عبد الجليل: ثورات «الربيع العربي» لم تكن إسلامية.. وتيار «الإخوان» استغلها

رئيس المجلس الوطني الليبي السابق يصرح لـ«الشرق الأوسط» أن قانون العزل السياسي استهدف محمود جبريل بالدرجة الأولى

سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})
سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})
TT

عبد الجليل: ثورات «الربيع العربي» لم تكن إسلامية.. وتيار «الإخوان» استغلها

سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})
سيف الإسلام القذافي يحيي انصار والده قرب ثكنة باب العزيزية ليلة سقوط النظام ({الشرق الأوسط})

في الحلقة الثانية من المقابلة التي أجرتها «الشرق الأوسط» مع المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق في ليبيا، بالعاصمة المغربية الرباط، قال عبد الجليل إن ثورات «الربيع العربي» لم تكن ثورات إسلامية بالدرجة الأولى، ولكنها استغلت من تيار الإخوان المسلمين المنظم، وأشار إلى أنه تبين من خلال السياسة التي انتهجها الإخوان سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أنه لم يعد لديهم قبول في الشارع الليبي أو المصري أو التونسي. واعتبر أن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي أخطأ في تعجل تطبيق سياسة الإخوان بالتمكين قبل الإنجاز مع أنه يفترض أن يتحقق الإنجاز قبل التمكين، كما تدخل في مؤسستين خطيرتين في التاريخ المصري هما المؤسسة القضائية والمؤسسة العسكرية.
وتناول المسؤول الليبي السابق الأيام الأخيرة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومصير ابنه سيف الإسلام وما يتعلق بمحاكمته. كما تطرق إلى مستقبل ليبيا والتحديات التي تواجهها، وموضوع العزل السياسي الذي استهدف شخصيات في العهد السابق، وقال إنه لم يكن مستهدفا به، منتقدا استهداف رموز مثل محمود جبريل ومحمد المقريف.
وحول احتمال العودة إلى المشهد السياسي قال عبد الجليل إن عودته «مستحيلة»، شارحا أنه يمارس الرياضة في مدينة البيضاء (شرق ليبيا) يستمتع بالطبيعة الخلابة في الجبل الاخضر.. وينشغل بالأعمال الخيرية.

