فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي المقيم في هولندا.. من مناجم الفوسفات إلى حقل الأدب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي
TT

فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي

استطاع فؤاد العروي، بعد «انعطافة حادة»، نقلته من عالم الهندسة والعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة خريبكة (وسط المغرب) إلى عوالم البحث الأكاديمي والكتابة والإبداع الأدبي، أن يتكرس كأحد أهم الكتاب المغاربة، المعروفين في الداخل والخارج، مراكمًا كتابات لها توقيع خاص ولمسة مميزة، كـ «أسنان الطوبوغرافي» و«أي حب مجروح» و«اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة» و«سنة عند الفرنسيين» و«احذروا من المظليين» و«قضية سروال داسوكين الغريبة» و«مِحَنُ السجلماسي الأخير»، مكنته من الحصول على عدد من أرفع الجوائز الأدبية، في جنسي الرواية والقصة، بشكل خاص، ومن ذلك فوزه بجائزة «ألبير كامي»، عن «أسنان الطوبوغرافي»، وجائزة «غونكور» للقصة، عن «قضية سروال داسوكين الغريبة»، وجائزة «جان جيونو»، عن «مِحَنُ السجلماسي الأخير». يتحدث العروي، في هذا الحوار، عن علاقته بلغة الكتابة، كما يتحدث عن تحوله من عالم الرياضيات والعمل مهندسا في مناجم الفوسفات بالمغرب، إلى عوالم الكتابة والأدب وأضواء الجوائز والشهرة العالمية. كما يقارن بين الحقل الثقافي الهولندي، حيث يقيم ويكتب، والحقل الثقافي في المغرب، ليقول بأنه ليس سهلاً أن تكون كاتبًا في المغرب، في ظل الأعطاب التي يعيشها حقله الثقافي، مشددًا على أنه إذا ما كتب لكاتب أن يتألق داخل المغرب، في ظل الأوضاع التي يعيشها حقله الثقافي، فإن أقل ما يوصف به هذا الكاتب أنه بطل، يقوم بعمل بطولي. كما تحدث عن الأدب المغربي في المهجر، فقال: «إنه يمنحنا، اليوم، في ظل تعدد لغات الكتابة وتنوع المهاجر، طرقًا كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه»، معتبرًا هذا المعطى دليل غنى ومصدر فرح ومدعاة للابتهاج. وفيما يلي نص الحوار:
> هل تجد ذاتك في اللغة الفرنسية، حتى تكتب بها أو، بالأحرى، حتى تبدو مرتاحًا وأنت تكتب بها؟
- هناك كثير من الكتاب المغاربيين، يقولون إنهم اختاروا الكتابة باللغة الفرنسية لهذا السبب أو ذاك. أنا لم أختر الفرنسية لغة للكتابة، من جهة أنه لم يكن بوسعي إلا الكتابة باللغة الفرنسية بحكم تكويني الفرنسي ودراستي في المدرسة الفرنسية. صحيح، أن لدينا مشكلا لغويا في المغرب، وقد كتبت، في ذلك، كتابًا تحت عنوان «الدراما اللغوية المغربية». فيما يخصني، كلما جلست لكتابة قصة أو رواية تأتيني اللغة الفرنسية بشكل طبيعي وتلقائي. وأنا أرى أن الكاتب يجب أن يكون له أسلوبه الخاص والتلقائي الذي لا يتم التفكير فيه أو التخطيط له. قد أكتب موضوعًا علميًا باللغة الإنجليزية أو الهولندية، ولكن أن أحكي رواية أو قصة تبقى اللغة التلقائية للكتابة، التي أرتاح فيها، هي الفرنسية. لا شك أن هذا المعطى يعبر عن وضعية غريبة بصدد المغرب الذي حصل على استقلاله منذ 1956. كما أن دستوره الجديد يتحدث عن العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين، فيما الفرنسية ليست كذلك. ورغم ذلك، هناك كتاب كثيرون يكتبون مثلي باللغة الفرنسية، وأنا لست مسؤولا عن مثل هذا الوضع.
> بالنسبة للمثقف، قد لا يطرح إشكال المعضلة اللغوية، حيث يقاس الأمر من وجهة نظر إبداعية خالصة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بلغة الكتابة وليس بـ«استراتيجية» الكتابة وتوجهاتها، في ارتباط بسؤال الهوية، مثلا؟
- بالنسبة للإبداع، كل يبحث عن أسلوبه وطريقة رؤيته للعالم، وكيف يحكي عن العالم. راحة المبدع تتجسد في اختيار الكتابة في هذه اللغة وفي ذلك الجنس الأدبي. أنا درست في المدرسة الفرنسية، ولذلك أجدني مرتاحًا في اللغة الفرنسية، من دون أن أكون مخيرًا في ذلك. وعلى العموم، هناك لغة واحدة قد يجد فيها المبدع أسلوبه الشخصي وراحته؛ وبالتالي من الممكن أن يجدها، مثلا، إما في العربية أو في الفرنسية.
