أهالي الفلوجة يطالبون بالكشف عن مصير أبنائهم المختطفين ويحملون العبادي المسؤولية

الهجرة الدولية: 86 ألف هجروا من منازلهم بسبب «داعش» وميليشيا «الحشد»

عراقيون فروا من الفلوجة ينتظرون دورهم للتفتيش الأمني من قبل القوات العراقية في ضواحي المدينة أمس (رويترز)
عراقيون فروا من الفلوجة ينتظرون دورهم للتفتيش الأمني من قبل القوات العراقية في ضواحي المدينة أمس (رويترز)
TT

أهالي الفلوجة يطالبون بالكشف عن مصير أبنائهم المختطفين ويحملون العبادي المسؤولية

عراقيون فروا من الفلوجة ينتظرون دورهم للتفتيش الأمني من قبل القوات العراقية في ضواحي المدينة أمس (رويترز)
عراقيون فروا من الفلوجة ينتظرون دورهم للتفتيش الأمني من قبل القوات العراقية في ضواحي المدينة أمس (رويترز)

وقفت أم أحمد وهي تصرخ وتستغيث بأي رجل من رجال القوات العراقية باحثة عن زوجها وابنها، متهمة رجالا يلبسون زيا للقوات العراقية باقتياد زوجها وابنها قبل إلى مكان لا تعلم عنه ولا عن مصيرهم أي شيء.
حالة أم أحمد نفسها وقعت للكثير من عوائل الفلوجة؛ الأمر الذي دفع أمس المئات من نازحي مدينة الفلوجة الذين وصلوا إلى مخيمات النزوح في عامرية الفلوجة بسرعة الكشف عن مصير ذويهم وأبنائهم من الرجال والشباب الذين اختطفتهم عناصر تابعة لميليشيا الحشد الشعبي بعد تمكنهم من الفرار من قبضة تنظيم داعش وتسليم أنفسهم للقوات الأمنية العراقية.
وحمل الأهالي الحكومة العراقية والقوات الدولية المسؤولية كاملة في اختفاء مصير أبنائهم، مؤكدين أن الذي يحدث تأجيج للنزاع وفتح باب للاقتتال، وقالت غادة وهي من الفلوجة مكتفية بذكر باسمها الأول: «انظروا إلى النساء وكبار السن من أهالي مدينة الفلوجة والمناطق المحيطة بها كناحية الصقلاوية وقضاء الكرمة ينتظرون عودة ذويهم، نحن خرجنا من بيوتنا ومناطقنا بعد أن سمعنا نداءات من قبل قوات الجيش العراقي بضرورة خروجنا من بيوتنا وتوجهنا على الفور صوب القوات العسكرية، ولكننا فوجئنا بأن من قام باستقبالنا هم عناصر تابعة لميليشيا الحشد الشعبي الذين قاموا بعمليات اعتقال للرجال والشباب منذ اللحظات الأولى لاستقبالنا وفقدنا الاتصال بهم منذ لحظة اعتقالهم واليوم مضى أكثر من 15 يوما على اعتقالهم ولا نعلم عنهم أي شيء».
وحمل الأهالي الذين طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم خشية تعرضهم للاعتقال الحكومة العراقية التأزيم والتفريق بين أبناء الشعب العراقي وفق الأهواء لا العيش المشترك والوطن الواحد، وقالت إحدى نساء: «لقد شاهدنا عمليات تعذيب طالت الرجال والشبان منذ لحظة اعتقالهم، وتم ضربهم أمام أعيننا ووصفهم بالإرهابيين والدواعش، فيما كان الرجال والشبان يعانون في ظل سيطرة التنظيم الإرهابي جرائم القتل والتعذيب على أيدي مسلحي التنظيم الإجرامي الذي كان ينعتهم بالمرتدين، وفوجئنا اليوم بأن الميليشيات فعلت أسوأ مما فعله التنظيم الإرهابي، وذلك من خلال عمليات الخطف والتعذيب والجرائم الوحشية التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء أمام أنظار وصمت الحكومة».
إلى ذلك أعلنت منظمة الهجرة الدولية عن نزوح أكثر من 86 ألف شخص من مدينة الفلوجة وأطرافها تحت وطأة المعارك بين القوات الأمنية العراقية ومسلحي تنظيم داعش.
