مايكل غوف... الطريق إلى 10 داونينغ ستريت

بعد الطلاق البريطاني ـ الأوروبي

مايكل غوف... الطريق إلى 10 داونينغ ستريت
TT

مايكل غوف... الطريق إلى 10 داونينغ ستريت

مايكل غوف... الطريق إلى 10 داونينغ ستريت

تسبب الاستفتاء الذي نُظم يوم 23 يونيو (حزيران) الماضي في بريطانيا وأسفر عن تصويت غالبية البريطانيين لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بـ«زلزال» اقتصادي وسياسي. فالنتيجة الصادمة على المستويين الداخلي والخارجي أثارت «تسونامي» اقتصاديًا أطاح خلال ثلاثة أيام فقط بمليارات الجنيهات من قيمة الأسهم البريطانية قدّرها خبراء ماليون واقتصاديون بأنها تفوق ما تدفعه البلاد حاليًا للاتحاد الأوروبي، على امتداد أكثر من 35 سنة.
أما على الصعيد السياسي، فأدت النتيجة إلى إعلان رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، الذي كان في طليعة مؤيدي «البقاء» ضمن الاتحاد، استقالته من منصبه، ودعوته حزبه، حزب المحافظين الحاكم، إلى انتخاب زعيم جديد يتولى على الفور رئاسة الحكومة، وتفجّر أزمة زعامة في حزب العمال المعارض، بعدما اتهمت غالبية نواب الحزب زعيمه اليساري المتشدد جيريمي كوربن بـ«التآمر» على نواب الحزب في مجلس العموم والامتناع عن دعم موقفه الرسمي الداعم لـ«البقاء».
غير أن الأمر اللافت أكثر من غيره كان انفراط التحالف الذي قاد حملة «الخروج» من أوروبا في حزب المحافظين، وانقلاب وزير العدل مايكل غوف على حليفه عمدة لندن السابق بوريس جونسون، وإعلانه ترشيح نفسه لزعامة الحزب، مما اضطر جونسون للانسحاب من حلبة التنافس.
ما كانت «الكاريزما» في يوم من الأيام مزيّة لافتة في شخصية مايكل غوف، وزير العدل البريطاني، والسياسي والكاتب الصحافي ذي النزعة الأكاديمية الجافة. ثم أن الرجل نفسه لم يطرح نفسه إطلاقا، من قبل، كمشروع زعيم، بل على العكس كان ينفي وجود أي نية لديه ببلوغ مركز القرار. وهذا ما جعله في أنظار المعظم «شخصية الظل» الممتازة التي يمكن أن تكون رصيدًا لأي زعيم مستقبلي لحزب المحافظين، وبالتالي، رئيس الحكومة.
على العكس تمامًا، كان زميله وحليفه السابق بوريس جونسون. وهو محافظ مثله، وكاتب وصحافي سياسي مثله، وخريج جامعة أكسفورد مثله، لكن ما لا يختلف عليه اثنان أن جونسون شخصية جذابة وطريفة أحيانا إلى درجة الخفة والظرف الأخرق. وبالفعل، تجلّت «كاريزما» جونسون بفوزه الكبير بمنصب عمدة لندن 2008 متغلبًا على العمدة العمالي السابق اليساري كين ليفينغستون. ثم مما ساعده على تعزيز شعبيته استضافة لندن في عهد عموديته الألعاب الأولمبية عام 2012. وبعدها مع عجز رئيس الوزراء المحافظ المعتدل ديفيد كاميرون عن توحيد أجنحة الحزب خلف قيادته - لا سيما في شأن البقاء في أوروبا أو الخروج منها - أخذ بعض نواب الحزب وقادة كتله تطرح اسم جونسون كخليفة محتمل.
طيلة هذه الفترة لم يكن اسم مايكل غوف مطروحًا كزعيم، لا سيما أن أداءه الوزاري، وبالأخص إبان توليه حقيبة وزارة التربية والتعليم، لم يكن متميزًا بقدر ما كان مثيرًا للجدل.

