مصادر دبلوماسية تركية: أنقرة قد تقبل بوجود الأسد لمرحلة انتقالية قصيرة

أقرت بأن تركيا اضطرت لتغيير مواقفها في سوريا لمخاوفها من تقدم الأكراد

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ترافقه زوجته أمينة لدى مغادرتهما مطار أتاتورك بإسطنبول إلى وارسو لحضور قمة حلف «الناتو» أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ترافقه زوجته أمينة لدى مغادرتهما مطار أتاتورك بإسطنبول إلى وارسو لحضور قمة حلف «الناتو» أمس (رويترز)
TT

مصادر دبلوماسية تركية: أنقرة قد تقبل بوجود الأسد لمرحلة انتقالية قصيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ترافقه زوجته أمينة لدى مغادرتهما مطار أتاتورك بإسطنبول إلى وارسو لحضور قمة حلف «الناتو» أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ترافقه زوجته أمينة لدى مغادرتهما مطار أتاتورك بإسطنبول إلى وارسو لحضور قمة حلف «الناتو» أمس (رويترز)

فيما توالت التصريحات في الفترة الأخيرة عن تغيير في علاقات تركيا مع جارتها سوريا، في إطار انفتاح تركي جديد في السياسة الخارجية مع مجيء حكومة بن علي يلدريم، لتصبح العنوان الرئيس الذي يشغل الشارع التركي منذ أسابيع، لم يتضح شكل التغيير الذي سيطرأ على الموقف من سوريا ونظام الأسد، بخلاف ما أعلن عن تطبيع كامل مع إسرائيل، وطي صفحة الخلافات مع روسيا، والتحرك التدريجي لتحسين العلاقات مع مصر.
وبالنسبة للدائرة الرابعة من دوائر الأصدقاء الذين يجب استعادتهم في منطقتي البحر الأسود (روسيا) والبحر المتوسط (مصر، سوريا، وإسرائيل)، التي حددها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، تبدو الحالة السورية هي الأكثر غموضًا والأكثر تعتيما في الحديث عنها أيضا.
وحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية، تحدتث لـ«الشرق الأوسط» فإن الخطوات التي يمكن أن تتبع مع سوريا تختلف تماما عما اتبع مع روسيا وإسرائيل، أو ما قد يمكن اتخاذه قريبا من خطوات لتحسين العلاقات مع مصر.
وأكدت المصادر أن أنقرة لن تغير موقفها من رأس النظام في سوريا إذا تمسكت برحيله، لكنها قد تقبل ببقائه لمرحلة انتقالية قصيرة قد لا تتجاوز الستة أشهر، من خلال توافق مع القوى الدولية، وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة.
وأعادت هذه المصادر إلى الأذهان خطة سابقة كانت وافقت عليها تركيا قبل أزمة إسقاط الطائرة الروسية على حدودها مع سوريا في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015، كانت اقترحتها على روسيا مجموعة من تسع دول، وتتضمن الإعلان عن مرحلة انتقالية في إدارة البلاد لمدة ستة أشهر يبقى فيها الأسد رئيسا بصلاحيات رمزية دون صلاحيات إدارية أو سياسية أو عسكرية، ليغادر منصبه في نهايتها وتجرى انتخابات جديدة في البلاد.
واعتبرت المصادر أن عودة تركيا لتقييم سياساتها تجاه تركيا يرجع في المقام الأول إلى التهديدات الكردية، بالإضافة إلى تضرر مصالح تركيا خلال السنوات الخمس الماضية بسبب التشدد في التعامل مع قضية وجود الأسد. وعبرت هذه المصادر عن اعتقادها بأن روسيا نفسها لن تتمسك ببقاء الأسد إلى ما لا نهاية، لكنها تسعى لضمان مصالحها في سوريا، والتي يمكنها التوافق بشأنها مع القوى الدولية الفاعلة هناك.