* لننتقل إلى الطرف الثاني من المعادلة، هل كنتم تتوقعون ليلة سقوط طرابلس حدوث ما حدث؟ هل كان لديكم تواصل وتأكيدات من الداخل؟
- نعم كان لدينا تواصل مع أن القبضة على طرابلس كانت محكمة، إذ حضر إلينا في المنطقة الشرقية كثرة من أهل طرابلس. ومحمود جبريل أنشأ في ذلك الوقت لجنة سماها «لجنة تحرير العاصمة»، وكانت تعمل انطلاقا من تونس. وكنا على تواصل، بيد أننا لم نكن نتوقع أن تتحرر طرابلس بهذه الفاتورة البسيطة من الدماء. وأود هنا أن أسجل أن هناك شخصا اتصل بي عن طريق هاتف الثريا في شهر مايو (أيار) اسمه البراني إشكال، الذي كان آمر حرس القذافي «كتيبة محمد»، وهي كتيبة مهمة جدا في طرابلس، وكنت أعرفه معرفة سطحية، لكن كان لدي انطباع عنه بأنه رجل متزن وذو عقل راجح.
* وماذا قال لك البراني في ذلك الاتصال؟
- قال لي إنه في اليوم الذي سيقع فيه ما سيقع، سنكون معكم أو سنكون محايدين. كان اتصالا سريعا لا يتعدى بضع ثوان. بعد ذلك تواصل مع محمود جبريل باعتباره موجودا في الخارج.. وكان جبريل يقول لي إن البراني معنا. وفي الوقت الذي كنا نتخوف من أن تكون هنالك خمسمائة سيارة ملغمة، وأنهم سيلغمون طرابلس عن طريق الصرف الصحي، قدر الله أن تحدث الأمور بهذه الطريقة. مع هذا لم نكن نتوقع أن تتحرر طرابلس بهذه السرعة.
* بعد تحرير طرابلس انتقل النظام بسياراته إلى مناطق في الغرب.
- نعم، انتقل إلى مدينتي بني وليد وسرت.
* هل كنتم تتوقعون أن رأس النظام سينتقل إلى مسقط رأسه للدفاع عن نفسه؟
- لم أكن أتوقع ذلك. كنا نتوقع أنه سيهرب إلى الجنوب أو إلى خارج ليبيا، وكنا نتمنى ذلك. ولكن قبض عليه يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، بينما كنت ذاهبا حينها لتفقد الجبهة.. الاندفاع المستميت في سرت جعلني أقرر الذهاب إليها، فاستقللنا طائرة ركاب عادية من طرابلس وهبطنا في مطار مصراتة. ومن مصراتة ركبنا طائرة عمودية، ونزلنا على مشارف خمسين كيلومترا من سرت، حيث ركبنا سيارات وزرنا الجبهة الغربية وثوارها، ثم الجبهة الشرقية وثوارها. كانت مدينة سرت محاصرة حصارا شديدا من طرف الجبهتين، وهي مدينة حديثة وراقية وفيها مبان من طراز عال. كنا نستغرب الدفاع المستميت في المدينة، ولكن عندما ظهر هناك القذافي لم نستغرب ذلك من أولئك الأشخاص الذين دافعوا عن معمر دفاعا مستميتا.
* هل تعتقد أن ذلك الدفاع كان عن شخص معمر القذافي أم عن المنطقة؟
- لا كان دفاعا عن شخصه.
* هل كان يمثل رمزا مناطقيا؟
- طبعا. فهذه القبيلة والمنطقة كانتا لا شيء قبل عام 1969، ومدينة سرت كانت مدينة لا تذكر، بيوتها بيوت بسيطة، إلا أن القذافي أراد لها أن تكون عاصمة فأحدث فيها نقلة كبيرة جدا. ومن ثم جاءها كثيرون من الوافدين من خارج المنطقة واستقروا فيها. وهي الآن من المدن الجميلة. وحتى في ظل الأوضاع الحالية تعد سرت من المدن المستقرة، إذ بدأ الناس يعملون على تنميتها وصيانتها، وفيها شغل لا بأس به وهو ما وفر متطلبات الحياة الأساسية.
* كيف جرى اعتقال سيف الإسلام؟.. هل كنتم على علم بتحركاته؟ وهل عرضتم عليه تسليم نفسه؟
- كنا على علم بأنه في المناطق الحدودية الجنوبية، وأنه خرج من طرابلس إلى بني وليد، ثم حاول التوجه إلى الجنوب. وجاءتنا معلومات بأنه أصيب، وطلب تزويده بطبيب.. وذلك عن طريق شخصيات كانت مقربة منه، لكنها تخلت عنه منذ اليوم الذي توعد فيه الشعب الليبي، وأظن أن من بينهم فيصل الزواوي، الذي اتصل بي من الإمارات، وأخبرني أن سيف الإسلام موجود في المناطق المتاخمة للنيجر، وأنه يطلب طبيبا جراء إصابته في يده. وراودتنا فكرة تدبير طبيب له يكون مزودا بجهاز تعقب يكشف لنا مكان وجوده، بيد أننا صرفنا النظر عن حكاية إرسال طبيب قد يتعرض للخطر، إضافة إلى ان تنفيذ الفكرة كان غير متيسر، فمن هو الطبيب الذي سيرضى بالذهاب إلى الصحراء لمعالجة سيف الإسلام وهو يحمل جهاز تعقب. هذا أمر صعب. ومرت أيام إلى أن فوجئنا بالقبض عليه من خلال مجموعة، حسب ما علمت، دفعت أموالا للعناصر التي كانت تحرسه قبل أن تتخلى عنه.
* اعتقل من قبل من؟
- من قبل بعض ثوار الزنتان.
* وقتها، هل كانت رواية إصابة يده صحيحة؟
- باعترافه هو قال إنه أصيب قبل القبض عليه، وحسب معلوماتي الشخصية التي استقيتها من السيد فيصل الزواوي، عن طريق زميله فوزي عريب الزماط الزواوي، أن سيف أصيب في يده. وعندما اعتقل كان واضحا أنه تعرض لإطلاق نار، والأصابع التي توعد بها الليبيين كانت مقطوعة. البعض قال إنها ربما قطعت عمدا.. لكن سيف لم يذكر ذلك، وإنما قال في اعترافاته إنه أصيب قبل القبض عليه.
* كرجل قانون ما رؤيتك للطريقة التي يجب أن يجري التعامل بها مع هذا الملف، خصوصا أن هناك مطالبة دولية لمحاكمة سيف الإسلام؟