سيرة شخصية
وُلِد مايكل غوف يوم 26 أغسطس (آب) 1967، أي أنه في الثامنة والأربعين من العمر، في العاصمة الاسكوتلندية أدنبره. ومع إتمامه أربعة شهور تبنّته عائلة مؤيدة لحزب العمال في مدينة أبردين في أقصى شمال شرقي اسكوتلندا وبريطانيا، حيث نشأ على المذهب البروتستانتي في كنف العائلة. وكان أبوه بالتبني يدير مؤسسة تعمل بتعليب الأسماك وأمه بالتبني موظفة مختبر في جامعة أبردين، قبل أن تتولى العمل في مدرسة للصم في المدينة نفسها. وغوف متزوج منذ عام 2001 من الصحافية والناشطة المحافظة سارة فاين، ولهما ولدان.
تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدرسة حكومية بأبردين، ثم في كلية روبرت غوردن الخاصة العريقة، بعد حصوله على منحة دراسية. ثم في عام 1985 التحق بجامعة أكسفورد (كلية ليدي مارغريت هول) حيث تخرّج عام 1988 بدرجة البكالوريوس في السياسة والفلسفة والاقتصاد، وإبان فترة دراسته في أكسفورد اختير لترؤس «اتحاد أكسفورد» الطلابي.
في أعقاب التخرج امتهن غوف العمل الصحافي، فعمل بداية مراسلاً متمرنًا في صحيفة «برس آند جورنال» في أبردين، وإبان فترة عمله هذه عايش لأول الصراعات النقابية والعمالية. غير أن النقلة التي صنعت اسمه في عالمي الصحافة والسياسة انتقاله عام في صحيفة «التايمز» محررًا، ثم ترقى في عدد من المسؤوليات التحريرية لينتهي كاتب مقالات من أبرز كتابها.
وعبر «التايمز»، كذلك ملحقها الأدبي ومجلة «السبكتايتور» اليمينية مقالات سياسية مهمة ولافتة. وعرفت عنه خلال هذه الحقبة علاقاته الطيبة مع الناشر الملياردير اليميني روبرت مردوخ (مالك «التايمز» و«الصن»). وأيضًا شارك غوف ببرامج وتحقيقات تلفزيونية وإذاعية كثيرة.

في البرلمان والحكومة
في عام 2005 دخل مجلس العموم لأول نائبًا عن حزب المحافظين، إثر فوزه بالمقعد البرلماني المضمون لدائرة سري هيث في أرياف مقاطعة سري إلى الجنوب الغربي من العاصمة لندن. وخلال سنتين فقط، عام 2007، اختير عضوًا في «حكومة الظل» المعارضة برئاسة ديفيد كاميرون وتولى حقيبة الأطفال والتعليم والعائلات.
وبعد انتخابات 2010 التي أنهت حكم العمال المستمر منذ 1997، والتي عجز خلالها أي من الأحزاب الرئيسية عن كسب غالبية مطلقة، شكل المحافظون برئاسة كاميرون حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الأحرار الوسطي، أسندت إلى غوف حقيبة وزارة التربية والتعليم.
ومع أنه حاول تعميم تجربة «الأكاديميات» (نوع من المدارس المتوسطة والثانوية) التي بدأتها الحكومة العمالية، فإن أسلوبه سرعان ما أدى لاصطدامه عام 2013 بـ«الرابطة الوطنية لمديري المدارس» التي شكت من ممارساته «الضاغطة والترهيبية» وصوتت لسحب الثقة عنه. ومن ثم، سرعان ما امتدت معارضة سياسات غوف التعليمية من رابطة مديري المدارس إلى «رابطة المعلمين والمحاضرين»، والاتحاد الوطني للمعلمين وغيرها من اتحادات المعلمين.
ولم يطل الوقت حتى غادر غوف منصبه وزيرًا للتربية والتعليم، إذ في أعقاب التعديل الوزاري الذي جرى عام 2014 نقل ليتولى منصب كبير مسؤولي النظام في الحكومة. ثم بعد فوز المحافظين بغالبية مطلقة في عام 2015 مكّنتهم من الحكم منفردين، من دون الحاجة إلى تحالف مع أحزاب أخرى، رقّي غوف إلى منصب كبير المستشارين ووزير العدل. ومن موقع غوف في هذا المنصب بالذات فإنه لعب دورًا محوريًا بارزًا في حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا أو بقائها في الاتحاد الأوروبي، وكان مع عمدة لندن السابق بوريس جونسون الشخصيتين الأبرز في معسكر دعاة «الخروج»، يدعمهما تيار داخل حزب المحافظين يحسب عمومًا على اليمينيين المشككين تقليديًا بفضائل التكامل الأوروبي. وما يذكر في هذا المجال أن هذا التيار المشكك صار أكثر جرأة في طروحاته الانفصالية عن أوروبا بعد ظهور «حزب استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب) اليميني المناوئ للمهاجرين، والرافض بقاء بريطانيا داخل الاتحاد. وكان بروز هذا الحزب بالذات وراء خيار رئيس الوزراء كاميرون إجراء الاستفتاء، مع أنه ما كان مضطرًا لإجرائه.

