بريطانيا تغرق اقتصادها في «عقد المجهول»

تنتظرها أعوام شاقة من المفاوضات.. وتواجه حالة ضبابية تقوض من آفاق النمو وجاذبية الاستثمار

موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)
موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تغرق اقتصادها في «عقد المجهول»

موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)
موظفون على جسر لندن في طريقهم إلى مكاتبهم في الحي المالي (أ.ف.ب)

دخلت بريطانيا أمس «منطقة مجهولة» بعد الاستفتاء التاريخي بقرار يحطم استقرار مشروع القارة الموحدة الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية على أمل وضع الصراعات المستقبلية في خانة «المستحيل»، مما يثير احتمالات بمرور أعوام من المفاوضات حول التجارة والأعمال والعلاقات السياسية، ليصبح التصويت تدشينا لعصر جديد وكتلة جديدة من 27 دولة أو ربما أقل - مجرد بداية وليست نهاية - في عملية قد تستغرق عقودا «لتستقر».
ووضع تصويت البريطانيين، أول من أمس، لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي خامس أكبر اقتصاد في العالم في مواجهة حالة من الضبابية الشديدة التي تقوض من آفاق النمو وجاذبية الاستثمار، وأصبح من المؤكد الانعكاسات التي قد تضر باقتصادات أخرى في أوروبا وغيرها في أنحاء العالم.
ومن المتوقع أن يكون لهذا التصويت أثر سلبي على النمو في بريطانيا في المدى القصير، الأمر الذي من شأنه أن يدفع البلاد نحو الركود، مع خفض المركزي لأسعار الفائدة إلى الصفر واختبار قياسي لمدى استعداد الدائنين للاستمرار في تمويل عجز الموازنة البريطانية، فيما ستعتمد تداعيات التصويت على نوع العلاقات التجارية التي قد تدخل فيها بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي الذي يساهم بنحو نصف صادرات البلاد.
وأشارت مجموعة من التوقعات التي نشرتها الحكومة البريطانية والبنك المركزي وعدة مؤسسات بحثية ومنظمات دولية ومئات من الأكاديميين قبل الاستفتاء، إلى أن نمو اقتصاد بريطانيا سيشهد تباطؤا أكبر، إذا خرجت من الاتحاد الأوروبي مقارنة بما ستشهده بقية دول الاتحاد.

النمو الاقتصادي
وفي ردة فعل سريعة خفضت وكالة «موديز» توقعات التصنيف الائتماني في بريطانيا من مستقر إلى سلبي، وقالت الوكالة في بيانها، أمس، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واستقالة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون سينذران بفترة طويلة من عدم اليقين للمملكة المتحدة تصاحبها تداعيات سلبية على توقعات النمو للبلاد على المدى المتوسط.
وأكدت «موديز» أن التداعيات الاقتصادية والمالية لنتائج الاستفتاء غير مؤكدة بشكل كبير، حيث إنها تعتمد بشكل حاسم على نتيجة المفاوضات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى شركاء تجاريين آخرين.
وأوردت «موديز» أن طول فترة المفاوضات التجارية خصوصا مع المؤشرات التي تنبئ بقيود كبيرة على وصول بريطانيا للسوق الموحدة، إضافة إلى التقدم الضئيل في تقليص عجز الموازنة، وتعرض العملة لضغوط أكبر وسط تدفقات كبيرة ومستمرة لرؤوس الأموال يمكن أن تؤدي إلى تراجع التصنيف الائتماني.
وحذر وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن، من تفاقم الركود في الوقت الذي قال فيه بنك إنجلترا المركزي إن «تباطؤا ملموسا» قد ينتج عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقال محافظ المركزي مارك كارني إن الاقتصاد البريطاني قد يدخل في انكماش يستمر على مدار الربعين المقبلين من العام الحالي.
في حين، قالت وكالات التصنيف الائتماني العالمية إن تباطؤ معدلات النمو عقب التصويت له أثر سلبي على التصنيف الائتماني للبلاد، مما قد يؤثر على المناخ السياسي والاقتصادي معا.
وحذرت وكالة «ستاندر آند بورز» من خسارة بريطانيا لتصنيفها الائتماني الأعلى (إيه إيه إيه)، الذي لم تتخل عنه بريطانيا منذ نصف قرن.
ولا يوجد حاليا أي أنباء عن مستقبل وزير الخزانة، جورج أوزبورن، بينما توجد احتمالات لإجراء استفتاء آخر على استقلال اسكوتلندا التي صوتت بقوة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

