بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

دعاة «البقاء» يحذّرون من المجازفة بالاقتصاد.. ومناصرو «الخروج» يلوّحون بـ«غول» الهجرة

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب
TT

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

بريطانيا.. أمام القرار الأوروبي الصعب

حدّقت لورين هوتن، وهي طالبة جامعية بريطانية تدرس اللغات وعلم الاجتماع في جامعة ويستمنستر بلندن، بمحتويات صحيفة ما حال إلى تأجيل إكمالها وجبة طعام قدمتها لها نادلة بولندية. وبعد فترة وجيزة عادت لورين لإكمال طعامها مع صديقتها وزميلتها في الجامعة السويدية آنا. إنه مشهد يحمل جملة من المفارقات التي تبرز إيجابيات الاتحاد الأوروبي وسلبياته. منها على صعيد الإيجابيات أن النادلة البولندية التي تعمل في مطعم يملكه بريطاني قد تفقد منافع نظام الإعانات الاجتماعية لأولادها إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وسيتهدّد صاحب المطعم بزيادة النفقات جراء استقدام عمالة أعلى أجورًا، وستواجه آنا صديقة لورين صعوبات جمّة في دخول سوق العمل.

خيار «البقاء» أو «الخروج» ما عاد بإمكان أي شخص في بريطانيا البالغ عدد سكانها 64 مليون نسمة أن يتلافى الحديث عنه. ولا صوت يعلو الآن على صوت الاستفتاء الذي ستشهده البلاد، انطلاقا من العاصمة لندن، ووصولاً إلى أبعد أطراف البلاد، فالجميع مشغول بإقناع الآخرين: «ابقوا».. أو «اخرجوا».
وبطبيعة الحال، احتدمت في أوساط النخبة السياسية الحرب الكلامية بين ناشطي معسكري «البقاء» - وعلى رأسها الحكومة المحافظة الحالية ورئيسها ديفيد كاميرون - و«الخروج» من الاتحاد الأوروبي خلال الأيام والأسابيع الماضية، وضاعفت الحملتان من جهودهما لإقناع الناخبين للتصويت، كل وفق مصالحه.
* ثلاثة محاور
وفي حين تظهر استطلاعات الرأي تقاربا بين مؤيدي المعسكرين، يدرس المحللون التداعيات المحتملة لـ«الخروج» على بريطانيا.. اجتماعيًا، وسياسيا، واقتصاديا؛ وكذلك ما يمكن أن يحمله انتصار خيار «البقاء» إلى الاتحاد الأوروبي. والواضح اليوم أن ثمة 3 محاور أساسية تهيمن على النقاش:
المحور الأول يتعلق بالاعتبارات الاقتصادية، حيث تُصدر الحملتان المتنافستان أرقامًا متضادة شبه يومية عن حجم الخسائر أو المكاسب التجارية والمالية المترتبة على «الخروج» أو «البقاء».
والمحور الثاني يتصل بقضية الهجرة الساخنة في دول الاتحاد الأوروبي، وهذه «فزّاعة» يستغلها معسكر «الخروج» بقوة للترهيب من تدفق ضخم للمهاجرين - وبالأخص، من دول شرق أوروبا - إذا ما ظلت الحدود مع القارة الأوروبية «مفتوحة».
أما المحور الثالث، فيمسّ وحدة كيان بريطانيا نفسها إذا انتصر دعاة «الخروج»، وذلك في ظل تلويح اسكوتلندا بتنظيم استفتاء جديد على بقائها ضمن كيان «المملكة المتحدة لبريطانيا وآيرلندا الشمالية» (وهذا هو الاسم الرسمي للبلاد).