ولم تخف المصادر انزعاج تركيا من استمرار الدعم الأميركي والروسي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وذراعه العسكري، وحدات حماية الشعب الكردية، وترى أن استمرار الأسد لفترة قد يكون ضمانا لعدم تهديد الدولة التركية بقيام دولة كردية على حدودها مع سوريا لها امتداد داخل تركيا تتمثل في منظمة حزب العمال الكردستاني التي تسعى للانفصال بجنوب شرق تركيا، في إطار السعي لإقامة دولة كردستان الكبرى على أراضٍ في العراق وسوريا وتركيا وإيران.
وكانت تركيا تشددت في عهد حكوماتها السابقة سواء برئاسة رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان، أو رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو من بعده بالإصرار على رحيل بشار الأسد باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في سوريا. واختلف الموقف التركي في هذا الصدد مع موقفي روسيا والولايات المتحدة التي وجهت تركيزها على محاربة تنظيم داعش الإرهابي، بالإضافة إلى استفادة مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية من الدعم الأميركي في محاربة «داعش» ما عزز موقفهم في الأراضي المتاخمة للحدود التركية. وتخشى أنقرة أن تذكي سيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية على أراضٍ في شمال سوريا تمرد منظمة حزب العمال الكردستاني التي تخوض صراعًا مسلحًا في جنوب شرق تركيا منذ عام 1984.
ويرى محللون أن تركيا أقدمت، متأخرا، على خطوات لطمأنة روسيا والولايات المتحدة تجاه المخاوف المعلنة من دعمها للتنظيمات الإرهابية في سوريا، وفي مقدمتها «داعش»، وجبهة النصرة، التي أعلنتهما تركيا منظمتين إرهابيتين، واتخاذ إجراءات لتأمين وضبط حدودها مع سوريا.
وفي نظر الخبراء فإنه على الرغم من أن الرئيس رجب طيب إردوغان يتمتع بسلطة مطلقة في تركيا، بما في ذلك سيطرته على ملفات السياسة الخارجية، ومع أنه من أشد منتقدي الأسد، إلا أن تغير الظروف على الأرض يمكن أن يضطره إلى التخفيف من تصريحاته، أو التواري وترك التصريحات لرئيس الوزراء بن على يلدريم ومسؤولين آخرين في الدولة.
ويعتقد فريق من الخبراء، وبينهم عثمان بهادر دينجير الخبير بالشؤون السورية في المنظمة الدولية للأبحاث الاستراتيجية في أنقرة، أن تبني موقف أقل حدة من الأسد، يمكن أن يساهم في تحسين العلاقات مع روسيا، بعد الخطوات التي اتخذت مؤخرا لطي صفحة التوتر، بسبب حادث إسقاط المقاتلة الروسية العام الماضي.
واعتبر هؤلاء المحللون أن المهمة الملحة التي تواجه إردوغان هي تقليل التكاليف الناجمة عن النزاع السوري، لأن تركيا استهانت منذ البداية بحجم المشكلة السورية، وحاولت القيام بدور فوق طاقتها، وبسبب الاستقطاب السياسي في الداخل فإن وقتًا طويلاً سيمر قبل أن نسمع من السياسيين أنهم ارتكبوا خطأ أو أخطأوا في الحساب.
ولم تعلق أنقرة على تقارير نشرتها صحيفة «الوطن» السورية حول قيام الجزائر بوساطة سرية بينها وبين دمشق، ويعتقد المحللون أن هذه التقارير تعد مؤشرا على نيات حول تنسيق ما بين الجانب التركي والنظام السوري، لكنها لا تعكس الواقع بالضرورة. ولم يستبعد هؤلاء المحللون أن تقدم تركيا على تحقيق مصالحة مع الأسد، بعد أن تحققت المصالحة مع إسرائيل وروسيا، وإذا تحققت مصالحة محتملة مع مصر، فوقتها يمكن أيضا أن تتحقق مع الأسد، تبعا لمنطق أنه ليس هناك أعداء دائمون وإنما هناك مصالح دائمة. ورأت مروة شبنام أوروتش الكاتبة بصحيفة «صباح» الموالية للحكومة التركية أن أنقرة تسعى إلى إصلاح سياستها الخارجية التي زادت من عزلتها، ومن المحتمل أن يؤدي عزمها على منع قيام منطقة للأكراد ذات حكم ذاتي شمال سوريا إلى الحد من مطالبتها برحيل بشار الأسد.
