من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

يتعالى عن تجاربنا الحسية المباشرة ويستمد قيمته من ذاته

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا
TT

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

من فلسفة الجمال إلى علم الجمال.. مدخل عام إلى الاستطيقا

يعتبر التفكير في الجمال، من المواضيع الفلسفية التي نجدها حاضرة في مختلف المتون والتأملات الفلسفية. لكن هذا الحضور ظل من داخل الفلسفة وضمن إحدى مباحثها الكبرى، وهو مبحث الأكسيولوجيا (القيم). وفلسفة الجمال هنا هي كل الأفكار والتصورات النظرية العامة التي نجدها لدى الفلاسفة حول موضوعة الجمال. ونصادفها لديهم كلما تعلق الأمر بحديثهم عن الجمال. ففي أفكار كونفوشيوس، في الصين القديمة، وتصوراته التي وصلتنا، تأملات حول الجمال. وهو لا يعرفه بكونه كل ما يقوم على التناسق والانسجام، بين الفكرة والعمل، أي بين الصورة والجوهر، وبين الجسد والروح، أو لنقل بين الشكل والمضمون. فكلما تحقق الانسجام بين الداخل والخارج، صار الشيء جميلا. وكأن تصوره للجمال، لا يخرج على تصوره لوحدة الوجود القائمة على إلغاء التناقضات بين الخير والشر، بين الألم والفرح وغير ذلك، التي تعكسها كل الفلسفات الروحية لبلاد الصين القديمة. وهي الأفكار التي ظلت مؤثرة إلى حدود عصر النهضة. كما نجد الاهتمام بالجمال وبالأفكار الجمالية، حاضرا لدى اليونان وعبر تاريخ الفلسفة. وما دام موضوعنا ليس تصورات الفلاسفة للجمال، فسنحاول أن نبين كيف انتقلنا من فلسفة الجمال إلى علم الجمال. لذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا الانتقال، لم يتم إلا في حدود النصف الأخير من القرن الثامن عشر. وهذا ما يوضحه الفيلسوف الألماني بومغارتن في قوله: «عندما عرف هذا الفرع بالاستطيقا (فرع من فروع الفلسفة يعنى بعلم الجمال - المحرر)، وحدد موضوعه في تلك الدراسات التي تدور حول منطق الشعور والخيال الفني. وهو منطق يختلف كل الاختلاف عن منطق العلم والتفكير العقلي. ومنذ ذلك التاريخ تقريبا، صار لعلم الجمال مجاله المستقل عن مجال المعرفة النظرية وعن مجال السلوك الأخلاقي. وسار في تأكيد هذا الاتجاه، الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط، الذي انتهى إلى القول إن الخبرة الجمالية لا ترجع إلى النشاط النظري الذي يقوم به الذهن، الذي يحدد شروط المعرفة في علوم الرياضة والفيزياء، كما لا ترجع إلى النشاط العلمي الذي يحدد السلوك الأخلاقي المعتمد على الإرادة، لكنه يرجع إلى الشعور باللذة الذي يستند على اللعب الحر بين الخيال والذهن». ففلسفة الجمال، لا تتناول الفنون الجميلة من وجهة نظر تاريخية. بمعنى أن فلسفة الجمال لا تؤرخ للآثار الفنية. بل موضوعها الأساسي، هو معاينة العوامل والمؤثرات المساهمة في تشكيل الوعي الجمالي لدى الإنسان. هذا الوعي الذي لا يمكن اعتباره، بنظري، وعيا تلقائيا أو حدسا مباشرا وفطريا، يتشكل لدى الذات انطلاقا من مقولاتها ومبادئها الفطرية، كما تصورت ذلك الفلسفة الحديثة مع بعض روادها. بل يحتاج الوعي الجمالي إلى تربية وتنشئة اجتماعية خاصة. فهو ليس ثمرة لإدراكاتنا الطبيعية والمباشرة التي تتشكل في احتكاكنا التلقائي والعفوي مع العالم. صحيح أن لدينا القدرة على الانبهار ببعض المشاهد الطبيعية، مثل جمالية وردة أو قوس قزح أو حمرة شفق أو غيرها. لكن هذه المشاهد الطبيعية، لا تتحول إلى قيم جمالية إلا حينما يتم تحويلها إلى أعمال فنية، وإلى روائع تخرجها من موجودات الطبيعة الخام، وتضفي عليها الحياة، وذلك