معركة الزعامة
في أعقاب الاستفتاء الأوروبي، ونتيجته «المزلزلة» كان كثيرون في حزب المحافظين والشارع البريطاني، عمومًا، يتوقعون بعد أن تهدأ الخواطر ويستقر وضع الأسهم، أن تبدأ معركة خلافة ديفيد كاميرون، الذي اختار الابتعاد عن السلطة بأنفة وشهامة، متحملاً المسؤولية في رهانه الخاسر.
كذلك كان السواد الأعظم من المتابعين يتوقعون أن يكون جونسون هو المرشح «الجاهز» والأوفر حظًا لأن يتولى زعامة الحزب، ومن ثم تلقائيًا، رئاسة الحكومة بعد سريان مفعول استقالة كاميرون إبان المؤتمر الوطني للحزب هذا الخريف. غير أن الانقسام الحاد داخل صفوف الحزب بين مناصري «البقاء» ومؤيدي «الخروج»، والخسائر المالية الضخمة المبكرة في بورصة لندن وحي «السيتي» (حي المال والأعمال)، فضل جونسون وغوف التريث والتزام الحذر والصمت مؤقتًا، في حين بدأت جهات محسوبة على قلب «المؤسسة» الحزبية تعمل على دفع مرشح (أو مرشحة) فوق الانقسام الحاد يستطيع لملمة الصفوف المنقسمة والانطلاق من أرضية صلبة للتفاوض مع الأوروبيين خلال الأشهر المقبلة على ترتيبات الخروج.
وحقًا، بادرت وزيرة الداخلية تيريزا ماي، وهي سياسية محترمة تعد من مؤيدي التقارب الأوروبي لكنها - بحكم موقعها وزيرة للداخلية - عرف عنها تشددها إزاء ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وكذلك مكافحة الإرهاب، إلى تقديم ترشحها. ولم يلبث الباب أن فتح أمام مرشحين آخرين.
إلا أن المفاجأة الضخمة جاءت من قلب ما كان حتى تلك اللحظة «كتلة الحليفين» الأبرز في معسكر الخروج... أي جونسون وغوف. بينما كان الإعلاميون والنواب والجمهور ينتظر إعلان جونسون ترشيحه نفسه ضد ماي، بادر غوف إلى ترشيح نفسه وتبرير هذا الترشيح بكلام يمس مكانة «حليفه» السابق، ويشكل - كما رأى كثيرون - خيانة وطعنة في الظهر.
إذ قال غوف، الذي سبق له القول صراحة إنه غير راغب بمنصب رئاسة الحكومة، في بيان ترشحه يوم أول من أمس: «لقد توصلت إلى قناعة مؤداها أن بوريس (جونسون) لا يستطيع أن يقود أو يبني فريقًا مؤهلاً للمهام التي تنتظرنا!».
ولم ينتظر جونسون طويلاً، إزاء هذه الصراحة الجارحة والتشكيك بمؤهلاته القيادية من أقرب حلفائه، إذ بادر بسرعة إلى إعلان عزوفه عن خوض معركة الزعامة، التي يبدو أنها حتى اللحظة على الأقل ستدور بين مجموعة من الوزراء الحاليين والسابقين، على رأسهم ماي وغوف، ومعهما وزير الدفاع السابق ليام فوكس ووزير العمل والتعويضات ستيفن كراب.
في مطلق الأحوال فإن غوف يواجه معركة صعبة، خلال الأسابيع المقبلة ستحتدم المعركة وتتكشف التحالفات التكتيكية، وترمي الكتل المالية والسياسية والمصلحية النافذة داخل الحزب بثقلها مع هذا المرشح أو ذاك، ولا يتوقع أن تتضح الصورة بسرعة، مع أن ثمة من يرجح أن يتجنب المحافظون الذهاب مع مرشحين يعمّقون الانقسامات.