- انطلاقا من نظرة قانونية بحتة فإن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة قضاء تكميلي، والأساس هو أن يحاكم سيف الإسلام في بلده عن الجرائم التي ارتكبها فيه. وإذا أدين بعقوبة أقل من الإعدام أو لم يدن، فمن حق المحكمة الجنائية الدولية أن تتولى محاكمته عن الجرائم التكميلية الأخرى، لأننا نعرف جيدا أن أقصى عقوبة تصدرها المحكمة الجنائية الدولية هي السجن مدى الحياة. إن بقاء سيف الإسلام في ليبيا بقاء قانوني، بيد أنني أؤاخذ ثوار الزنتان على احتفاظهم به ورفضهم تسليمه للسلطات الليبية. وهذا طبعا موقف سجلوه لأنفسهم، وربما عده البعض موقفا سلبيا في هذه الثورة. كذلك أسجل على القضاء الليبي تأخره في محاكمة عبد الله السنوسي (صهر القذافي ورئيس استخباراته) عن الملف الجاهز المتعلق بمذبحة أبو سليم. وسواء تعلق الأمر بملف أبو سليم أو ملف تحريض وتوعد سيف الإسلام الليبيين بالقتل والتهجير، فإنها تهم جاهزة للحكم بالإعدام. وأنا هنا أسجل تراخي وتباطؤ القضاء الليبي في الفصل في هذين الملفين بالسرعة الممكنة تحقيقا للعدالة, وإرضاء للشارع الليبي، وأيضا حسما لخلافات قانونية قد تحدث في المستقبل.
* هناك اليوم جدل بين المراقبين للشأن الليبي مفاده أن ليبيا أمام خيارين: إما إنشاء مجالس المصالحة والمصارحة والتسامح الاجتماعي كما حدث في بلدان مثل جنوب أفريقيا ودول البلقان، والاكتفاء بمحاكمة رجال نظام القذافي الذين يمكن إثبات تهمهم فقط. وإما ملاحقة هؤلاء جميعا, وذلك حتى تسن قوانين العزل السياسي وغيرها. ما رؤيتك في هذا الجدل؟
- الوضع في ليبيا يختلف عما هو عليه في مصر وتونس. الوضع الاقتصادي في ليبيا مريح بعكس الوضع في مصر وتونس.. الذي كان يعتمد بشكل كبير على السياحة التي ضربت بسبب غياب الأمن. في تونس تكمن المشكلة الحقيقية في الاغتيالات السياسية، وخصوصا اغتيالات الرموز السياسية مثل شكري بلعيد. وفي مصر نجد أن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي تعامل خلال فترته الرئاسية التي استمرت نحو سنة بشيء من التخبط. فعلى الرغم من أن نجاحه في الانتخابات جرى بنحو 52% مقابل 48%، فإنه بدأ في تطبيق سياسة الإخوان بالتمكين قبل الإنجاز، مع أنه يفترض أن يجري الإنجاز قبل التمكين. الرئيس مرسي تعجل التمكين، وتدخل في مؤسستين خطيرتين في التاريخ المصري، هما: المؤسسة القضائية عندما أراد الإطاحة بالنائب العام وبعض رموز القضاء في البلاد لإتاحة الفرصة أمام الموالين لحزب الحرية والعدالة، والمؤسسة العسكرية من خلال إطاحته بالقادة العسكريين مثل المشير محمد حسين طنطاوي وإحالة مجموعات كبيرة من قيادات الجيش الى التقاعد. إن المساس بالمؤسستين العسكرية والقضائية، وأيضا تعيينه محافظين من تيار الإخوان المسلمين في مناطق ربما غير محسوبة على التيار الإسلامي، كما حدث في محافظة الأقصر، وهي محافظة معروفة بالسياحة، كلها أمور استعجل بها السيد مرسي ونظام الإخوان، لتمكينهم من مفاصل الدولة في مصر قبل أن ينجزوا أي شيء، وبالتالي حصل ما حصل، ونتمنى للشعب المصري والشعب التونسي السلامة.
أما بالنسبة لليبيا فالوضع مختلف، وسمته الاستعجال وقلة الصبر، وهذا طبعا أربك المجلس الوطني الانتقالي، وأربك الحكومة الانتقالية وأربك أيضا الجسم المنتخب ــــ المؤتمر الوطني العام (البرلمان), إذ لم تمنح الفرصة الكافية للعمل في ظروف مناسبة. هذا الاستعجال وقلة الصبر أعطى فرصة لأتباع القذافي وبعض القيادات الإسلامية المتطرفة لإرباك الأمن الليبي في كثير من القضايا. أيضا على المواطن الليبي حقوق قبل أن يطلب واجبات. الليبيون لا يذهبون إلى العمل بشكل مثالي، ومن يذهبون إليه لا ينجزونه بشكل مثالي. الليبيون اتكاليون ومتعجلون.
مع هذا، عموما، نحن متفائلون بأن ليبيا ستشهد استقرارا ونموا لأن لديها القوة الاقتصادية التي نستطيع من خلالها الوصول إلى ما يطمح إليه أولئك الذين ضحوا في وقت سابق بأموالهم ودمائهم وأرواحهم.
* ألا يساورك قلق من أن يعيد التاريخ نفسه؟ وهل تؤمن بما يقوله البعض بأن ثمة بلدانا لا تصح فيها إلا قيادة شخص قوي؟
- هناك طبعا بعض المفكرين والساسة الدوليين يقولون إن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة العالم الثالث بشكل عام، ليست من المناطق المهيأة للديموقراطية، ولا تشكل بيئة صالحة لها، لأن هذه الشعوب جبلت منذ زمن بعيد وماض طويل على حكم الشخص الواحد. وبالتالي فهذه الدول بحاجة إلى ديكتاتور ولكن هؤلاء يتمنون أن يحكمها ديكتاتور عادل. هذه النظرة جاءت من خلال تعاطي الشباب مع ديمقراطية مفتوحة ومنفجرة ولا حدود لها. في مصر، مثلا، قبل فك الاعتصامات في الميادين عطل مؤيدو مرسي العمل فيها، وأقلقوا سكان تلك الميادين، وامتد هذا الوجود والحضور إلى بعض المناطق التي تشكل شريان الحياة في القاهرة. وبالتالي لم يكن أمام السلطات سوى أن تفرض سيطرتها على هذه الأماكن لكي تنساب الحياة. إن تعرض السلطات لأولئك الأشخاص يستلزم نوعا من القوة التي قد تتنافى مع الديمقراطية، ولكن الديمقراطية تتلاشى عندما تمس حرية الآخرين، فالمطلوب التظاهر بشكل سلمي في أماكن معينة من دون عرقلة المصلحة العامة.
* هل تؤمن بأن الديمقراطية يجب أن تكون لها ثقافتها أولا ثم مؤسساتها، أم أن المؤسسات تأتي هي الأولى، كصناديق الاقتراع؟