وقالت المنظمة في بيان لها: «إن الآلاف من العائلات العراقية نزحت من مناطقها عن طريق جسرين رئيسيين تم فتحمها أمام الأهالي لعبور نهر الفرات والتوجه إلى منطقة ناحية العامرية بعد حصار دام عدة أشهر وعجزهم التام عن مغادرة المدينة؛ بسبب منع المسلحين وبسبب العمليات العسكرية لتحرير مدينة الفلوجة».
وأضافت المنظمة: «إن أكثر من 35 ألف شخص تمكنوا من الإفلات من قبضة تنظيم داعش منذ بدء العمليات العسكرية بالفلوجة فجر 23 مايو (أيار) الماضي، لينظم لهم بعد ذلك آلاف العائلات التي تمكنت من الخروج خلال اليومين الماضيين من الفلوجة، الأسبوع الماضي، وانضموا إلى النازحين الذين فروا من المدينة، ونزح أكثر من 56 ألف شخص إلى عامرية الفلوجة، فيما تجاوزت أعداد النازحين قدرات الاستيعاب المتاحة التي تشمل الاحتياجات الطارئة في مخيمات النازحين».
إلى ذلك ما زالت المعارك بين القوات الأمنية العراقية ومسلحي تنظيم داعش على أشدها في الأحياء الشمالية لمدينة الفلوجة استكمالا لعمليات تحرير المدينة بالكامل من قبضة التنظيم المتطرف، وقال المتحدث الرسمي لقيادة العمليات المشتركة العميد يحيى رسول الزبيدي: «إن القوات الأمنية العراقية المتمثلة بوحدات من الجيش العراقي وقوات جهاز مكافحة الإرهاب ومقاتلي عشائر الأنبار والفوج التكتيكي التابع لقيادة شرطة الأنبار ما زالت تواصل عمليات التقدم لتحرير المناطق والأحياء السكنية في مدينة الفلوجة، بعدما تمكنت من الوصول إلى قلب المدينة وتحرير المجمع الحكومي».
وأضاف الزبيدي: «إن المعارك الآن تدور في المناطق الشمالية للمدينة، حيث ما زال هناك وجود لمسلحي التنظيم الإرهابي في بعض الأحياء السكنية داخل المدينة، وتقوم القوات بتمشيط المناطق المحررة في مدينة الفلوجة مستخدمة خلال ذلك المسح الحراري بحيث يبين من خلاله حتى الأشخاص الذين يختبئون خلف الجدران، كما أن فرق الجهد الهندسي تقوم بأعمال سريعة للغاية من أجل تأمين خلو المناطق من العبوات الناسفة وفتحها أمام تقدم قواتنا الأمنية لتحرير باقي المناطق في المدينة».
وأشار الزبيدي إلى أن «مسلحي (داعش) هربوا عبر شبكة الإنفاق التي حفروها مسبقا للربط بين المناطق؛ حيث تمركزوا في المناطق القريبة من سكة الحديد شمالي المدينة، فيما تبدو مدينة الفلوجة خالية تماما من السكان بعد موجة النزوح الكبيرة التي شهدها اليومين الماضيين، حيث تم خروج أكثر من 45 ألف شخص عبروا من خلال الجسرين الرئيسيين في المدينة، ويتوقع وجود عدد من العائلات في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة التنظيم الإرهابي».
وأكد الزبيدي أن «الحديث عن عودة السكان من أهالي مدينة الفلوجة إلى مناطقهم ما زال مبكرا؛ نظرا للدمار الذي لحق بالبنية التحتية للمدينة، فيما يتوقع عودة النازحين إلى منطقتي الكرمة والصقلاوية بوقت قريب نتيجة عدم تضرر تلك المنطقتين بشكل كبير كما هو موجود في مدينة الفلوجة».
وكانت القوات العراقية قد دخلت، يوم أمس الجمعة، وسط مدينة الفلوجة واستعادت السيطرة على مبنى المجمع الحكومي الذي يضم مؤسسات رسمية عدة، ورفع العلم العراقي فوق المجمع الواقع في قلب المدينة.
من جانبه دعا محافظ الأنبار صهيب الراوي دول ومنظمات العالم إلى مد يد العون لآلاف العائلات النازحة من مدينة الفلوجة الذين يواجهون ظروفا قاسية وهم يفترشون الأرض فيما تقف حكومة الأنبار المحلية عاجزة؛ بسبب ضعف الإمكانيات لاستيعاب النازحين.
