وزير خارجية أميركا: خروج بريطانيا ربما لن يتحقق أبدًا

رئيس المفوضية الأوروبية قال إن أنصار خروج المملكة المتحدة من الاتحاد سقطوا في فخ وعود «مضللة»

شعارات رفعها اصحاب حملة الخروج من الاتحاد لكنها اختفت من موقعهم بعد الإحراج التي سببته لأنها اعتبرت مضللة (رويترز)
شعارات رفعها اصحاب حملة الخروج من الاتحاد لكنها اختفت من موقعهم بعد الإحراج التي سببته لأنها اعتبرت مضللة (رويترز)
TT

وزير خارجية أميركا: خروج بريطانيا ربما لن يتحقق أبدًا

شعارات رفعها اصحاب حملة الخروج من الاتحاد لكنها اختفت من موقعهم بعد الإحراج التي سببته لأنها اعتبرت مضللة (رويترز)
شعارات رفعها اصحاب حملة الخروج من الاتحاد لكنها اختفت من موقعهم بعد الإحراج التي سببته لأنها اعتبرت مضللة (رويترز)

الأوروبيون يريدون التريث، والبريطانيون ليسوا بعجلة من أمرهم ولا يريدون تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة حتى الآن، ومطالبات بإعادة الاستفتاء، أو تنظيم استفتاء على الاستفتاء، أو التلويح بانتخابات بريطانية عامة قبل موعدها بأكثر من 3 سنوات، أو تذكير المراقبين بأن هناك تجارب استفتائية مماثلة في الدنمارك وآيرلندا، ونبرة صوت قادة حملة الخروج، الذين بدأوا يتراجعون عن وعودهم، كلها تنوه بمسارات هدفها تأجيل «الطلاق» مع الاتحاد الأوروبي، أو إلغاء نتيجة الاستفتاء كلها. وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري قال أمس إن الانفصال «ربما لن يتحقق أبدا».
تركزت حملة أنصار الخروج على مسألتين رئيسيتين، وهما ضبط الهجرة، التي مصدرها أوروبا، وتعزيز نظام الضمان الصحي بواسطة أموال المساهمات التي تدفع لبروكسل، وهما وعدان كان لهما الإسهام الأكبر في حمل الناخبين على دعم خطة الخروج من الاتحاد الأوروبي. ولهذا وبعد التصويت التاريخي يجد قادة الحملة الداعية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أنفسهم في مأزق، بعد فوزهم المفاجئ في الاستفتاء، وبدأوا يتراجعون عن وعود قطعوها للبريطانيين من غير أن يكونوا واثقين بإمكانية تنفيذها. الأمر الذي جعل رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ينتقد أصحاب حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقال إنهم ليست لديهم خطة لتحقيق هدفهم. وأضاف يونكر عقب مباحثات قمة مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، إن المعسكر الذي أيد خروج بريطانيا من الاتحاد «غير قادر تماما على إخبارنا بما يرغب». وأشار إلى أنه ينبغي على لندن أن تبدأ مفاوضات الخروج «في أسرع وقت ممكن»؛ لأنه «ليس لدينا أشهر من أجل التوسط، علينا أن نتصرف».
كان أحد شعارات الحملة «لنعط الـ350 مليون جنيه التي ندفعها أسبوعيا للاتحاد الأوروبي لنظام ضماننا الصحي» قد اختفى عن موقع حملة «التصويت للخروج» التي يتزعمها بوريس جونسون، ومعه الالتزامات الأخرى، كما ذكرت الوكالة الفرنسية في تقريرها أمس.
ولم تبق من هذه الوعود سوى صور شعار مدون بأحرف كبيرة بيضاء على الحافلة الحمراء الضخمة التي جابوا فيها إرجاء البلاد. وغداة الاستفتاء أقر نايجل فاراج زعيم حزب «يوكيب» المعادي لأوروبا للتلفزيون بأن هذا الوعد كان «خطأ ارتكبته حملة الخروج».
وحين سئل إيان دانكن سميث وزير العمل السابق في حكومة ديفيد كاميرون، عن هذه المسألة في مقابلة أجرتها معه «بي بي سي» بدا مرتبكا، وقال في نهاية الأمر إن هذا الوعد يندرج ضمن «سلسلة طويلة من الاحتمالات»، مثيرا سيلا من التعليقات الساخرة.
وكتب موقع «نيوز ثامب» الهزلي للأخبار على الإنترنت: «إيان دانكن سميث يقول لزوجته: إن زواجنا لم يكن سوى سلسلة من الاحتمالات».
أما بالنسبة لثاني شعار في الحملة الذي وعد بالحد بشكل كبير من الهجرة الآتية من أوروبا، فأعلن النائب الأوروبي المحافظ دانيال هانان المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي بشكل صريح، أن بريطانيا ستعتمد «حرية تنقل العمال»، في حديث لهيئة «بي بي سي». وأضاف: «لم نقل يوما إنه سيكون هناك تراجع سريع للهجرة» مضيفا: «إذا كان الناس الذين يستمعون إلينا يعتقدون أنهم صوتوا من أجل وقف تام للهجرة القادمة من الاتحاد الأوروبي، فسوف يخيب أملهم. كل ما نريده هو أن تكون لنا قدرة على السيطرة». لكن المشكلة أن هذه القدرة على السيطرة ستتوقف إلى حد كبير على نتيجة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.