- الديمقراطية هي ثقافة أولا. لا بد من ثقافة لدى الناس، ولا بد من أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني دور فاعل، وبعد ذلك تأتي صناديق الاقتراع. لكننا استعجلنا وأردنا صناديق الاقتراع أولا. وأعود هنا للحديث عن مصر، وأقول إننا عندما ننظر إلى الواقع الديمقراطي نجد رئيسا منتخبا من قبل الأغلبية، وبناء عليه يجب أن تعطى له فرصة حتى وإن كانت هناك مآخذ أو مثالب على عمله. هذه المآخذ يجب أن تكون من خلال المعارضة الموجودة في البرلمان، أي من خلال المعارضة المؤسساتية، وليس المعارضة عن طريق الشارع، لأنه حتى ولو لم يطح بالرئيس المصري كان يمكن للفريق المضاد أن يعطل الحياة في مصر.
* ما رأيك في من يقول إن ثورات «الربيع العربي» كانت ثورات إسلامية، وهناك من يقول إنها ثورات كانت الأحزاب الإسلامية أكبر المستفيدين منها؟
- لم تكن ثورات إسلامية بالدرجة الأولى، ولكنها استغلت من جانب ذلك التيار المنظم، تيار الإخوان، نظرا لأن التيار الإسلامي المنظم في دول «الربيع العربي» هو تيار الإخوان. لكن تبين من خلال السياسة التي انتهجها الإخوان سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أنه لم يعد لديهم قبول يذكر في الشارع الليبي أو المصري أو التونسي.
* هل تعتقد أن هناك خطوات يجب أن تتخذ في ليبيا غير التي تجري الآن على الصعيد السياسي لتصحيح الوضع؟
- طبعا، أنا شملني قانون العزل السياسي باعتباري كنت وزيرا في عهد القذافي، وكنت قاضيا في محكمة الشعب. كنا نتمنى ألا يربط العزل بالوظيفة، وهذا لا يتعلق بي شخصيا، فأنا ليست لدي طموحات للعمل السياسي على الإطلاق، ولكن هناك أناسا آخرين ظلموا منهم مثلا السيد محمد المقريف، وهو رجل مناضل في المعارضة الليبية، التي لم يصبح لها شأن إلا عندما تولاها المقريف. ليس عدلا عزل المقريف. كنت أتمنى أن يكون العزل بسبب السلوك وليس بتولي الوظيفة. هناك موظفون صغار لم يشملهم العزل السياسي نظرا لأن وظائفهم كانت صغيرة، غير أنهم كانوا مثالا للفساد الأخلاقي والفساد المالي في الدولة الليبية.. وفي المقابل هناك أناس - وهنا لا أتكلم عن نفسي بل عن أناس آخرين - مثل عبد الرحمن شلقم ومحمود جبريل والمقريف تولوا مناصب قيادية كبيرة في نظام القذافي لكن سلوكهم كان سلوكا مميزا.
وأذكر أنه لما جئنا إلى المجلس الوطني الانتقالي وبدأنا في المصالحة الوطنية، وضعنا ثلاثة معايير؛ المعيار الأول يقول إن كل من كان سببا في قتل الليبيين في الداخل أو في الخارج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يجب أن يقدم للمحاكمة ويواجه الشكاوى من طرف أناس يعتقدون أنه أضر بهم. والمعيار الثاني يتحدث عن كل من استغل سلطته الوظيفية للحصول على المال بشكل غير مشروع، وهذا أيضا أمر يستلزم الرجوع إلى ما تصدره المحاكم الليبية في هذا الشأن, بينما يتحدث المعيار الثالث عن كل من وقف ضد ثورة 17 فبراير (شباط) بالفعل. وثار جدل داخل المجلس عندما قلت «بالفعل»، وكنت أنا من قدم نص المعايير الثلاثة. وتساءل البعض: كيف ذلك؟ فقلت لهم إن التهمة لا تتمثل في الأقوال. فقالوا إن ثمة أشخاصا وقفوا ضد الثورة بالقول، ومنهم إعلاميون من ضمنهم على سبيل المثال مذيعة اسمها هالة المصراتي. هؤلاء وقفوا في الإذاعة المملوكة للدولة السابقة ضد الثورة بالقول، لكنهم لا يشكلون خطرا لأنهم لم يحملوا السلاح ضد الثوار. وقلنا إن كل من وقف ضد هذه الثورة بالفعل، هو من زود أعداء الثورة بالسلاح وساهم في قتل الثوار.
* ألا ترون أن هناك مفارقة تكمن في أنكم بدأتم قانون العزل السياسي، ثم أصبحتم مستهدفين به؟
- قانون العزل لم يكن يستهدفني، بل كان يستهدف بالدرجة الأولى محمود جبريل لأنه صاحب طموح سياسي.
* هل تعتقد أن هذا عدل في حق شخص مثل محمود جبريل؟
- لا. هذا ليس من العدل لا في حق محمود جبريل ولا عبد الرحمن شلقم، ولا كل أولئك الذين كان لهم دور بارز في هذه الثورة، كان يجب أن يحظوا بالاحترام.
* ما رأيك في القول إنه يجب على الجيل الذي عاصر ذلك العهد أن يفسح المجال لآخرين من الجيل الجديد ليقودوا المسيرة؟ وهل تعتقد أن تلك الخبرات يجب تفادي التضحية بها؟
- أنا مع تجنب التضحية بالخبرات. إذا كانت هناك خبرة لا توجد مآخذ عليها فليفسح لها المجال، لأن ليبيا في حاجة إلى الخبرات. مثلا اللغة الإنجليزية ألغيت في ليبيا منذ عام 1979، والجيل الحالي لا يتكلم اللغة الإنجليزية على الإطلاق. كيف يمكن أن تعتمد على هذا الجيل في بناء الدولة؟.
* لفت انتباهي في أول لقاء بك قولك إنك لست رجل سياسية.. كيف ترى نفسك الآن بعد كل ما حدث؟
- لقد تقاعدت بشكل مبكر حتى من القضاء، وتقدمت بتقاعدي يوم سقوط السلطة في 22 أغسطس (آب) 2011، وقدمت الطلب لرئيس المجلس القضائي الأعلى، لأنه من غير اللائق أن أقود ثورة وأبقى في الهيئات القضائية. فمن خلال خبرتي ووظيفتي وأقدميتي قد تتاح لي أمور تضطرني أن أتولى محاكمة من كنت يوما مديرا عليهم.. هذا أمر غير مقبول.
* هل ستعود إلى المشهد السياسي لو طلب منك ذلك مستقبلا؟
- لا.. هذا مستحيل.
* ما هي أهدافك الآن.. كيف تقضي أيامك؟
- أنا الآن أمارس الرياضة في مدينتي البيضاء وأستمتع بالطبيعة الخلابة في الجبل الأخضر، وأتواصل مع زملائي في أعمال خيرية داخل المدينة. وأنا مستعد أيضا للمساهمة في تحقيق المصالحة تحت أي غطاء تتبناه الدولة سواء كان المؤتمر الوطني أو الحكومة الانتقالية.
* هل هناك حاجة لمانديلا ليبي؟
- والله مانديلا واحد لا يكفي ليبيا.. ولا حتى عشرة من أمثال مانديلا.