من جهته، يرى محمد يجين، محلل شؤون الشرق الأوسط في مركز الأبحاث الاستراتيجية الدولية USAK في أنقرة، أن هناك ضرورة لإعادة إحياء مفاوضات السلام مع منظمة حزب العمال الكردستاني، والتي تستبعدها الحكومة التركية حتى الآن، أو الاعتماد وبشكل غير مباشر على بشار الأسد كعازل يحميها من الخطر الكردي. ويرى أن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يتغير هو أن باستطاعة تركيا التوقف عن الإصرار على رحيل الأسد.
في السياق ذاته دعا رئيس البرلمان التركي وزير العدل التركي الأسبق القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم جميل تشيشيك الحكومة التركية إلى إصلاح العلاقات في الداخل، على غرار ما حدث في السياسة الخارجية من تطبيع مع إسرائيل، وإزالة الخلافات مع روسيا، والتوجه إلى إصلاح العلاقات مع مصر، مطالبا بالعودة إلى المفاوضات لحل المشكلة الكردية. وتعد الانتقادات والضغوط المستمرة من جانب المعارضة التركية، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري، الذي لطالما انتقد سياسات الحكومة التركية منذ بدء الأزمة السورية في 2011، أحد العوامل المؤثرة في تحولات السياسة الخارجية لتركيا في الفترة الأخيرة، بعد أن ثبت فشل مبدأ العزلة القيمة الذي روج له المتحدث باسم الرئاسة التركية في الفترة من 2013، وحتى إعلان الحكومة التركية الجديدة برئاسة بينالي يلدريم عن سياسة توسيع الحلفاء وتقليل الخصوم.
واعتبر أوزتورك يلماز، القنصل التركي السابق في العراق الذي اختطفه تنظيم داعش الإرهابي واحتجزه لمدة 3 أشهر مع 48 من الدبلوماسيين وعائلاتهم ويشغل حاليا منصب نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري للعلاقات الدولية، في تعليق لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا اتبعت سياسات وصفها بالمفلسة حيال الأزمة السورية من البداية، وأن ما أسماه بـ«الدعم التركي للتنظيمات الإرهابيّة في سوريا» أحدث وسيحدث الكثير من المشكلات الخطيرة لتركيا، مادام أنّها لا تستطيع الردّ بحزم على اعتداءات الجماعات الإرهابية عليها». ولفت إلى أن تركيا تعرّضت لستّ عمليات انتحاريّة قام بها إرهابيو «داعش» في مختلف أنحاء تركيا خلال الأشهر العشرة الماضية، وأن هذا الإفلاس سيؤثر بشكل خطير في الأمن القومي لتركيا إذا لم تتغير السياسات التي اتبعها إردوغان وداود أوغلو في الأعوام الخمسة الماضية.



نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
TT

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أمس، انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكباً للعميد حمدي شكري الصبيحي، قائد الفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وأحد أبرز القادة الذين أسهمت قواته في فرض الأمن في عدن. وتفيد المعلومات بأن العميد الصبيحي نجا من التفجير الذي وقع خلال مرور الموكب العسكري في منطقة جعولة التابعة لمديرية دار سعد، وهي من المناطق الحيوية التي تشهد حركة مرورية نشطة.

وجاء التفجير غداة كشف السلطات المحلية في مدينة المكلا، كبرى مدن حضرموت، عن سجون سرية ومتفجرات تستخدم في الاغتيالات كانت في عهدة مجموعات من «المجلس الانتقالي الجنوبي» تديرها الإمارات قبل خروج الأخيرة من اليمن منذ نحو ثلاثة أسابيع.

وأعادت الحادثة إلى الواجهة المخاوف الأمنية، في وقت يسعى فيه تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية إلى إعادة الاستقرار للمحافظات الجنوبية وتوحيد القوات العسكرية والأمنية بعد حلّ ما كان يسمى «المجلس الانتقالي».


هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».