حرب شوارع ضد رجال الشرطة تهز دالاس الأميركية

5 قتلى و12 مصابًا من الشرطة بإطلاق نار

رجال أمن أميركيون يطوقون المكان الذي شهد الأحداث الدموية التي عرفتها مدينة دالاس ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)
رجال أمن أميركيون يطوقون المكان الذي شهد الأحداث الدموية التي عرفتها مدينة دالاس ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

حرب شوارع ضد رجال الشرطة تهز دالاس الأميركية

رجال أمن أميركيون يطوقون المكان الذي شهد الأحداث الدموية التي عرفتها مدينة دالاس ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)
رجال أمن أميركيون يطوقون المكان الذي شهد الأحداث الدموية التي عرفتها مدينة دالاس ليلة أول من أمس (أ.ف.ب)

أشار مسؤولون بشرطة دالاس إلى أن التحقيقات الأولية أثبتت هوية أحد منفذي إطلاق النار المروع الذي أسفر عن مقتل خمسة من عناصر الشرطة الأميركية مساء الخميس، وإصابة اثني عشر آخرين. وقال المسؤول: إن «ميخا كزافييه جونسون (25 عاما) هو واحد من أربعة أشخاص من القناصة الذين نصبوا كمينا لضباط الشرطة في خلال مظاهرات خرجت لتندد بمقتل أميركيين من أصول أفريقية».
وأوضح قادة الشرطة في دالاس، أن عددا من القناصة أطلقوا النار على ضباط الشرطة بأسلوب الكمائن، وأشاروا إلى أنه تم احتجاز ثلاثة من المشتبه بهم (لم تحدد هويتهم) ومقتل شخص رابع (الذي تم إعلان هويته) خلال تبادل لإطلاق النار مع الشرطة صباح أمس. وأوضح مسؤولو الشرطة، أن «جونسون كان يرتدي درعا واقية من الرصاص، ويملك كميات كبيرة من الذخائر، وقد اضطرت الشرطة إلى استخدام عبوة ناسفة تم تفجيرها بعد أن فشلت المفاوضات معه».
وتحقق السلطات الاتحادية الأميركية في دوافع الحادث الذي يعد الأكثر دموية في الولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وقد قامت الشرطة بإلقاء القبض على الكثير من المشتبه بهم، وتم نشر صور البعض على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفزة للحصول على المساعدة من المدنيين لكي يتم القبض عليهم.
فيما أشارت جمعية قدامي المحاربين إلى أن الهجوم كان منسقا بشكل واضح، وأظهر درجة تنذر بالخطر فيما يتعلق بالتخطيط والتنفيذ. ووصف رجال إنفاذ القانون الحادث بأنه أعنف هجوم على رجال الشرطة منذ أحداث 11 سبتمبر.
وبدأت الأحداث بمظاهرات خرجت أول من أمس احتجاجا على مقتل اثنين من الأميركيين السود على يد ضباط الشرطة في ولاية لويزيانا وولاية منيسوتا خلال الأسبوع الماضي، وسارت مظاهرات الاحتجاج السلمية في الساعة السابعة مساء الخميس بالتوقيت المحلي في حديقة بيلو بوسط مدينة دالاس، وتجمع أكثر من 800 شخص في المظاهرة التي وفرت لها الشرطة 100 جندي لحراستها. وأوضح شهود عيان لشبكة «سي إن إن»، أن المظاهرات كانت سلمية حتى بدأ إطلاق النار وانفجارات بصوت عال لفترة من الوقت، وكان الجميع يصرخ، والناس يركضون، وأظهرت وسائل الإعلام الأميركية لقطات حية يظهر فيها الضباط يحتمون وراء السيارات، وتبادل لإطلاق النار بين ضباط الشرطة وقناصة يحتمون في الطابق الثاني لمرآب للسيارات».
وقال ديفيد براون، رئيس شرطة دالاس في مؤتمر صحافي صباح أمس، إنه في التاسعة مساء أطلق قناصة النار على موقعين لضباط الشرطة، وتم قتل بعض الضباط كانوا يقومون بحراسة مؤخرة المظاهرة. وأضاف، أن «القناصة نصبوا كمائن لضباط الشرطة وحاصروهم. وبدأت الشرطة التفاوض مع القناصة في الساعة الثانية عشرة إلا ربع، وخلال المفاوضات قال أحد القناصة إنه مستاء من قيام رجال الشرطة بإطلاق النار على السود، وقال: إنه يريد أن يقتل رجال الشرطة البيض».
وبعد ساعات عدة فشلت المفاوضات وتم تبادل إطلاق النار بين الشرطة والقناصة لمدة 45 دقيقة، تحولت فيها شوارع المدينة إلى حالة من الذعر والهلع. وقامت الشرطة بتوجيه جهاز تفجير بالريموت أسفر عن مقتل واحد من القناصة، وتم القبض على ثلاثة آخرين، ولم تكشف الشرطة تفاصيل عن هوية مطلقي النار أو دوافعهم. ورغم أن الهجمات وقعت خلال مظاهرات الاحتجاج، فإن الشرطة لم تستطع توضيح ما إذا كان القناصة المسلحون على علاقة بالمتظاهرين.