الجزء الأول على هذا الرابط
http://beta.aawsat.com/home/article/6795



اليمن: خبراء من «الحرس الثوري» و«حزب الله» يديرون عمليات الحوثيين

وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)
وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)
TT

اليمن: خبراء من «الحرس الثوري» و«حزب الله» يديرون عمليات الحوثيين

وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)
وزارة الداخلية اليمنية كشفت عن قائمة تضم 21 خبيراً أجنبياً يديرون عمليات الحوثيين في 6 محافظات (سبأ)

أكدت وزارة الداخلية اليمنية، الثلاثاء، وجود 21 خبيراً أجنبياً، هم: 14 من «الحرس الثوري» الإيراني، و7 من «حزب الله» اللبناني، يديرون ويدعمون عمليات الميليشيات الحوثية، ويهددون أمن اليمن والملاحة الدولية، بقيادة عسكري يظهر بصفة «سفير لدولة».

وأوضح وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، أن طبيعة مهام الخبراء «تكشف عن تطور التدخل الخارجي؛ من التمويل والتسليح والتدريب، إلى الإشراف المباشر، والمشاركة في التخطيط، وإدارة العمليات، وبناء القدرات العسكرية للحوثيين، بالتوازي مع أنشطة سياسية وتنظيمية واجتماعية وإعلامية تستهدف ترسيخ نفوذ طويل الأمد، وبناء هياكل وشبكات ولاء لإخراج اليمن من محيطه العربي».

وأضاف حيدان، في بيان، نشرته وكالة الأنباء الرسمية، أن هذه القائمة من الخبراء «يقودها عسكري من (الحرس الثوري) يظهر أمام الكاميرات بصفة (سفير لدولة) تدّعي احترام القانون الدولي»، مضيفاً أن الخبراء يتوزعون على 6 محافظات يمنية، بواقع 8 في الحديدة، و4 في كلٍ من صنعاء وصعدة، واثنين في حجة، ومثلهما في عمران، وواحد بمديرية الخوخة.

وأشار البيان إلى أن «تخصصات الخبراء تشمل إدارة العمليات والقيادة والسيطرة، والصواريخ الباليستية والطيران المسيّر، ومنظومات الرصد والاتصالات والحرب الإلكترونية، وشبكات الإمداد وتهريب المكونات العسكرية، إلى جانب تنسيق العمليات البحرية واختيار أهداف السفن التجارية، وتطوير الزوارق المفخخة وهندسة الغواصات ذاتية الحركة، وتدريب العناصر على زراعة الألغام، والتكتيكات العسكرية المتعلقة بحصار المدن وحرب الشوارع».

وأبان حيدان أن التشكيل يضم مشرفاً عاماً على العمليات، ومستشاراً استراتيجياً، ومديراً لغرفة العمليات المشتركة، وضباطاً برتب كبيرة ومتوسطة مختصين في ورشات الطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية والباليستية، وخبراء بحريين، ومختصين في الرادارات والاتصالات والحرب الإلكترونية، مبيناً أن «القائمة لا تمثل بعثة تدريب، بل هيئة أركان مكتملة».

وحذَّر البيان بأن هذه الأنشطة «تهدد أمن المنطقة وأرواح البحارة وحرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة، كما تنذر بانتقال الخبرات والتكنولوجيا العسكرية إلى جماعات إرهابية أخرى تتشارك مع الميليشيات الآيديولوجية المتطرفة».

ولفت حيدان إلى أن «التدخل الخارجي يدفع ثمنه اليمنيون، وفي مقدمتهم أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيا»، مُستدلاً بالحصار الحوثي على تعز بوصفه من نتائج وجود الخبراء، و«شاهداً على التدخل الخارجي السافر ودعم الأذرع المسلحة في المنطقة؛ الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية التحرك لوقف هذه التدخلات والممارسات».

وأكد الوزير أن هذا الوجود يقوّض الأمن الإقليمي والدولي، «من خلال تزويد الميليشيات الحوثية بالأسلحة النوعية والخبرات الفنية اللازمة لصناعة وتجميع مكونات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ (كروز)، والقوارب السريعة المفخخة»، منوهاً بأنه «يُحوِّل اليمن إلى حقل تجارب لتطوير الأسلحة وقياس دقتها وتأثيراتها».

وشدَّد حيدان على «أهمية تصنيف الميليشيات الحوثية منظمة إرهابية من قبل المجتمع الدولي، وتفكيك شبكات تمويلها وتسليحها، وتطبيق حظر الأسلحة المقرر بموجب قرارَي مجلس الأمن رقمَيْ (2216) و(2624)».