مشكلات أخرى
ولكن لعل ما يزيد الصورة العامة غموضًا، سواء ربح مايكل غوف معركته داخل حزب المحافظين أو خسر، أن ثمة مشكلات أخرى تعج بها الحياة السياسية البريطانية في هذه الساعات.
ذلك أن حزب العمال أيضًا يعيش صراع أجنحة عنيفًا، وهو الذي يفترض به أن يستفيد من الأزمة التي زجّ المحافظون أنفسهم بها عبر استفتاء قسم صفوفهم وأسقط زعيمهم وهدد حكومتهم. وإصرار زعيم العمال اليساري جيريمي كوربن على رفض مطالبات نواب الحزب بالاستقالة، وسعيه للاستقواء بنقابات العمال وحركيي الفروع الحزبية ضد النواب، يهدد بتفسخ الحزب وانقسامه إلى حزبين: الأول اشتراكي معتدل تمثله الغالبية الساحقة من النواب الحاليين، والثاني يساري متطرف يمثله كوربن وأصحابه.
وكان نواب الحزب الذين اتهموا كورين بالمخادعة والتقصير المتعمّد في دعم حملة «البقاء» في أوروبا، قد صوّتوا بالأمس بغالبية 172 صوتًا مقابل 40 لصالح تنحّي كورين، لكن الأخير لتاريخه يعاند ويتهم النواب بالانقلاب على الحزب وجذوره الجماهيرية.
أيضًا هناك التحدي الانفصالي الذي يشكله الإقليمان ذاتيا الحكم اللذان صوتا مع «البقاء» وهما اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية. وثمة من يشك بإمكانية إقناع الاسكوتلنديين على الأقل بصرف النظر عن استفتاء شعبي يمهّد لاستقلال اسكوتلندا وانفصالها عن بريطانيا، ومن ثم عودتها إلى «الحضن الأوروبي» منفردة.



لبنان يواجه تحدّيات مصيرية في زمن التحوّلات

جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)
جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)
TT

لبنان يواجه تحدّيات مصيرية في زمن التحوّلات

جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)
جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)

يواجه لبنان جملة من التحديات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، خصوصاً في مرحلة التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة وترخي بثقلها على واقعه الصعب والمعقّد. ولا شك أن أهم هذه التحوّلات سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا، وتراجع النفوذ الإيراني الذي كان له الأثر المباشر في الأزمات التي عاشها لبنان خلال السنوات الأخيرة، وهذا فضلاً عن تداعيات الحرب الإسرائيلية وآثارها التدميرية الناشئة عن «جبهة إسناد» لم تخفف من مأساة غزّة والشعب الفلسطيني من جهة، ولم تجنّب لبنان ويلات الخراب من جهة ثانية.