تباين الرؤى الاقتصادية
وعلى الجانب الآخر، يرى خبراء اقتصاديون مؤيدون الخروج البريطاني، أن نتيجة الاستفتاء ستعزز من النمو في السنوات المقبلة، وإن كانوا أجمعوا على أن ترى المعدلات تباطؤا طفيفا في البداية، مؤكدين أن هبوط الإسترليني سيدعم الصادرات، رغم أن معدلات الطلب العالمية ما زالت عند أدنى مستوياتها في بلدان العالم.
وعلى صعيد ذي صلة، قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيضر باقي الدول الأعضاء في الاتحاد وخارجه على حد السواء.
وذكرت المنظمة أن بخروج بريطانيا سيقل معدل الإنتاج في الاتحاد بنحو واحد في المائة بحلول عام 2020 باستثناء بريطانيا، التي ستحقق معدلات أقل عما كان سيتحقق إذا بقيت، وأكدت أن توقعات المنظمة لا تشمل تقويض الثقة في الاتحاد بسبب الخروج البريطاني، مؤكدة ضرورة استعداد باقي دول الاتحاد لصدمة الخروج.
وقالت جانيت يلين رئيسة الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي)، إن نتيجة الاستفتاء قد تكون لها تداعيات على الاقتصاد العالمي وأسواق المال، وهو الأمر الذي يعني تأجيل الزيادة التالية في أسعار الفائدة.
وعلى الصعيد الأوروبي أكد ماريو دراغي، رئيس المركزي الأوروبي، في تصريحات سابقة، أن البنك على استعداد تام لتقبل جميع النتائج وتأثيراتها على الأسواق.
وأكد وزراء مالية مجموعة دول السبع الكبرى أن التقلبات المفرطة والتحركات غير المنتظمة في أسعار الصرف، يمكن أن يكون لها آثار سلبية على الاستقرار الاقتصادي والمالي، وقالت مجموعة السبع، في بيان لها أول من أمس، إنها أخذت خطوات جادة لضمان السيولة الكافية لدعم أداء الأسواق، مع الاستمرار في التشاور عن كثب بشأن تطورات وتحركات الأسواق والاستقرار المالي للحافظ على تضامن المجموعة.
في حين أشارت توقعات خبراء اقتصاديين في مؤسسة بيرتلسمان الألمانية، أمس، إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيتسبب في خسائر اقتصادية خطيرة لأوروبا كلها، نصيب الأسد فيها لبريطانيا.
وقال إندرياس إيسر مدير القطاع الاقتصادي في المؤسسة، إن الانفصال قد يكلف بريطانيا ما يقرب من 300 مليار يورو بحلول عام 2030.

السياسة المالية
وجاء رد فعل محافظ البنك البريطاني مارك كارني سريعا بعد الاستفتاء، إذ أبدى استعداد المركزي لضخ أموال إضافية لدعم الأسواق في محاولة لطمأنة الأسواق، وأضاف البنك أنه سيدرس اتخاذ خطوات إضافية فيما يتعلق بسياسته خلال الأسابيع المقبلة، وقبل التصويت قال كارني إنه من السهل التكهن بأن البنك سيخفض أسعار الفائدة من مستواها المتدني بالفعل البالغ 0.5 في المائة من أجل دعم الاقتصاد، في حين يتعين على البنك أن يقيم تباطؤ معدلات النمو في ضوء ارتفاع معدل التضخم الناتج عن انخفاض قيمة الإسترليني.
ويؤكد كريستان بيشوب المحلل الاقتصادي بمؤسسة أل جي لإدارة الأصول، أنه لن يتم اتخاذ أي قرار لتغير أسعار الفائدة لعدة أسابيع مقبلة، وربما ليس قبل أغسطس (آب) المقبل، حين ينشر البنك المركزي أحدث تقديراته التفصيلية حول الوضع الاقتصادي.

عجز تاريخي
سجلت بريطانيا أكبر عجز في ميزان المعاملات الجارية على الإطلاق العام الماضي بنحو 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وعكس هذا العجز زيادة تدفقات الأرباح والعوائد المتغيرة ومدفوعات الدين إلى المستثمرين الأجانب مقابل التدفقات الاستثمارية التي اتسعت الفجوة في عجز الميزان التجاري بين بريطانيا مع دول الاتحاد الأوروبي في الأشهر الثلاثة الأولى من 2016 ليبلغ 23.9 مليار إسترليني (32.7 مليار دولار)، وقال كارني في وقت سابق إن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي قد يختبر «كرم الأجانب» الذين يمولون العجز في ميزان المدفوعات.
وقال أوزبورن، خلال الحملة قبل الاستفتاء، إن وزارته قد تضطر لزيادة الضرائب وتخفيض الأنفاق، إذا صوتت بريطانيا لصالح الخروج، لكي يحول دون مزيد من الإضرار لمعدلات النمو التي تشهد تباطؤا فعليا، إضافة إلى سعيه لتخفيض عجز الموازنة، ولم يتضح بعد بقاء أوزبورن في منصبه والالتزام بخطة الخفض بعد إعلان استقالة رئيس الوزراء.
وسجلت عائدات السندات البريطانية انخفاضا قياسيا حيث لامس العائد على السندات لآجل 10 سنوات 1.018 في المائة، فيما يري بيشوب في تعليقه لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يهبط أكثر من ذلك ليصل إلى ما دون الواحد في المائة.