كما أكد «استمرار الوزارة في أداء مهامها ومساندة الجهود الوطنية ضمن عملية (فجر اليمن)؛ لاستعادة مؤسسات الدولة وعاصمتها صنعاء».


باب المندب يقترب من التحرير والحوثيون يضغطون في لحج

القوات الحكومية اليمنية في محافظة الجوف تحرز تقدماً باتجاه مركز المحافظة (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية في محافظة الجوف تحرز تقدماً باتجاه مركز المحافظة (أ.ف.ب)
TT

باب المندب يقترب من التحرير والحوثيون يضغطون في لحج

القوات الحكومية اليمنية في محافظة الجوف تحرز تقدماً باتجاه مركز المحافظة (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية في محافظة الجوف تحرز تقدماً باتجاه مركز المحافظة (أ.ف.ب)

تقترب القوات الحكومية اليمنية من إنهاء وجود الجماعة الحوثية في معظم المواقع التي لا تزال تتمسك بها في منطقة باب المندب، بالتزامن مع احتدام المعارك في محافظة لحج، حيث كثفت الجماعة هجماتها على مواقع القوات الحكومية في مديرية المقاطرة؛ في محاولة لتحقيق اختراق عسكري يتيح لها الالتفاف باتجاه باب المندب والتقدم نحو مديرية طور الباحة.

وبينما تواصل ألوية العمالقة الضغط على الجيوب الحوثية المتبقية في باب المندب، تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات متصاعدة على امتداد جبهات تعز ولحج، وسط محاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها خلال الأيام الماضية، وفتح مسارات تقدم جديدة باتجاه المناطق الاستراتيجية المطلة على الساحل الغربي.

وترافقت هذه التطورات مع قرارات أصدرها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، أعاد بموجبها ترتيب قيادة محور طور الباحة والمسؤولية العسكرية عن جبهة تعز، في خطوة تأتي بعد الإخفاقات التي شهدتها بعض المواقع خلال الأسابيع الماضية، وبالتزامن مع تأكيد القيادة السياسية المضي في عملية «فجر اليمن» حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وحسب مصادر ميدانية، لم يتبقَّ للجماعة الحوثية، سوى موقع رئيسي واحد في منطقة باب المندب، إلى جانب عدد من التلال التي توجد فيها أعداد محدودة من عناصرها.

وأوضحت المصادر أن القوات باتت قريبة من استكمال السيطرة على تلك المواقع، إلا أن كثافة الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها الجماعة في المنطقة تعيق التقدم، وتشكل تهديداً مباشراً للقوات؛ ما يستدعي التعامل معها قبل استكمال العمليات العسكرية.

وتواصل ألوية العمالقة الضغط على الجيوب المتبقية، في مسعى لإنهاء الوجود الحوثي في هذا المحور، الذي يمثل أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعه المطل على مضيق باب المندب والممرات البحرية الدولية.

ضغط حوثي شمال لحج

في جبهة المقاطرة شمال محافظة لحج، شنت الجماعة الحوثية، فجر الثلاثاء، هجوماً عنيفاً على مواقع القوات الحكومية في منطقة الممشاح، غير أن وحدات اللواء الرابع حزم واللواء الأول مغاوير مقاومة وطنية تمكنت من التصدي للهجوم وإفشاله للمرة الثانية خلال يومين، بعد هجوم مماثل شنته الجماعة على الموقع نفسه، الاثنين.

وقالت مصادر عسكرية ميدانية، إن القوات الحكومية وجهت، بالتزامن مع ذلك، ضربات مركزة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة على مواقع حوثية متمركزة في جبال الصوالحة بمنطقة النصيرة، وألحقت بها خسائر في الأرواح والمعدات.

وتمكنت القوات، وفق المعلومات العسكرية، من استعادة مواقع في منطقة الخزان الأحمر بجبهة النصيرة، ودحر العناصر الحوثية منها، في حين استهدفت المدفعية تجمعات وآليات للجماعة في مواقع السخير، بالتزامن مع استمرار المواجهات في منطقتي معيق وعنعن.

وامتدت المواجهات إلى خطوط كربة وهيجة العبد، حيث دفعت الجماعة بعربات عسكرية من اتجاه التربة والوازعية، في محاولة للتقدم باتجاه مواقع القوات الحكومية. غير أن القوات تصدت للهجوم وأجبرت العناصر المهاجمة على التوقف في منطقة الشرج، بعد اشتباكات استمرت ساعات.

كما شهدت جبهة الأعبوس في مديرية حيفان مواجهات في محيط جبال الكرب والممشاح، إثر هجمات حوثية تصدت لها القوات الحكومية، وألحقت بالمهاجمين خسائر في الأرواح والعتاد.

وتكشف هذه التطورات عن تركيز حوثي متزايد على جبهة المقاطرة والمحاور المتصلة بها، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى تحقيق اختراق في خطوط القوات الحكومية، بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها في باب المندب.

جندي يمني خلال المواجهات مع الحوثيين في محيط مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعلى وقع هذه التطورات، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قرارات بإعادة تشكيل قيادة محور طور الباحة، وتعيين قيادة جديدة مسؤولة عن جبهة تعز، في خطوة تعيد توزيع المسؤوليات العسكرية في أحد أكثر المحاور سخونة.

وقضى القرار رقم (247) لسنة 2026 بتعيين العقيد مجدي مناضل ثابت أحمد قائداً لمحور طور الباحة وقائداً للواء الأول قوات درع الوطن، مع ترقيته إلى رتبة لواء، وتعيين العقيد بسام عبده سعيد سالم الحرق رئيساً لأركان المحور وقائداً للواء الرابع مشاة جبلي، والعميد الركن ناجي مقبل محمد سعيد الشطاف رئيساً لعمليات المحور.