> يبدو مسارك «غريبًا» بعض الشيء، أنت الذي تكونت في حقل العلوم الحقة، وتخرجت من مدارس المهندسين، لتعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة «خريبكة» المغربية، قبل أن تغير الوجهة إلى حقل الأدب، لتصير أحد أشهر الكتاب المغاربة في العالم.. كيف تستعيد هذا المسار وتقيم هذه الاختيارات؟
- منذ طفولتي، عشقت القراءة والكتابة. حين درست في ثانوية «ليوطي» بالدار البيضاء، تم توجيهي إلى الرياضيات، حيث كنت متفوقًا، ولذلك وجدت نفسي أتابع مسارًا دراسيًا في هذا التخصص العلمي، قبل أن أشتغل مهندسًا في المكتب الشريف للفوسفات. في لحظة ما، غامرت، كما كل المغاربة المعروفين بحس المغامرة والمخاطرة. تساءلت، وقتها: لم لا؟. كنت كتبت رواية وأرسلتها إلى دار نشر فرنسية فتم قبولها، فنشرت. أرى أنه لم تكن هناك قطيعة أو تحول بين وضعية وأخرى، فقد كنت أحمل دوما، في داخلي، بذور الكاتب وبذرة الكتابة، أما العمل بعد التخرج فكان لكسب العيش.
> هل من السهل على الكاتب أن يكون كاتبًا في المغرب، أم أن الأمر يبقى أسهل حين يكون الكاتب مقيمًا في الخارج؟
- سؤال مهم. لدي إحساس قد أكون مخطئا فيه. على العموم، أرى أنه من الصعب جدا، مع الأسف، أن يكون المرء كاتبا في المغرب. لماذا؟ لأن الكاتب يحتاج إلى شبكة تتضمن ناشرين ومجلات ونقاد أدب حقيقيين يقفون على مؤهلات الموهوبين من الكتاب الشباب ويشجعونهم، فضلا عن جمهور ومؤسسات داعمة. أكون، الآن، قد عددت نحو ستة مساهمين ومتدخلين في حقل ثقافي معين. حين نمعن النظر في الشبكة أو الحقل الثقافي وطريقة اشتغاله في المغرب، سنجد أنه ليس لدينا الكثير، مع الأسف. هناك ناشرون يقومون بعملهم، كما أن هناك آخرين لا يقومون بالعمل الحقيقي المناط بالناشر، من حيث تشجيع الكتاب ودعمهم. فيما يخص النقاد، هناك، فعلا، نقاد، لكن أين المجلات التي يمكن أن تنشر آراءهم وكتاباتهم؟ من حسن الحظ أن هناك جرائد وملاحق ثقافية. إن شئنا القول، فالحقل الثقافي المغربي لا يعمل جيدا، وليس قويا أو فعالا. هناك شباب طموح له موهبة وإرادة، لكن أين الحقل الثقافي الداعم الذي ينتبه للمبدع الشاب، ويتعهده كالرضيع إلى أن يصير منتجًا وله حضور. لكي تكون كاتبا في المغرب عليك أن تقوم بعمل بطولي، وأن تكون بطلا، يتعارك مع الجميع، بحيث قد تنشر على نفقتك، وتصير موزعًا لكتبك، لذلك أسأل: أين النشر؟ أين التوزيع؟ أين القارئ؟ وأين التواصل بين المبدعين وإمكانية التعرف على ما يجري وينتج في هذه المنطقة أو تلك من المغرب؟ الحقل الثقافي في المغرب فيه أعطاب. وأنا أرى أن هناك مواهب كثيرة في البلد. كما أن المقارنة بين حالة المشهد الثقافي في المغرب والمشهد الثقافي في بلد كهولندا، مثلا، بإمكانها أن تبين الفرق. هناك أدباء مغاربة متألقون في هولندا، كثير منهم ينحدر من منطقة الريف بشمال المغرب. ماذا لو كانوا يعيشون بمنطقة الريف، أو غيرها من مناطق المغرب، ولم يهاجروا أو يولدوا في بلدان المهجر من آباء مهاجرين؟ كيف كان سيكون حالهم، اليوم، لو أن مواهبهم برزت في المغرب وليس في هولندا، مثلا، حيث وجدوا حقلاً ثقافيًا حيويًا، أوصلهم إلى ما هم عليه من تميز وحضور، حتى صرنا نسمع عن حفيظ بوعزة ونعيمة البزاز، مثلا؟ في هولندا، هناك حقل ثقافي قوي، ولذلك، وجدوا، مع نشر أول عمل، الاحتضان والدعم من الناشرين والموزعين والنقاد والقراء، على حد سواء.
