كيري يلتقي 8 دبلوماسيين معارضين يطالبون بمزيد من العمل من أجل سوريا

الاستراتيجية التي أحبطت الجميع بألا شيء ينجح في حل الأزمة السورية

مقاتلان في الجبهة الشامية يقفان بين أنقاض القصر العدلي في القسم القديم من مدينة حلب (رويترز)
مقاتلان في الجبهة الشامية يقفان بين أنقاض القصر العدلي في القسم القديم من مدينة حلب (رويترز)
TT

كيري يلتقي 8 دبلوماسيين معارضين يطالبون بمزيد من العمل من أجل سوريا

مقاتلان في الجبهة الشامية يقفان بين أنقاض القصر العدلي في القسم القديم من مدينة حلب (رويترز)
مقاتلان في الجبهة الشامية يقفان بين أنقاض القصر العدلي في القسم القديم من مدينة حلب (رويترز)

دخل الموظفون الثمانية من الإدارة الوسطى بوزارة الخارجية إلى المكتب الرسمي للوزير كيري في ديوان الوزارة يوم الثلاثاء - وهي الغرفة التي لم يدخلها سوى عدد قليل للغاية منهم من قبل - ليخبروه بأنه كان ينتهج مسارا حيال سوريا، لن يضع حدا أبدا للحرب الأهلية البشعة الدائرة هناك.
وذلك النقاش ليس جديدا على مسامع كيري، فهو، في حقيقة الأمر، قد أعرب عن أجزاء منه بنفسه في غرفة العمليات والمكتب البيضاوي في البيت الأبيض. ولكن ولمدة نصف الساعة، ووفقا لكثير من المشاركين في النقاش، دخل وزير الخارجية والموظفون الثمانية في محادثة ودية مفاجئة، حول ما إذا كان هناك سبيل، خلال الشهور الستة المتبقية من ولاية الرئيس أوباما، لاستخدام القوة العسكرية الأميركية للمساعدة في إنهاء الصراع، والذي حصد، وفقا لبعض التقديرات، أرواح ما يقرب من نصف مليون إنسان.
كان الموظفون الثمانية من بين 51 موظفا في وزارة الخارجية الأميركية الذين وقعوا على برقية «قناة المعارضة» المرسلة إلى كيري الأسبوع الماضي، وهو الخطاب الذي تسرب بسرعة شديدة بحيث يبدو أنه مقصود لأنه يكون بمثابة رسالة مفتوحة إلى الرئيس أوباما، بأن جيش الدبلوماسيين خاصته، لا يمكنهم جميعهم دعم سياسته شديدة الحذر حيال الأزمة السورية.
وقال كثير من المشاركين في النقاش، إن كيري كان حريصا على عدم الموافقة الصريحة على انتقاداتهم الموجهة، أو السماح لهم بإدراك، أنه قال إن رئيس النظام السوري بشار الأسد سوف يواصل قصف وتجويع وحصار شعبه، ما لم تستند المفاوضات مع نظامه إلى بعض أشكال الضغط العسكري الأميركي. ولكن كيري حاور وناور بلطف وكياسة، حتى بدا أنه يقول: «إن كثيرا من مخاوف الموظفين المعارضين كانت قيد النظر والاعتبار لكثير من المرات من قبل، ورُفضت بسبب أنها تحمل قدرا كبيرا من التعقيدات، أكثر مما يبدو عليه الأمر».
وقبل ساعات من الاجتماع، أول من أمس، بدا نائب الرئيس جوزيف بايدن منزعجا للغاية عند ذكر برقية المعارضة، مشيرا إلى مذكرة مماثلة على برنامج «سي بي إس هذا الصباح»، أن جميع الأفكار التي طرحها الدبلوماسيون الشبان كانت قيد النظر والاعتبار منذ فترة طويلة. وقال بايدن: «ليست هناك توصية واحدة رأيتها كانت لها إجابة واحدة وشافية، فكيف نفعل ما يريدون منا القيام به؟».
ومع وجود اثنين من مساعديه فقط في الغرفة (وفي وجود كلبه بن والذي كان حاضرا في كثير من الاجتماعات الدبلوماسية الحساسة أكثر من حضور مساعدي وزير الخارجية)، أثار كيري سلسلة من التساؤلات حول ما يمكن أن يحدث إذا ما نجح الدبلوماسيون المعارضون في مساعيهم. ما الأساس القانوني لقصف قوات الأسد، في ظل غياب قرارات الأمم المتحدة أو حتى حلف شمال الأطلسي؟ ما الذي سوف يحدث إذا ما دخلت القوات الأميركية في مواجهة غير مقصودة مع القوات الجوية الروسية، التي تدافع حاليا عن نظام الأسد؟ ماذا لو أن الطيارين الأميركيين أسقطت طائراتهم؟ وكيف يمكن لتلك الجهود أن تؤثر على معركة الولايات المتحدة مع تنظيم داعش؟