وقال رئيس شرطة دالاس (وهو أميركي أسود): «إن القناصة هددوا بتفجير قنابل في وسط المدينة، وبقتل المزيد من رجال الشرطة، وكانت الشرطة حذرة للغاية في التعامل مع القناصة؛ حتى لا تعرض أحدا من المواطنين للخطر». وقال ديفيد براون، رئيس شرطة مدينة دالاس: «إنه لم يكن لدى قوات الشرطة أي خيار غير قتل المشتبه به للتأكد من حفظ الأمن، وأن كل الخيارات الأخرى كانت ستعرض رجال الشرطة لخطر كبير وقد تزيد أعداد الضحايا».
وشدد رئيس شرطة دالاس: إنه «يجري العمل للقبض على جميع المشتبه بهم وتمشيط المدينة؛ خوفا من قيام المشتبه بهم بزرع قنابل». وتناولت أنباء أن هناك ثلاثة آخرين من المشتبه بهم في قبضة رجال الشرطة، رجلين وامرأة. وقد رفضت السلطات الأميركية أن تفصح عن أي معلومات إضافية عن هؤلاء الثلاثة لحين انتهاء التحقيقات المبدئية، كما رفضت السلطات إعطاء معلومات حول عدد القناصة المتورطين في الحادث.
من جانبه، أدلى الرئيس الأميركي باراك أوباما ببيان صباح أمس من العاصمة البولندية وارسو على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي بعد أقل من 12 ساعة من إطلاق النار، واصفا الحادث بالشرير والمدبر والمثير للرعب.
وقال أوباما: «ما زلنا لا نعرف كل الحقائق، وما نعرفه أن هناك هجوما شرسا ومبررا وحقيرا ضد رجال إنفاذ القانون، وقامت الشرطة في دالاس بواجبها في الحفاظ على أمن وسلامة المواطنين أثناء الاحتجاجات السلمية، وتم استهداف هؤلاء الضباط المكلفين بإنفاذ القانون وقتل خمسة ضباط وأصيب 12 آخرون ومدني واحد، وبعضهم في حالة خطيرة ونصلي من اجلهم».
وأضاف أوباما «أعتقد أنني أتحدث عن كل شخص أميركي عندما أقول: إننا أصبنا بالرعب إزاء هذه الأحداث، وهناك الكثير من المشتبه بهم، ولا يوجد أي مبرر ممكن لهذا النوع من الهجمات، أو أي أعمال عنف ضد موظفي تنفيذ القانون وأي شخص متورط في جرائم القتل (التي ارتكبها رجال شرطة) تتم محاسبته بالكامل، وسيتم تحقيق العدالة»
وأشار الرئيس الأميركي إلى أهمية إصدار تشريع يقيد حرية تملك الأسلحة في دعوة ضمنية إلى فرض مزيد من القيود الصارمة لامتلاك الأسلحة المتقدمة، وقال: «نحن نعلم أنه عندما يملك الناس أسلحة قوية فإنه لسوء الحظ يجعل هذه الهجمات أكثر فتكا وأكثر مأساوية».
وحاول أوباما السير على خط رفيع ما بين إدانة إطلاق النار على رجال الشرطة، وما بين الدعوة لاستئصال العنف العنصري ضد السود ذوي الأصول الأفريقية، والإشادة بالتضحيات التي يقدمها رجال الشرطة.
ويقول محللون: إن «تكرار أحداث العنف بين الشرطة والأقليات العرقية من السود الأميركيين تلقي بظلالها على الانتخابات الرئاسية، وتجعل قضايا العنف المسلح وإصلاح نظام العدالة الجنائية في دائرة الضوء للناخبين الأميركيين»، وأشارت وسائل الإعلام إلى أن العناوين البشعة للقتل لم تعد مقصورة على الأخبار من أفغانستان أو العراق، بل أصبحت تأتي من وسط مدينة دالاس.
وقال مالكوم نانس، المسؤول السابق بالاستخبارات البحرية الأميركية عبر «تويتر»: إنه «من السابق لأوانه القول: إن إطلاق النار كان تصرفا فرديا بالنظر إلى أسلوب إطلاق النار واستخدام غطاء وخطة هروب الجناة، ويبدو أن الجناة تلقوا تدريبا داخل الولايات المتحدة وليس أسلوب عصابات» وأضاف: «أنا غاضب للغاية».
وقال اليكس هورتون، أحد قدامى المحاربين العسكريين في تغريدة «كان هناك ثلاث بنادق شبة أوتوماتيكية وكمين تم إعداده بمهارة وتنسيق، وكان لدى الجناة خطة مسبقة للهرب».
وقد أثارت عناوين صحيفة «نيويورك بوست» الغضب بعد أن وضعت عنوانا وصفت فيه إطلاق النار على ضباط الشرطة في دالاس بـ«الحرب الأهلية»، وانتقد قراء الصحيفة على صفحاتها طريقة اختيار العنوان، متهمين الصحيفة بـ«صب الزيت على النار».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...