> روايتك الأولى التي وضعتك على سكة الشهرة.. لماذا لم ترسلها، وقتها، إلى ناشر مغربي؟ ماذا لو كنت أرسلتها إلى ناشر مغربي؟
- مستحيل. لا يمكن. هذا هو المشكل. هذا هو الفرق بين حقل ثقافي داعم للإبداع والمبدعين وآخر معطوب. لا يجوز أن ننكر أن هناك سياسة ثقافية قيد التشكل في المغرب، وأنا أقدر الجهود المبذولة، لكن الأمر يتطلب وسائل وموارد كافية. علينا أن نضع هدف أن يكون لدينا حقل ثقافي قوي. فيما يخص الكتاب المغاربة المقيمين خارج البلد، هناك عدد منهم حصل على جوائز مهمة، وكانوا محظوظين لأنهم أبدعوا في ظل حقل ثقافي داعم. لكن إذا قُدر لأديب ومبدع أن يتألق، هنا، في المغرب، وأن ينجح ويؤكد حضوره، فهو بطل.
> أي إضافة أسداها الأدب المكتوب في المهجر للأدب المغربي، بشكل عام؟
- أولاً لدي ملاحظة أرى من اللازم الانطلاق منها، تتعلق بأن الكتاب المغاربة ممن لهم غيرة على البلد، كيفما كانت اللغة التي يكتبون بها فهم مغاربة، كما أنهم سواء كانوا من الجيل الأول مع إدريس الشرايبي وأحمد الصفريوي، مثلا، ثم مع الجيل الثاني مع محمد خير الدين والطاهر بن جلون، مثلا، أعطوا حضورا للأدب المغربي في الخارج، فصار ينظر إليه بإيجابية ويتم التعامل معه بجدية، ليتم الاعتراف به من طرف المؤسسات الثقافية في الخارج. وبعد أن كان لدينا من يكتب بالفرنسية، على غرار الأسماء السالفة الذكر، أو بالعربية، على غرار محمد برادة أو عبد الكريم غلاب ومحمد زفزاف ومحمد بنيس، مثلا، صار لدينا، اليوم، مبدعون كبار يكتبون بالهولندية على غرار عبد القادر بنعلي وحفيظ بوعزة، أو ليلى العلمي التي تبدع بالإنجليزية، كما أن هناك من يبدع بلغات أخرى كالإيطالية والإسبانية، وحتى بالعربية، كما هو حال طه عدنان المقيم ببلجيكا. نحن، اليوم، أمام طرق كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه. لدينا اليوم أدباء يكتبون بكل لغات العالم، وأرى أن علينا أن نعتبر الأمر غنى وأن نفرح ونبتهج بهذا المعطى.
> لمن يكتب المبدع؟ بالنسبة لمبدع مغربي محسوب على «أدب المهجر»، هل يكتب لقارئ عربي، أم لقارئ غربي يحتاج إلى من يدغدغ خياله بعوالم «ألف ليلة وليلة»، أم لقارئ كوني؟
- سؤال مهم. وهذا إشكال حقيقي وأساسي، بالنسبة لأي كاتب. هناك مشكل يتعلق بطلب القارئ الغربي. هناك، فعلا، قارئ غربي جيد، كما أن هناك قارئا غربيا يرغب في دغدغته بعوالم «ألف ليلة وليلة»، وبالتالي أن تحدثه عن الحمام والحريم، وغيرها من المفردات التي تختصر الشرق في عالم أسطوري وعجائبي. أرى أن المبدع، إذا أراد أن ينشر، بشكل سهل، قد يجد نفسه في هذا الوضع الذي يبدع تحت سقف مثل هذه العوالم العجائبية. لكن يبقى من الجيد أن يكتب المبدع من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أسئلة القارئ وانتظاراته. ماذا عليه أن يكتب؟ أرى أن عليه أن يكتب من أجل خطاب كوني. مثلا، أنا حين أكتب عن بلدي، أكتب من دون أن أفكر أو أن أضع في اعتباري قارئًا معينًا. إذا طرحنا السؤال، في المنطلق، عن الحاجة الوحيدة التي ينبغي الأخذ بها، عندها سنتساءل عن «ماذا أريد أن أقول للقارئ؟». فيما يخصني، لدي خطاب ورسالة أرى أن أوصلها مع السعي نحو لذة القراءة التي تحبب القراءة في كتاب ما. علينا أن نعرف كيف نجلب القارئ ونغريه ليقبل على القراءة، لذلك، اخترت، مثلا، أن أتوسل السخرية والفكاهة في كتاباتي، من جهة أننا يمكن أن نمرر من خلالها أمورًا كثيرة ورسائل كثيرة، مع التشديد، هنا، على أن الإبداع كلما نبع وخرج من القلب كلما كانت فيه رسالة وخطاب، ومعنى.



الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.