بتحويلها إلى قيم جمالية تضفي عليها القيمة. وفي هذا السياق، تورد أميرة حلمي مطر في كتابها «مدخل إلى علم الجمال وفلسفة الفن» كلاما لشارل لاولو يقول فيه: «إن الطبيعة ليس لها قيمة جمالية، إلا عندما تنظر إليها من خلال فن من الفنون، أو عندما تكون قد ترجمت إلى لغة أو إلى أعمال أبدعتها عقلية أو شكّلها فن وتقنية». وبهذا المعنى تصير الاستطيقا أو علم الجمال، ليس مجرد أفكار نظرية عامة حول الجمال. فهذا من اختصاص فلسفة الجمال. أما علم الجمال، حسب ستيفان كروبر، فهو «بحث عن قوانين التذوق الجمالي، وموضوعه هو تلك الأشياء التي نحبها لذاتها. في حين أن باقي الأشياء الأخرى، نحبها لأنها وسائل تحقق لنا أهدافا أخرى. وهو يبحث في أبسط الأشياء التي نحبها: كالصوت، أو اللون، أو الخط، أو الإيقاع، أو الكلمة. ثم في مركبات هذه البسائط الأولية في الأعمال الفنية، من عمارة، ونحت، وتصوير، وموسيقى، وأدب». لذلك، فإدراك هذه القيم، ليس نتيجة عملية معطاة، بل تحتاج إلى بناء وتوجيه.
وفي هذا السياق، أعتقد، من وجهة نظر متواضعة، أن التربية الفنية، إن تم تعميمها وتجذيرها داخل مجتمعاتنا العربية، فستكون تربية على الاختلاف بالضرورة. لأن القيم الجمالية في العمق، قيم إنسانية وكونية، تقوم على الاختلاف من شخص إلى آخر، في إدراكه لها. كل حسب خلفياته النظرية والمعرفية، وحمولاته الآيديولوجية، وسياقاته الثقافية. وهكذا يكون تعميم هذه القيم، تعميما للتسامح وتقبّل الآخر. وهو ما جعل كثيرا من الفلاسفة، ومن بينهم كانط، يخصص إحدى نقدياته للحكم الجمالي وللقيم الجمالية. فهو يخصص كتابه: «نقد ملكة الحكم»، لفحص الأسس التي يقوم عليها الحكم الجمالي، الذي يختلف في تأسيسيته، على الحكم العقلي - المنطقي. «فالحكم على الجميل مختلف عند كانط عن الحكم على موضوعات العالم الخارجي. لأنه حكم منعكس، لا يقع على الأشياء الخارجية، وإنما على الذات نفسها، وعلى ما يجري بها إزاء الأشياء الخارجية. ذلك لأن الجميل، لا يندرج تحت تصور معين من تصورات الذهن، لأنه ليس حكما منطقيا ناتجا عن تعميم، ولكنه حكم خاص. فقولي هذه الزنبقة جميلة، هو حكم مختلف عن قولي كل الزنبق جميل». ولكي يحدد لنا كانط، الفرق بين الحكم الجمالي والحكم المنطقي، نجده حدد الحكم بالجميل والجليل في أربعة شروط استمدها من قائمة المقولات المنطقية. فحدده من حيث الكيف، والكم، والجهة، والعلاقة. فمن حيث الكيف، حدد الجميل بأنه ما يسرنا بغير أن يترتب على سرورنا به منفعة أو فائدة أو لذة حسية. ومن هنا يختلف الجميل عما يسبب اللذة، أو ما يرضي حاجة جسمانية. ومن جهة الكم، يعرف الجميل بأنه ما يسرنا بطريقة كلية، وبغير استخدام أي تصورات عقلية. فوصفي لشيء ما بأنه جميل، لا يستند إلى أدلة عقلية وبراهين منطقية. ومن ثم، فسرورنا وبهجتنا بالجميل لا ترجع إلى دوافع شخصية أو إلى أسباب خاصة. وهو يفترض اشتراك الجميع في الاعتراف بقيمته الجمالية. ومن حيث الجهة، يتصف الجميل بأنه حكم ضروري، أي أن عكسه مستحيل. ويرجع السبب في ذلك، إلى أن له أصولا مشتركة لدى جميع أفراد الإنسانية. فالذات الإنسانية، طبيعتها واحدة، ويمكنها أن تستجيب استجابة واحدة عندما تكون بصدد الجميل. ومن جهة العلاقة، يتصف الجميل بأنه يوحي بالغائية بغير أن يتعلق بغاية محددة. وبهذه الشروط، أمكن لكانط أن يقدم تفسيرا للحكم الجمالي، كان له، فيما بعد، أبعد الأثر في الفلسفة الحديثة والمعاصرة»، حسب أميرة حلمي مطر.