كما قضى القرار رقم (246) بتعيين العميد الركن رشاد أحمد إسماعيل اليوسفي عضواً في اللجنة العسكرية العليا ومسؤولاً عن جبهة تعز، مع ترقيته إلى رتبة لواء، خلفاً للواء الركن يوسف الشراجي.

جبهات محيط تعز

في جنوب مدينة تعز، استعادت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية، مواقع استراتيجية في جبهة الأقروض، شملت منطقتي نوبة وثيب وتبة مبارك، عقب معارك مع الجماعة الحوثية التي تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

كما تصدت القوات لهجوم حوثي استهدف مواقعها في حبيل الصرم بمديرية المسراخ، في حين استمرت المواجهات في عدد من المواقع الأخرى على امتداد جبهات المحافظة.

وفي تطور موازٍ، شن الطيران الحربي غارات استهدفت تجمعات وآليات حوثية كانت تتمركز تحت الأشجار في مفرق جبل حبشي، وألحقت بها خسائر مباشرة، وفق المعلومات الميدانية.

وفي المقابل، قصفت الجماعة الحوثية قرى الشقب بعدد من قذائف الهاون؛ ما تسبب في أضرار بمنازل المواطنين وأثار حالة من الخوف بين السكان.

الجيش اليمني في مدينة تعز يحافظ على مواقعه مقابل الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وعلى مستوى جبهات مدينة تعز، لا تزال القوات الحكومية والمقاتلون المحليون يتمسكون بمواقعهم الدفاعية على منافذ المدينة، رغم استمرار القصف المدفعي والاشتباكات المتقطعة.

ويأتي هذا التراجع النسبي في زخم الهجمات على المدينة بالتزامن مع انشغال الحوثيين بمواجهات المقاطرة وطور الباحة، حيث انتقل جانب من ثقل العمليات العسكرية إلى المحاور المحيطة بتعز.

سياسياً، جدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تمسكه بمواصلة عملية «فجر اليمن» حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس، في اجتماع برئاسة رشاد العليمي وبحضور كامل أعضائه، إن القوات الحكومية والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية حققت تقدماً في جبهات الجوف ومأرب والساحل الغربي، إلى جانب الصمود في جبهات تعز، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية.

جندي من القوات الحكومية اليمنية في جبهات محافظة الجوف (أ.ف.ب)

وكرّس الاجتماع - حسب الإعلام الرسمي - لمناقشة التصعيد العسكري الحوثي، بما في ذلك الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مؤسسات الدولة والمنشآت المدنية، وتوسيع الاعتداءات على المدن والقرى، واستمرار حصار تعز وقصف أحيائها السكنية، إلى جانب التهديدات التي تطول الممرات المائية والملاحة الدولية.

وأكد المجلس أن الصمود العسكري في مواجهة التصعيد الحوثي تحقق بدعم السعودية، مشيداً بمساندتها للقوات الحكومية واستجابتها للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.

كما دعا المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى رفض عمليات التجنيد والاستقطاب، وعدم الزج بأبنائهم في المعارك، مؤكداً أن باب العودة الآمنة مفتوح أمام من يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة، وفق الإجراءات المعلنة.


عدوان الحوثيين يحوّل تعز ولحج إلى مسرح واسع للانتهاكات

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
TT

عدوان الحوثيين يحوّل تعز ولحج إلى مسرح واسع للانتهاكات

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)

في تصعيد يعكس اتساع دائرة الاستهداف الحوثي للمدنيين والمنشآت الحيوية في جنوب غربي اليمن، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 164 جريمة وانتهاكاً ارتكبتها الجماعة خلال 48 ساعة في محافظتي تعز ولحج، شملت إطلاق نحو 450 مقذوفاً على مناطق مأهولة، ومقتل 28 مدنياً وإصابة 57 آخرين، بالتزامن مع استهداف مركز صحي في لحج وسوق شعبية في تعز، في تطور استدعى إدانات حكومية وحقوقية وأوروبية.

ويأتي هذا التصعيد الحوثي في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية على السكان، خصوصاً في محافظة تعز التي تواجه حصاراً مستمراً وقيوداً على وصول الإمدادات والمساعدات، بينما تتسع المواجهات العسكرية على امتداد جبهات جنوب المحافظة وغربها، وتتحول المنشآت المدنية والطبية إلى أهداف للهجمات.

وقالت الشبكة، في تقرير أصدرته الثلاثاء، إن حصيلة القتلى بلغت نحو 28 مدنياً، بينهم 5 أطفال و3 نساء، فيما أصيب 57 آخرون، بينهم 14 طفلاً و6 نساء، إضافة إلى 10 من العاملين في القطاع الصحي ضمن المصابين.

القصف الحوثي في تعز ولحج أودى بعشرات المدنيين (أ.ب)

وشملت الانتهاكات الحوثية، وفق التقرير، القتل والإصابة بالقصف والقنص، وارتكاب مجزرتين بحق المدنيين، والاختطاف والاحتجاز، واستهداف الأحياء السكنية والطرقات العامة وطواقم الإسعاف والمركبات الخاصة، إلى جانب استقطاب شباب من فئة المهمّشين وإخضاعهم لبرامج تجنيد.