إذا كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان قد انتهت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية دولية، وإشراف أميركي ـ فرنسي على تطبيق القرار 1701، فإن مشهد ما بعد رحيل الأسد وحلول سلطة بديلة لم يتكوّن بعد.

وربما سيحتاج الأمر إلى بضعة أشهر لتلمُّس التحدّيات الكبرى، التي تبدأ بالتحدّيات السياسية والتي من المفترض أن تشكّل أولوية لدى أي سلطة جديدة في لبنان. وهنا يرى النائب السابق فارس سُعَيد، رئيس «لقاء سيّدة الجبل»، أنه «مع انهيار الوضعية الإيرانية في لبنان وتراجع وظيفة (حزب الله) الإقليمية والسقوط المدوّي لحكم البعث في دمشق، وهذا إضافة إلى الشغور في رئاسة الجمهورية، يبقى التحدّي الأول في لبنان هو ملء ثغرات الدولة من أجل استقامة المؤسسات الدستورية».

وأردف سُعَيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «بعكس الحال في سوريا، يوجد في لبنان نصّ مرجعي اسمه الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، وهذا الدستور يجب أن يحترم بما يؤمّن بناء الدولة والانتقال من مرحلة إلى أخرى».

الدستور أولاً

الواقع أنه لا يمكن لمعطيات علاقة متداخلة بين لبنان وسوريا طالت لأكثر من 5 عقود، و«وصاية دمشق» على بيروت ما بين عامَي 1976 و2005 - وصفها بعض معارضي سوريا بـ«الاحتلال» - أن تتبدّل بين ليلة وضحايا على غرار التبدّل المفاجئ والصادم في دمشق. ثم إن حلفاء نظام دمشق الراحل في لبنان ما زالوا يملكون أوراق قوّة، بينها تعطيل الانتخابات الرئاسية منذ 26 شهراً وتقويض كل محاولات بناء الدولة وفتح ورشة الإصلاح.

غير أن المتغيّرات في سوريا، وفي المنطقة، لا بدّ أن تؤسس لواقع لبناني جديد. ووفق النائب السابق سُعَيد: «إذا كان شعارنا في عام 2005 لبنان أولاً، يجب أن يكون العنوان في عام 2024 هو الدستور أولاً»، لافتاً إلى أن «الفارق بين سوريا ولبنان هو أن سوريا لا تملك دستوراً وهي خاضعة فقط للقرار الدولي 2254. في حين بالتجربة اللبنانية يبقى الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني المرجعَين الصالحَين لبناء الدولة، وهذا هو التحدي الأكبر في لبنان».

وشدّد، من ثم، على ضرورة «استكمال بناء المؤسسات الدستورية، خصوصاً في المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سوريا»، وتابع: «وفي حال دخلت سوريا، لا سمح الله، في مرحلة من الفوضى... فنحن لا نريد أن تنتقل هذه الفوضى إلى لبنان».

العودة للحضن العربي

من جهة ثانية، يحتاج لبنان في المرحلة المقبلة إلى مقاربة جديدة عمّا كان الوضع عليه في العقود السابقة. ولا يُخفي السياسي اللبناني الدكتور خلدون الشريف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لبنان «سيتأثّر بالتحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وحتميّة انعكاس ما حصل في سوريا على لبنان». ويلفت إلى أن «ما حصل في سوريا أدّى إلى تغيير حقيقي في جيوبوليتيك المنطقة، وسيكون له انعكاسات حتمية، ليس على لبنان فحسب، بل على المشرق العربي والشرق الأوسط برمته أيضاً».