وقال الراوي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن الملف الإنساني ملف ضاغط يستوجب تكاتف جميع الجهود المحلية والدولية لإنهاء معاناة النازحين الذين عاشوا وذاقوا مرارة الجوع والظلم لمدة ثلاث سنوات، وهم في قبضة التنظيم الإرهابي في ظل حصار مطبق تسبب في موت المئات من السكان جوعا، بينما سقط الآلاف قتلى نتيجة القصف».
إلى ذلك أكد مجلس محافظة الأنبار بأن تحرير المجمع الحكومي في مدينة الفلوجة يعتبر نصرا كبيرا وإشارة واضحة لتحرير مدينة الفلوجة بالكامل من سيطرة تنظيم داعش خلال الساعات القادمة، وقال المتحدث الرسمي لمجلس محافظة الأنبار عذال الفهداوي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن تحرير المجمع الحكومي في مدينة الفلوجة يعتبر نصرا عسكريا جديدا تحققه القوات الأمنية العراقية ومقاتلو عشائر الأنبار في تحرير مدن المحافظة من سطوة التنظيم الإرهابي، وهو إشارة واضحة لقرب القضاء على وجود التنظيم الإجرامي في كل مدن الأنبار».
وأضاف الفهداوي: «إن وصول القطعات العسكرية العراقية إلى المجمع الحكومي وتحرير مبنى قائمقامية الفلوجة يعتبر تحرير المدينة بالكامل، خصوصا بعدما تم تحرير منطقة الحي الصناعي التي كان يستخدمها التنظيم الإرهابي في تهيئة العجلات المفخخة وصناعات العبوات الناسفة وبتحير هذه المنطقة الحيوية فقد التنظيم الإرهابي أهم معاقله في المدينة، إضافة إلى تحرير مناطق مهمة في داخل المدينة، فلم يتبق أمام القوات الأمنية سوى منطقتين فقط لإعلان المدينة محررة بالكامل بعدما فرضت قواتنا الأمنية سيطرتها على أكثر من 60 في المائة من مساحة المدينة، حيث لم يعد سوى الجانب الغربي لمدينة الفلوجة مكانا لهروب عناصر التنظيم الذين قرروا بشكل نهائي ترك المدينة بعدما أيقنوا أنهم غير قادرين على مجابهة قواتنا المحررة». شن مسلحو تنظيم داعش هجوما مباغتا على القطاع الغربي لمدينة الرمادي محاولا اختراق قلب مركز محافظة الأنبار من أجل تعويض خسائره وهزيمته التاريخية بعد انتزاع مدينة الفلوجة من قبضة التنظيم التي كانت أولى المدن التي سيطر عليها في العراق، وتسبب الهجوم في موجة نزوح جديدة للعائلات بعد خلو المنطقة من الإرهاب لمدة 100 يوم بعد تحرير مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار.
وقال عضو مجلس محافظة الأنبار طه عبد الغني في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجموعة تابعة لتنظيم داعش الإرهابي شنت هجوما مباغتا على منطقة زنكورة البوابة الغربية لمدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، ودارت اشتباكات عنيفة بين القوات الأمنية والمسلحين أسفرت عن مقتل 17 عنصرا من التنظيم الإرهابي واستعادة السيطرة على المنطقة التي وقعت تحت سيطرة المسلحين لمدة يومين».
وأضاف عبد الغني: «إن قواتنا الأمنية فرضت سيطرتها مجددا على المنطقة، بالإضافة إلى انتشارها في منطقة البوريشة التي اخترقها التنظيم الإرهابي هي الأخرى قبل خمسة أيام، فيما نزحت مئات العائلات من منطقتي البوريشة وزنكورة، اللتين سيطر عليهما تنظيم داعش ليومين بعد هجوم عنيف شنه على نقاط الأمن المحاذية لنهر الفرات الذي تسلل منه المسلحون للمنطقتين».
وتقهقر تنظيم داعش في الفلوجة أخطر وأقدم مناطق سيطرته في العراق، وفقد السيطرة على مركزها وعليها بتقدم كبير للجيش العراقي خلال المعركة التي أعلن رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، انطلاقها في 23 من مايو (أيار) الماضي.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.