* انكماش الاقتصاد البريطاني
لقد حذّرت وزارة الخزانة البريطانية مرارًا من الانكماش الاقتصادي الذي قد يضرب البلاد إذا ما خرجت من أسرة الاتحاد الأوروبي، في تصريحات وتقارير عزّزت موقف رئيس الحكومة وأثارت غضب دعاة «الخروج» والمدافعين عنه. وبعد تحذيرها في شهر مارس (آذار) من «صدمة اقتصادية عنيفة» سيتسبب بها على الأمد الطويل الخروج من الاتحاد الأوروبي، نشرت وزارة الخزانة معطيات مثيرة للقلق حول تأثير هذه الخطوة على الأمد القصير، فقالت إن «الاقتصاد البريطاني سيشهد انكماشًا على مدى سنة»، مشيرة إلى أن بريطانيا ستظهر فجأة وكأنها «أقل انفتاحًا على التجارة والاستثمار»، وستعاني من تأثير الشكوك في نشاط الشركات ومن تقلّبات قويّة في أسواق المال. كذلك، توقّع خبراء الوزارة أن إجمالي الناتج الداخلي للبلاد سينخفض خلال سنتين بنسبة 3.6 في المائة مما كان سيسجّله إذا صوّت البريطانيون لصالح «البقاء» في أوروبا، وبنسبة 6 في المائة مائة في توقعات أخرى أكثر تشاؤما. كذلك، وفق وزارة الخزانة، قد يكبّد «الخروج» من أوروبا الاقتصاد البريطاني خسارة ما بين 520 و820 ألف وظيفة، ويسبب انخفاضا في قيمة الجنيه الإسترليني تتراوح بين 12 و15 في المائة بحسب الوزارة.
* المصارف مع «البقاء»
وبهذا الصدد، أوضح أنتوني براون، رئيس جمعية المصارف البريطانية أن «السوق الموحّدة تتميز بأهمية جوهرية بالنسبة للقطاع المصرفي البريطاني الذي يشمل أكثر من نصف مليون موظف، وتسهم بأكثر من 31 مليار جنيه إسترليني من الضرائب سنويًا، كما أنها تعد أكبر قطاع تصديري في بريطانيا. وفي جردة لمواقف نحو 147 مصرفا بريطانيا، وجدت جمعية المصارف البريطانية - التي هي أكبر مظلة تمثيلية للمصرفيين البريطانيين - أن نحو 60 في المائة من المصارف تعتبر أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلبًا عليها، بينما رأت 26 في المائة أن العواقب الاقتصادية ستكون وخيمة.
إعلان وزارة الخزانة كان الأحدث الأخير في سلسلة تحذيرات من العواقب الاقتصادية المحتملة لـ«الخروج» من الاتحاد أطلقتها في الأسابيع الأخيرة مؤسسات مرموقة عدة، مثل بنك إنجلترا، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، بل وحتى وزراء مال «مجموعة السبع». كذلك أكّد قادة الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا أنه في حال أدى استفتاء 23 يونيو (حزيران) الحالي إلى «خروج» بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيشكل «خطرًا جسيمًا على النمو العالمي». وأوضحوا في بيان نشر عقب القمة التي عقدوها في اليابان أخيرًا أن تلك الخطوة «ستعكس اتجاه نمو التجارة العالمية والاستثمار، وكذلك فرص العمل التي تحدثها، وستشكل خطرًا جسيمًا جديدًا على النمو».
* ذرائع دعاة «الخروج»
في المقابل، بينما تشكل هذه المواقف دعمًا لموقف رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، المتحمس لـ«البقاء»، فإنها تزيد من غضب مناصري «الخروج» الذين يرون فيها «مؤامرة» تهدف «لإخضاع» البريطانيين إلى سلطة المفوضية الأوروبية والطبقة الحاكمة في العالم. وفي هذا السياق، أدان إيان دنكان سميث، الزعيم اليميني السابق لحزب المحافظين، الذي استقال من منصبه كوزير للعمل في مارس (آذار)، دراسة وزارة الخزانة، معتبرًا أنها «غير نزيهة، وموجهة بشكل واضح، ويجب ألا تؤخذ على محمل الجدّ». وأردف «في الواقع، نحن ندفع 350 مليون جنيه (450 مليون يورو) أسبوعيًا إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا ما صوّتنا لصالح مغادرته سنتمكن من وضع أيدينا على هذه الأموال واستخدامها هنا في بريطانيا». ويضيف: «سنستعيد أيضا التحكم باقتصادنا عبر إحداث مئات الوظائف وإبرام اتفاقات للتبادل الحر». غير أن محللين يشيرون إلى أن دنكان سميث «يذكر رقمًا لا يأخذ في الاعتبار الاستثناء الممنوح للندن من قبل المفوضية»، موضحين إلى أن المبلغ الصحيح الذي يدفع أسبوعيًا إلى ميزانية الاتحاد يقدّر بـ280 مليون جنيه.