الاستحقاق الرئاسي

في سياق موازٍ، قبل 3 أسابيع من موعد جلسة انتخاب الرئيس التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي في التاسع من يناير (كانون الثاني) المقبل، لم تتفق الكتل النيابية حتى الآن على اسم مرشّح واحد يحظى بأكثرية توصله إلى قصر بعبدا.

وهنا، يرى الشريف أنه بقدر أهمية عودة لبنان إلى موقعه الطبيعي في العالم العربي، ثمّة حاجة ماسّة لعودة العرب إلى لبنان، قائلاً: «إعادة لبنان إلى العرب مسألة مهمّة للغاية، شرط ألّا يعادي أي دولة إقليمية عربية... فلدى لبنان والعرب عدوّ واحد هو إسرائيل التي تعتدي على البشر والحجر». وبغض النظر عن حتميّة بناء علاقات سياسية صحيحة ومتكافئة مع سوريا الجديدة، يلفت الشريف إلى أهمية «الدفع للتعاطي معها بإيجابية وانفتاح وفتح حوار مباشر حول موضوع النازحين والشراكة الاقتصادية وتفعيل المصالح المشتركة... ويمكن للبلدين، إذا ما حَسُنت النيّات، أن يشكلّا نموذجاً مميزاً للتعاون والتنافس تحت سقف الشراكة».

يحتاج لبنان في المرحلة المقبلة إلى مقاربة جديدة

النهوض الاقتصادي

وحقاً، يمثّل الملفّ الاقتصادي عنواناً رئيساً للبنان الجديد؛ إذ إن بناء الاقتصاد القوي يبقى المعيار الأساس لبناء الدولة واستقرارها، وعودتها إلى دورها الطبيعي. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الوزير السابق محمد شقير، رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان، إن «النهوض الاقتصادي يتطلّب إقرار مجموعة من القوانين والتشريعات التي تستجلب الاستثمارات وتشجّع على استقطاب رؤوس الأموال، على أن يتصدّر الورشة التشريعية قانون الجمارك وقانون ضرائب عصري وقانون الضمان الاجتماعي».

شقير يشدّد على أهمية «إعادة هيكلة القطاع المصرفي؛ إذ لا اقتصاد من دون قطاع مصرفي». ويشير إلى أهمية «ضبط التهريب على كل طول الحدود البحرية والبرّية، علماً بأن هذا الأمر بات أسهل مع سقوط النظام السوري، الذي طالما شكّل عائقاً رئيساً أمام كل محاولات إغلاق المعابر غير الشرعية ووقف التهريب، الذي تسبب بخسائر هائلة في ميزانية الدولة، بالإضافة إلى وضع حدّ للمؤسسات غير الشرعية التي تنافس المؤسسات الشرعية وتؤثر عليها».

نقطة جمارك المصنع اللبنانية على الحدود مع سوريا (آ ف ب)

لبنان ودول الخليج

يُذكر أن الفوضى في الأسواق اللبنانية أدت إلى تراجع قدرات الدولة، ما كان سبباً في الانهيار الاقتصادي والمالي، ولذا يجدد شقير دعوته إلى «وضع حدّ للقطاع الاقتصادي السوري الذي ينشط في لبنان بخلاف الأنظمة والقوانين، والذي أثّر سلباً على النمو، ولا مانع من قوننة ليعمل بطريقة شرعية ووفق القوانين اللبنانية المرعية الإجراء». لكنه يعبّر عن تفاؤله بمستقبل لبنان السياسي والاقتصادي، قائلاً: «لا يمكن للبنان أن ينهض من دون علاقات طيّبة وسليمة مع العالم العربي، خصوصاً دول الخليج... ويجب أن تكون المهمّة الأولى للحكومة الجديدة ترسيخ العلاقات الجيّدة مع دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية التي طالما أمّنت للبنان الدعم السياسي والاقتصادي والمالي».