قصف مركز صحي

كانت أبرز الحوادث التي وثقتها الشبكة الحقوقية استهداف الحوثيين مركز السقيّا الصحي في مديرية المضاربة بمحافظة لحج، الاثنين، بصاروخ باليستي، في هجوم أوقع قتلى وجرحى من العاملين في القطاع الطبي، وأثار موجة إدانات رسمية باعتباره اعتداءً مباشراً على منشأة تقدم خدمات إنسانية للمدنيين.

وأعلنت وزارة الصحة العامة والسكان أن الهجوم أسفر، في حصيلة أولية، عن مقتل 5 أشخاص، بينهم 3 من الفريق الطبي العامل في المركز، وإصابة 15 آخرين، بينهم 7 من العاملين الصحيين.

وقالت الوزارة إن استهداف المركز يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الإنسانية والدولية التي تكفل حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها والمرضى والمترددين عليها، محذرة من التداعيات الخطيرة لمثل هذه الاعتداءات على قدرة المرافق الصحية المحدودة أصلاً على الاستمرار في تقديم خدماتها.

الهجمات الحوثية أدت إلى تدمير منازل المدنيين في تعز ولحج (إعلام حكومي)

وطالبت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها «منظمة الصحة العالمية» و«اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، بإدانة الهجوم والتحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عنه، والعمل على توفير الحماية اللازمة للمرافق الصحية والطواقم الطبية والإسعافية.

وفي تعز، وثّقت الشبكة استهداف سوق شعبية، الاثنين، ضمن المجزرتين اللتين قالت إنهما وقعتا في المحافظتين، كما أشارت إلى تضرر 51 منزلاً ومنشأة صحية، بينها 10 منازل دمرت كلياً، إضافة إلى تضرر 12 مركبة خاصة.

وامتدت الأضرار، بحسب التقرير، إلى مديرية المسراخ وقرى دُبا وأدود في مديرية صبر الموادم، في حين نفذت الجماعة حملات اختطاف في مناطق الحوبان والتربة والساحل الغربي، أسفرت عن احتجاز 16 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة.

تحرك حكومي

من جانبه، وصف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني استهداف مركز السقيا بأنه «جريمة إرهابية مكتملة الأركان»، وانتهاك للقانون الدولي الإنساني، معتبراً أن الاعتداء يكشف نمطاً من استهداف المنشآت المدنية والطبية والاعتداء على حق المواطنين في الحياة والعلاج.

وقال الزنداني، خلال اتصال بمحافظ لحج مراد الحالمي، إن استهداف منشأة صحية تؤدي دوراً إنسانياً في إنقاذ الأرواح يمثل جريمة بحق المجتمع بأكمله، محذراً من أن التعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها أحداثاً عابرة، يشجع مرتكبيها على التمادي ويقوض قواعد حماية المدنيين.

دخان يتصاعد في أحياء تعز جراء القصف الحوثي (إعلام حكومي)

وربط رئيس الوزراء اليمني بين الهجوم على المركز الصحي والانتهاكات المستمرة في تعز، بما فيها استهداف المنشآت الطبية والحصار والقصف المتواصل للأحياء السكنية، مؤكداً أن تكرار الاعتداءات في لحج وتعز ومحافظات أخرى يستدعي موقفاً وطنياً ودولياً حازماً.

ووجّه السلطات المحلية والجهات الصحية والأمنية في لحج بتكثيف الرعاية الطبية للمصابين، ومتابعة احتياجات أسر القتلى، وتوثيق الجريمة وجمع الأدلة اللازمة لملاحقة المسؤولين عنها.

إدانة أوروبية

على وقع الاعتداءات الحوثية المتصاعدة، أصدر الاتحاد الأوروبي موقفاً شديد اللهجة إزاء التطورات العسكرية والإنسانية في اليمن، مطالباً الحوثيين بوقف جميع عملياتهم العسكرية فوراً، وفتح ممر إنساني عاجل في مدينة تعز، لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين المحاصرين.

وأعرب الاتحاد، في بيان أصدرته الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، نيابة عن الدول الأعضاء، عن إدانته للهجمات الحوثية على السعودية، لا سيما تلك التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية، مؤكداً تضامنه مع المملكة والحكومة اليمنية وشعبي البلدين.

دخان يتصاعد في أحياء تعز جراء القصف الحوثي (إعلام حكومي)

وأعلن عزمه زيادة مساعداته لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، بما يشمل دعم الإصلاحات وتعزيز الحوكمة ومواجهة التدهور الاقتصادي والإنساني والحقوقي، كاشفاً عن تخصيص 25 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية الطارئة، ليرتفع إجمالي الدعم الإنساني الأوروبي لليمن خلال عام 2026، إلى 110 ملايين يورو.

وحذّر البيان من أن التصعيد العسكري، إلى جانب نقص السلع الأساسية وارتفاع تكلفتها وانعدام الأمن الغذائي ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب، يفاقم الأزمة الإنسانية، مشيراً إلى أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدات.

كما طالب الحوثيين بالإفراج الفوري عن العاملين الإنسانيين المحتجزين تعسفياً، بمن فيهم 70 موظفاً أممياً في صنعاء، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني، وفتح الطرق أمام وصول الإغاثة إلى المحتاجين دون عوائق.

وفي الشق السياسي، دعا الاتحاد إيران إلى وقف تقديم أي دعم عسكري للحوثيين، معتبراً أن الحل العسكري لن ينهي الصراع، ومجدداً دعمه لجهود المبعوث الأممي للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة بقيادة وملكية يمنية، وفق قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.