أما رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون، الذي يعدّ الشخصية الأبرز بين دعاة «الخروج»، وبالتالي خلفًا محتملاً لرئيس الوزراء كاميرون في زعامة المحافظين - إذا كسب معسكره الاستفتاء - فقد سخر في مقالة نشرتها صحيفة «ديلي تلغراف» المحافظة مما أسماه «معسكر الخوف»، راسما صورة مثالية لمملكة متحدة حرة ومزدهرة بعد خروجها من الاتحاد.
لقد كتب جونسون في المقالة أن «الأسواق بدت هادئة والجنيه لم يهبط (...) وأقيمت علاقة جديدة (مع المفوضية الأوروبية) بسرعة تستند إلى التبادل الحر والزعامة البريطانية التقليدية». ومن ثم، دعا مواطنيه إلى التفكير بـ«الخطر الهائل» الذي سيشكله «البقاء» في الاتحاد على استقرار البلاد، حسب قوله.
وفي مواجهة هذا التحدي الصريح لسياسة رئيس الوزراء، دأب الأخير على التشكيك في صحّة ادعاءات دعاة «الخروج»، وانتقد مرارًا عبر شاشات التلفزيون ما يصفه بأساليبهم «المخادعة». وأكّد كاميرون الذي يراهن بمستقبله السياسي وموقعه في التاريخ مع هذا الاستفتاء، أنه سيكون لمغادرة الاتحاد وقع «القنبلة» على الاقتصاد البريطاني، وستحكم عليه «بعقد من البلبلة» لحاجة البلاد إلى التفاوض على عقود تجارية جديدة في حال خروجها من كتلة الـ28.
* هزّة مالية مزدوجة
إلى جانب فقدان بريطانيا لأسواق الاتحاد الأوروبي وانكماش الاقتصاد، يحذّر مؤيدو «البقاء» من مخاطر زعزعة الأسواق المالية وانعكاسات ذلك على الجنيه الإسترليني. وحقًا، تراجع سعر صرف الجنيه الأسبوع الماضي بعدما كشف معدل لنتائج ستة استطلاعات رأي نشره موقع «وات – يوكاي - ثينكس» (بماذا تفكّر بريطانيا) تقدّم معسكر «الخروج» على معسكر «البقاء» بنسبة 51 في المائة مقابل 49 في المائة وذلك للمرة الأولى منذ شهر. إذ هبطت قيمة الجنيه آنذاك إلى 1.4353 دولار، وهو أدنى مستوياته خلال ثلاثة أسابيع، كذلك هبط الجنيه مقابل «اليورو» (العملة الأوروبية) إلى 78.61 بنس (البنس يوازي 0.1 جنيه)، ووصل مع بدء التبادلات الآسيوية 79.05 بنس لليورو، أي أدنى مستوياته منذ ثلاثة أسابيع ونصف أسبوع.
وعلى الأثر علقت المحللة آنا ثيكر، من «فيليب كابيتال يو كاي» بالقول إن «الاستطلاعات تواصل لعب دور المحرّك للعملة التي تواجه هذا الشهر مستوى عاليًا من الغموض». وتوقعت تقلّبات «أكبر» مع اقتراب موعد الاستفتاء. ومن جانبها بدأت المصارف تعد لسيناريو «الخروج» فبدأت تعمم على موظفيها إرشادات حول النصائح للزبائن في حال صوت البريطانيون لصالح «الخروج»، وفقا لصحيفة «فاينانشال تايمز»، كما ركزت على وجه الخصوص على الحؤول دون «إصابتهم بالذعر».