كانت الجلسة استثنائية بكل معنى الكلمة. هناك 4 فقط من أصل 5 برقيات للمعارضة تتم كتابتها في كل عام، يبقى أغلبها طي السرية والكتمان. ولكن الطبيعة العلنية لهذه البرقية وضعت كيري في موقف حرج. فهو لا يريد أن يظهر بمظهر المخالف لاستراتيجية الرئيس، وقد ظل محتفظا لنفسه يوم الثلاثاء الماضي، بما سوف يقوله للرئيس أوباما على انفراد (يصر مساعدو كيري على أن هناك استراتيجية مشتركة، وهي التي تبدأ بمحاولة الضغط على روسيا من أجل فرض تنفيذ وقف إطلاق النار المنتهك كثيرا).
ربما إن أبرز الأشياء الملاحظة حول ذلك الاجتماع كانت السنوات الخمس من الحرب الأهلية السورية - بعد إعلان الرئيس أوباما عن ضرورة رحيل الأسد، والخطوط الحمراء غير المنفذة، وسلسلة اتفاقيات وقف إطلاق النار الفاشلة - حتى بعض الشخصيات التي تدير الدبلوماسية السورية يوما بيوم، لم يسمع قط عن مبررات الإدارة الأميركية شديدة الحذر تجاه قضيتهم.
ولا تزال وزارة الدفاع الأميركية تنتهج المنهج الحذر حول الدخول في حرب جديدة بمنطقة الشرق الأوسط عندما لا تستطيع السيطرة على نتائجها. وربما يمنحها مرور الوقت بعض الخيارات.
في بدايات الصراع، قال بعض من الدبلوماسيين التابعين لكيري في الأشهر الأخيرة، إنه كان من الممكن «قصف» مدارج الطائرات التي تستخدمها القوات الجوية للنظام السوري، مما يجعل من المستحيل على الطائرات الحربية السورية الإقلاع وإسقاط البراميل المتفجرة. وقد استخدمت الولايات المتحدة نفس التكتيك منذ الحرب العالمية الثانية، ومن غير الواضح السبب الذي منعها من استخدامه في سوريا.
ودعت هيلاري كلينتون، عندما كانت تشغل منصب كيري من قبل، إلى تسليح المعارضة السورية، وهو الموقف الذي انضم إليها فيه وقتها، مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك ديفيد بترايوس. ولكن أوباما كان معنيا - وعن حق، وكان كثير من الآخرين في الغرفة في ذلك الوقت - بأنه ليس هناك ضمان بأن قوات المعارضة لن تستخدم هذه الأسلحة في أغراض أخرى.
كما أشار كيري ضمنيا لزواره، أول من أمس، إلى أن دخول روسيا في الصراع سبب تعقيدات كبيرة أمام أي تدخل عسكري أميركي محتمل. حيث إن فرص المواجهات العرضية بين الجيشين، والتي قد تتحول إلى مواجهات قاتلة، هي فرص كبيرة ومعتبرة. وتحدث كيري مرة أخرى في ذلك اليوم، إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف، محاولا العثور على سبيل من أجل فرض وقف إطلاق النار والذي أعلنه الوزيران في فبراير (شباط) الماضي. وتريد روسيا وجود درجة من التنسيق مع القوات الأميركية، بما في ذلك الاستخدام المشترك للمعلومات الاستخبارية، وهو الأمر الذي ترفضه وزارة الدفاع الأميركية.
ويعلم كيري أنه في سباق مفتوح مع الزمن. فلا يقتصر الأمر على قتل مزيد من السوريين في كل يوم، ولكن نفوذه في المفاوضات يتلاشى بمرور الوقت. وقد يراهن الأسد على إمكانية بقائه في منصبه حتى رحيل الرئيس أوباما عن البيت الأبيض.
ويصر كيري علانية، على أن الأمر ليس على هذا النحو. وردا على سؤال وجه إليه في فيينا الشهر الماضي، إذا كان الأسد يشكك في وجود «الخطة البديلة» للعمل العسكري، قال كيري: «إذا علمت أنه خلص إلى اعتقاد بعدم وجود الخطة البديلة، فهو قد خلص إلى اعتقاده هذا من دون الاستناد إلى أي أسس على الإطلاق، وربما كان اعتقاده هذا خطيرا، خطيرا للغاية».
ربما يكون الأمر كذلك، ولكن الأسد، حتى الآن على الأرجح، قد قرأ برقية قناة المعارضة، واستمع لحجج بايدن التي أفاد فيها بأن هيئة الأركان المشتركة الأميركية، لا تعتقد بوجود خيارات عسكرية قابلة للتنفيذ من أجل إجباره على التفاوض في عملية السلام.
وفي الوقت الذي غادر فيه الموظفون الثمانية المعارضون مكتب كيري، لا يبدو أن شيئا قد حدث. فلقد وافقوا جميعا على سرية تفاصيل هذه المحادثة مع الوزير. ولكنهم وافقوا أيضا على أنها ليست الكلمة الأخيرة التي سوف يقولونها بشأن الاستراتيجية التي أحبطت الجميع - المعارضين، ووزير الخارجية، والرئيس على حد سواء - بألا شيء ينجح في حل الأزمة السورية.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.