبول الدولي، اجتمع وزيرا خارجية روسيا وتركيا في مدينة سوشي الروسية، واتفقا على استئناف التعاون العسكري والجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب.

وداعًا لكل ما مضى
على الأرجح، لن يعوض التفاهم الروسي التركي الشراكة الاستراتيجية التي ميزت العلاقة بين أنقرة وموسكو قبيل الصراع السوري. وكانت أولى بذور تلك الشراكة قد وضعت في نهاية التسعينات من القرن الماضي، غير أنها لم تظهر قبل وصول إردوغان إلى منصبه الرئاسي عام 2003. ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن، ونظرا للسمات المشتركة بين إردوغان وبوتين التي تتمثل في قوة نظاميهما الفاشستيين والكيمياء المشتركة بينهما، فقد واجه الاثنان منغصات في التعامل مع النظام العالمي الذي تهيمن عليه أوروبا التي سعت للاستحواذ على كلتا الدولتين داخل منظومتها. كذلك تشترك تركيا بقيادة إردوغان وروسيا بقيادة بوتين في بعض المصالح الاقتصادية مثل تصدير شحنات الغاز إلى أوروبا من خلال أنابيب النفط التي تمر بتركيا.
في الحقيقة، ما سهل الشراكة الروسية التركية هو انسحاب القوة العسكرية الروسية من الحدود التركية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. فمن حرب القرم إلى الحرب البادرة، وكنتيجة لحال عدم الاستقرار التركي في مواجهة الجيش الروسي، وجدت تركيا نفسها مجبرة على ربط نفسها بدول أقوى في أوروبا وأميركا الشمالية - فرنسا والمملكة المتحدة في الخمسينات من القرن التاسع عشر، وألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، وحلف شمال الأطلسي الذي تأسس في الخمسينات من القرن العشرين.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.