بالتأكيد، يريد أنصار الخروج الاحتفاظ بالقدرة على الدخول إلى السوق المشتركة، غير أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حذرت الثلاثاء من أنه لن يكون بوسع بريطانيا «انتقاء ما تريده» والاحتفاظ بكل المكتسبات التي كانت تستفيد منها داخل الاتحاد الأوروبي مع التخلي عن واجباتها.
وقال نايجل فاراج لـ«القناة الرابعة» التلفزيونية بانفعال: «إنني متوتر، إنني متوتر»، وأوضح ردا على سؤال عن الإحساس بالخيانة المخيم على الناخبين: «إنني أكثر توترا مما كنت عليه صباح الجمعة (...) أشعر بتراجع في المواقف، وأعتبر هذا الأمر غير مقبول».
وقال الرئيس السابق لحكومة اسكوتلندا أليكس سالموند، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «أنصار الخروج انتصروا في الاستفتاء، لكن ليس لديهم أدنى فكرة عما سيفعلون، لا يملكون أي خطة». وذكر، على سبيل المقارنة، أن دعاة استقلال اسكوتلندا أعدوا «إعلانا من 670 صفحة» عام 2014 حين خاضوا حملتهم من أجل الاستفتاء حول استقلال اسكوتلندا، غير أن أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يعمدوا إلى أي شيء من هذا القبيل.
والتزم بوريس جونسون، الذي يرد اسمه كرئيس وزراء مقبل، حدود العموميات في أول موقف له بعد الاستفتاء، عرضه في مقالة في صحيفة «ديلي تلغراف». وتحدث عن تكثيف التعاون مع الاتحاد الأوروبي من دون أن يعرض أي خطة عملية.
ولا بد من الإشارة إلى أن جونسون توصل إلى قناعته في وقت متأخر، وهو أقر في حديث لهيئة «بي بي سي» بأنه أعد إعلانين عشية التزامه إلى جانب الخروج من الاتحاد الأوروبي، الأول يدعو إلى الخروج والثاني إلى البقاء.
ورأت سكرتيرة الدولة المسؤولة عن الشركات المتوسطة والصغرى آنا سوبري، وهي محافظة مؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، أن التفسير لذلك واضح، وقالت لـ«الشبكة الرابعة» إن جونسون «لم يكن يؤمن بما يقوله للناس (...) لم يقل يوما إنه يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي. لم يكن يتوقع الفوز، وخاض حملة الخروج بدافع طموح شخصي، من أجل أن يصبح رئيس وزراء».
قد يكون هذا التخبط وعدم الوضوح وربما التراجع، وراء سبب إعلان وزير الخارجية الأميركي جون كيري الثلاثاء، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ربما لا يتحقق أبدا، وأن لندن ليست في عجلة من أمرها لذلك.
وقال كيري خلال مشاركته في منتدى «آسبن آيدياز فستيفال» في كولورادو (غرب) أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يشعر بأنه «غير قادر» على التفاوض حول خروج البلاد الذي لم يكن يريده أصلا.
وأضاف كيري الذي كان قد زار كاميرون في مقره في لندن الاثنين: «إنه طلاق معقد للغاية» في إشارة إلى المفاوضات من أجل خروج بريطانيا من الكتلة الأوروبية. وتابع أن كاميرون لا يريد تطبيق المادة 50 من معاهدة لشبونة، والتي ستطلق آلية الخروج التي تستمر نحو عامين.
وأوضح كيري أن لندن لا تريد أن تجد نفسها خارج أوروبا بعد عامين قبل أن توقع على اتفاق تعاون جديد. ومضى يقول إن كاميرون يشعر «بأنه غير قادر على بدء مفاوضات حول مسألة لا يؤمن بها ولا يعلم كيف سيقوم بها». وأضاف: «وهذا الأمر ينطبق بالمناسبة على غالبية الذين صوتوا من أجل الخروج»، في إشارة إلى مسؤولين في حملة الخروج، من بينهم رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون، الذي بات الأوفر حظا لخلافة كاميرون.
ولدى سؤاله حول ما إذا كان بالإمكان «التراجع» عن قرار الخروج، وكيفية القيام بذلك، أجاب كيري: «أعتقد أن هناك عدة طرق»، مضيفا: «بصفتي وزيرا للخارجية لن أعرضها اليوم؛ لأن ذلك لن يكون صوابا، لكن هناك عدة طرق».
وكان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، أعرب عن تفهمه الثلاثاء، لحاجة كاميرون إلى الوقت لبدء آلية الخروج لكنه شدد «ليس لدينا أشهر للتأمل».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...