ضبط السلاح

على صعيد آخر، تشكّل الملفات الأمنية والعسكرية سمة المرحلة المقبلة، بخاصةٍ بعد التزام لبنان فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها تطبيقاً للدستور والقرارات الدولية. ويعتبر الخبير العسكري والأمني العميد الركن فادي داوود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تنفيذ القرار 1701 ومراقبة تعاطيها مع مكوّنات المجتمع اللبناني التي تحمل السلاح، هو التحدّي الأكبر أمام المؤسسات العسكرية والأمنية». ويوضح أن «ضبط الحدود والمعابر البرية مع سوريا وإسرائيل مسألة بالغة الدقة، سيما في ظل المستجدات التي تشهدها سوريا، وعدم معرفة القوة التي ستمسك بالأمن على الجانب السوري».

مكافحة المخدِّرات

وبأهمية ضبط الحدود ومنع الاختراق الأمني عبرها، يظل الوضع الداخلي تحت المجهر في ظلّ انتشار السلاح لدى معظم الأحزاب والفئات والمناطق اللبنانية، وهنا يوضح داوود أن «تفلّت السلاح في الداخل يتطلّب خطة أمنية ينفّذها الجيش والأجهزة الأمنية كافة». ويشرح أن «وضع المخيمات الفلسطينية يجب أن يبقى تحت رقابة الدولة ومنع تسرّب السلاح خارجها، إلى حين الحلّ النهائي والدائم لانتشار السلاح والمسلحين في جميع المخيمات»، منبهاً إلى «معضلة أمنية أساسية تتمثّل بمكافحة المخدرات تصنيعاً وترويجاً وتصديراً، سيما وأن هناك مناطق معروفة كانت أشبه بمحميات أمنية لعصابات المخدرات».