البطالة
في الوقت ذاته، ستشهد معدلات البطالة ارتفاعا من أدنى مستوياتها في عشر سنوات حاليا عند 5 في المائة، رغم نجاح بريطانيا في تجنب خسارة الوظائف بعد الأزمة المالية العالمية مقارنة بأقرانها من الدول الأوروبية، وتوقع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الاقتصادية أن تنخفض أجور المستهلكين الحقيقية من 2.2 في المائة إلى 7 في المائة بحلول عام 2030 في حال الخروج، مقارنة بمستوياتها في حال البقاء.
ورغم أن الأجور أول المتضررين من تحمل وطأة الأزمات الكبرى، فإن مؤيدي الخروج يعتقدون أن سوق العمل ستصبح أكثر ديناميكية عبر إلغاء قوانين الاتحاد الأوروبي والتخلص من بعض الرسوم العالية المفروضة على الغذاء، من خلال تعزيز الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة، لكن في حقيقة الأمر إن رسوم الواردات قد تعرض بعض القطاعات الاقتصادية لمنافسة شرسة.
وفي الوقت ذاته، خاض أنصار الخروج حملة ضد ارتفاع معدلات الهجرة من دول أوروبا الشرقية، برغم مساهمة المهاجرين في تعزيز معدلات النمو في السنوات الأخيرة.
ويدرس صندوق النقد الدولي سيناريو سلبيا للاقتصاد البريطاني مع توقعات بالانكماش العام المقبل، مما سيؤدي إلى ارتفاع البطالة من 5 في المائة إلى 6.5 في المائة في غضون عامين.

التجارة
واعتبر قادة مجموعة الدول السبع الكبرى أن الخروج يعد «صدمة» لمكانة بريطانيا بصفتها شريكا تجاريا قويا، وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن بريطانيا ستأتي في «مؤخرة الصف»، فيما يتعلق بإجراء مباحثات مع الولايات المتحدة.
وقال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إن الخروج البريطاني يضع دخولها السوق الموحدة «على المحك»، ويطالب مؤيدي الخروج بخفض رسوم الواردات إذا لم يكن هناك اتفاق وشيك مع الاتحاد الأوروبي، معتبرين تحذيرات قادة مجموعة السبع بترويج شائعات مقلقة.

ماذا بعد «البريكست»
وحذرت الحكومة البريطانية من أن المفاوضات التي ستخوضها بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، ستتضمن شروط الخروج وإبرام اتفاقيات جديدة مع دول الاتحاد ومعاهدات تجارية مع دول خارج الاتحاد المرتبطة مع الاتحاد بشكل مسبق، قد تستغرق ما لا يقل عن عقد من الزمن، الأمر الذي يجعل لندن تتوقع «فترة طويلة من الغموض» تتزامن مع عواقب غير محسوبة المدى على الشركات العاملة بالسوق البريطانية وحركة التجارة ومدى جاذبيتها للاستثمار.
وتوقعت منظمة التجارة العالمية أن يترتب على الخروج أن يدفع المصدران البريطانيان ما يقرب من 5.6 مليار إسترليني (7.6 مليار دولار) سنويا حقوقا جمركية مستحقة. وحذر مدير مركز الأبحاث في الاقتصاد والأعمال سكوت كورف، من أن كثيرا من الشركات تستخدم بريطانيا بوابة دخول إلى أوروبا وحذر عدد منها بنقل مركزها الأوروبي في حال خروج بريطانيا من الاتحاد، متوقعا تراجع الاستثمارات الصينية والأميركية في بريطانيا. وتعزز سيناريوهات الوضع الاقتصادي بعد الاستفتاء من جفاف العائدات الضريبية، في حين يتوقع معهد الدراسات المالية أن يفقد الاقتصاد البريطاني أرباحا هائلة بين 20 إلى 40 مليار إسترليني سنويا حتى عام 2020. آخذا في الاعتبار وقف المساهمة البريطانية في ميزانية بروكسل العاصمة الإدارية للاتحاد الأوروبي التي تقدر بنحو 33.3 مليار إسترليني (45.55 مليار دولار).



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».