وبناء على ذلك، تطرح بعض الإشكالات النظرية والعملية في العلاقة بين علم الجمال والفن، من قبيل: هل عالم الجماليات سيتدخل في عمل الفنان، ليحدد له القواعد والقيم التي عليه أن يتبعها أو ينتجها في عمله الفني، ما سيلغي الحرية التي تعتبر شرطا هيغيليا، في كل عمل فني يتجلى فيه الجميل والجليل، ويعبر عن ذاته، باعتباره جوهرا يتعالى عن تجاربنا اليومية؟ وتدعيما لذلك، عبر أحد علماء الجمال الفرنسي، إذ قال: «ينبغي ألا يتدخل علم الجمال في فرض القواعد التي ينبغي أن يتلزم بها الفنان لتحقيق الجمال في إنتاجه، أو أن يتشرط للجمال شروطا معينة. بل هو يبحث في أحكام الناس الجمالية، شأنه في ذلك، شأن عالم المنطق الذي لا يفرض على العلماء قواعد التفكير التي ينبغي عليهم أن يسيروا عليها، بل هو يكتفي بتحليل خطوات تفكيرهم».
وإذا أردنا أن نحدد العلاقة بين الفنان المبدع للعمل الفني والناقد المقيم لهذا العمل والفيلسوف المنظر لهذين العملين، فإننا سرعان ما نجد أن المشكلة تمتد بين الفنان والناقد، فالفنان يرى الناقد يقيم عملا وهو لا يعرف كيف يخلقه، ثم تمتد المشكلة بين الناقد والفيلسوف، لأن الحدود بينهما تظل مبهمة. فالناقد، في الوقت الذي يتناول فيه تقييم عمل فني معين يتناول أفكارا متعلقة بالفن. ولكن المشكلة تبدو له حين يجد الفيلسوف يحلل التجربة الجمالية أو العمل الفني لكي يصل إلى معايير أو مبادئ عامة كلية تفسد فردية العمل الفني، لأن مثل هذه الأسئلة عن طبيعة الجمال الفني أو الفن عموما، ليست في الواقع إلا أسئلة فلسفية.
ما يجب أن يبقى في الذهن، هو أن فلسفة الجمال، كما ناقشناها، هي أفكار نظرية عامة حول موضوعة الجمال، بينما علم الجمال - الإستطيقا، هو تخصص قائم الذات من داخل الفلسفة، يعيد طرح أسئلته حول الجميل والقيم الجمالية، من أجل فهم منطق الذوق الجمالي، وكيف تنتج القيم الجمالية في كليتها؟ وفي هذا، إن كانت الفلسفة قد نحت، منذ كانط إلى هيغل، في اتجاه تعريف الجمال بكونه ما يتعالى عن تجاربنا الحسية المباشرة، ويستمد قيمته من ذاته، فتجدر الإشارة إلى أن هذا التصور، سيعرف نقاشا حادا في الفلسفة المعاصرة وسوسيولوجيا الحقل الفني - باعتباره حقل إنتاج هذه القيم الجمالية المتصارع حولها في العمق - حينما تطرق مجموعة من الباحثين سواء في مدرسة فرانكفورت (أدورنو نموذجا)، أو في المدرسة الفرنسية مع بيير بورديو، إلى الجمال والقيم الجمالية، باعتبارها ليست متعالية على الواقع وعلى التجربة المعيشة للناس، بل إن الجمال وإدراك القيم الجمالة هو جزء لا يتجزأ من السياقات الثقافية، التي تقضي بأن هناك ارتباطا بين الظروف والشروط التاريخية لإنتاج عمل فني أو قيم جمالية معينة، وبين شروط استقبال وتلقي هذه الأعمال والقيم. وذلك واضح في دراسته حول زيارة المتاحف الفنية التي تعرض أعمالا فنية تختزن قيما جمالية، يتطلب فهمها تنشئة وتربية وتطبيعا خاصا. لذلك كانت هذه المعارض الفنية حكرا على الطبقات البرجوازية، التي يسمح لها تكوينها ووقتها وتحررها النسبي من إكراهات السوق وثقافتها، أن تخلق لها فضاءات مستقلة، نسبيا، تعرض فيها قيما لا يمكن إدراكها أو فهمها وتأويلها، إلا إذا كان زائرها حاملا لثقافة فنية وتربية جمالية خاصة. فلوحة الجوكندا أو غرنيكا لبيكاسو، أو الحذاء لفان كوخ، قد تكون من منظور علم الجمال أو فلسفة الجمال، تراثا إنسانيا وروائع جمالية وفنية خالدة. لكنها بالنسبة لإسكافي أو إنسان من العامة، قد لا تثير فيه أي اهتمام. من هنا، يبدو الجمال قيمة لا تعلو على الشروط التاريخية والثقافية التي تنتج فيها.

* أستاذ الفلسفة (المغرب)



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.