حقائق

علاقات لبنان مع سوريا... نصف قرن من الهيمنة

شهدت العلاقات اللبنانية - السورية العديد من المحطات والاستحقاقات، صبّت بمعظمها في مصلحة النظام السوري ومكّنته من إحكام قبضته على كلّ شاردة وواردة. وإذا كان نفوذ دمشق تصاعد منذ دخول جيشها لبنان في عام 1976، فإن جريمة اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب رينيه معوض في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 - أي يوم عيد الاستقلال - شكّلت رسالة. واستهدفت الجريمة ليس فقط الرئيس الذي أطلق مرحلة الشروع في تطبيق «اتفاق الطائف»، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحلّ كل الميليشيات المسلّحة وتسليم سلاحها للدولة، بل أيضاً كلّ من كان يحلم ببناء دولة ذات سيادة متحررة من الوصاية. ولكنْ ما إن وُضع «اتفاق الطائف» موضع التنفيذ، بدءاً بوحدانية قرار الدولة، أصرّ حافظ الأسد على استثناء سلاح «حزب الله» والتنظيمات الفلسطينية الموالية لدمشق، بوصفه «سلاح المقاومة لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلّة» ولإبقائه عامل توتر يستخدمه عند الضرورة. ثم نسف الأسد «الأب» قرار مجلس الوزراء لعام 1996 القاضي بنشر الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل، بذريعة رفضه «تحويل الجيش حارساً للحدود الإسرائيلية».بعدها استثمر نظام دمشق انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي كان يحتلها في جنوب لبنان خلال مايو (أيار) 2000، و«جيّرها» لنفسه ليعزّز هيمنته على لبنان. غير أنه فوجئ ببيان مدوٍّ للمطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الراحل نصر الله بطرس صفير في سبتمبر (أيلول) 2000، طالب فيه الجيش السوري بالانسحاب من لبنان؛ لأن «دوره انتفى مع جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان».مع هذا، قبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، أعلن نظام بشار الأسد رغبته بالتمديد للحود ثلاث سنوات (نصف ولاية جديدة)، ورغم المعارضة النيابية الشديدة التي قادها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، مُدِّد للحود بالقوة على وقع تهديد الأسد «الابن» للحريري ووليد جنبلاط «بتحطيم لبنان فوق رأسيهما». وهذه المرة، صُدِم الأسد «الابن» بصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي، الذي يقضي بانتخاب رئيس جديد للبنان، وانسحاب الجيش السوري فوراً، وحلّ كل الميليشيات وتسليم سلاحها للدولة اللبنانية. ولذا، عمل لإقصاء الحريري وقوى المعارضة اللبنانية عن السلطة، وتوِّج هذا الإقصاء بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في أكتوبر (تشرين الأول) 2004، ثمّ باغتيال رفيق الحريري يوم 14 فبراير (شباط) 2005، ما فجّر «ثورة الأرز» التي أدت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان يوم 26 أبريل (نيسان)، وتبع ذلك انتخابات نيابية خسرها حلفاء النظام السوري فريق «14 آذار» المناوئ لدمشق.تراجع نفوذ دمشق في لبنان استمر بعد انسحاب جيشها بضغط أميركي مباشر. وتجلّى ذلك في «الحوار الوطني اللبناني»، الذي أفضى إلى اتخاذ قرارات بينها «ترسيم الحدود» اللبنانية السورية، وبناء علاقات دبلوماسية مع سوريا وتبادل السفراء، الأمر الذي قبله بشار الأسد على مضض. وأكمل المسار بقرار إنشاء محكمة دولية لمحاكمة قتلة الحريري وتنظيم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات - وطال أساساً التنظيمات المتحالفة مع دمشق وعلى رأسها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» - وتحرير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. حرب 6002مع هذا، بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006، التي أعلن «حزب الله» بعدها «الانتصار على إسرائيل»، استعاد النظام السوري بعض نفوذه. وتعزز ذلك بسلسلة اغتيالات طالت خصومه في لبنان من ساسة ومفكّرين وإعلاميين وأمنيين - جميعهم من فريق «14 آذار» - وتوّج بالانقلاب العسكري الذي نفذه «حزب الله» يوم 7 مايو 2008 محتلاً بيروت ومهاجماً الجبل. وأدى هذا التطور إلى «اتفاق الدوحة» الذي منح الحزب وحلفاء دمشق «الثلث المعطِّل» في الحكومة اللبنانية، فمكّنهم من الإمساك بالسلطة.يوم 25 مايو 2008 انتخب قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وفي 13 أغسطس (آب) من العام نفسه عُقدت قمة لبنانية ـ سورية في دمشق، وصدر عنها بيان مشترك، تضمّن بنوداً عدّة أهمها: «بحث مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا، وترسيم الحدود، ومراجعة الاتفاقات وإنشاء علاقات دبلوماسية، وتبنّي المبادرة العربية للسلام». ولكن لم يتحقق من مضمون البيان، ومن «الحوار الوطني اللبناني» سوى إقامة سفارات وتبادل السفراء فقط.ختاماً، لم يقتنع النظام السوري في يوم من الأيام بالتعامل مع لبنان كدولة مستقلّة. وحتى في ذروة الحرب السورية، لم يكف عن تعقّب المعارضين السوريين الذي فرّوا إلى لبنان، فجنّد عصابات عملت على خطف العشرات منهم ونقلهم إلى سوريا. كذلك سخّر القضاء اللبناني (خصوصاً المحكمة العسكرية) للتشدد في محاكمة السوريين الذين كانوا في عداد «الجيش السوري الحرّ» والتعامل معهم كإرهابيين.أيضاً، كان للنظام السوري - عبر حلفائه اللبنانيين - الدور البارز في تعطيل الاستحقاقات الدستورية، لا سيما الانتخابات الرئاسية والنيابية وتشكيل الحكومات، بمجرد اكتشاف أن النتائج لن تكون لصالحهم. وعليه، قد يكون انتخاب الرئيس اللبناني في 9 يناير (كانون الثاني) المقبل، الاستحقاق الأول الذي يشهده لبنان من خارج تأثير نظام آل الأسد منذ نصف قرن.