* «غول» الهجرة
كما سبقت الإشارة، إذا كان المعسكر المؤيد لـ«لبقاء» بريطانيا ضمن الأسرة الأوروبية يلعب على وتر الخوف من العواقب الاقتصادية، فإن دعاة «الخروج» يركبون موجة التخويف من الهجرة واليد العاملة الأجنبية. ولقد استغلت حملة «الخروج» الجدل القائم حول اتفاق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، ومطالب أنقرة بتحرير التأشيرة لمواطنيها، للتحذير من عواقب «البقاء»، زاعمة أن ذلك سيؤدي إلى تدفّق ملايين الأتراك إلى بريطانيا. وهذا ما أجاب عنه كاميرون قائلا إنه «في ضوء وتيرة تقدّم الأمور، علينا أن ننتظر عام 3000 لكي نرى (تركيا) تنضم إلى الاتحاد الأوروبي». إلا أن هذا لم يحل دون مواصلة دعاة «الخروج» تخويف الناخبين وتحذيرهم من «غول» الهجرة، فنشرت حملة «فوت ليف» (صوتوا للخروج) على موقعها الأسبوع الماضي ملفا حول خمسين أوروبيًا متّهمين بارتكاب جرائم في بريطانيا، ولكن لا يمكن للقضاء طردهم بسبب القانون الأوروبي. وعلّق وزير الدولة للعدل، دومينيك راب، المؤيد لـ«الخروج» بالقول إن «هذا يشكل خطرا على الأسر البريطانية»، فرد عليه وزير الدولة للهجرة جيمس بروكنشير، المدافع عن «البقاء»، بأنه «تمّ بالفعل طرد 6500 مجرم من بريطانيا منذ 2010، تحديدًا بفضل آلية التوقيف الأوروبية».
* استقلال اسكوتلندا
على الصعيد الاسكوتلندي، رفضت نيكولا ستيرجن، رئيس وزراء إقليم اسكوتلندا، أول من أمس استبعاد استفتاء جديد حول استقلال بلدها، معتبرة أنه يصعب معالجة قضايا مثل حقوق العمال وتغير المناخ بمعزل عن العالم. وكان الاسكوتلنديون قد رفضوا الاستقلال في استفتاء عام 2014 بنسبة 55 إلى 44 في المائة، ولكن منذ ذلك الحين اكتسب الحزب القومي الاسكوتلندي المزيد من الدعم، بل وحصل على 56 مقعدًا من أصل 59 مقعدًا مخصصًا لاسكوتلندا في مجلس العموم البريطاني بلندن خلال الانتخابات العامة التي أجريت بشهر مايو (أيار) الماضي. كذلك التقى رئيسا وزراء بريطانيا السابقان توني بلير (عمالي) وجون ميجور (محافظ) الخميس الماضي للتحذير معًا، من منبر جامعة ألستر شمال إقليم آيرلندا الشمالية، من أن التصويت لصالح «الخروج» سيهدد وحدة البلاد عن طريق تقويض السلام في آيرلندا الشمالية وتشجيع حركة الاستقلال في اسكوتلندا. وحذر الزعيمان السابقان، اللذان لعبا أدوارًا مهمة في عملية السلام بالإقليم خلال التسعينات من أن «الوحدة في بطاقة الاقتراع». وقال ميجور (حكم بين 1990 و1997) في كلمة أمام طلاب الجامعة: «تخلوا عن عضوية أوروبا ولا تندهشوا إذا تبين لنا في النهاية أننا تخلينا بطريق الخطأ عن وحدتنا. إن أنجح اتحاد في تاريخ العالم، قد يتفكك إلى الأبد». ثم حذّر من أنه إذا صوتت اسكوتلندا لـ«البقاء» واختارت باقي البلاد «الخروج» فإن الضغوط بشأن تنظيم استفتاء جديد على استقلال اسكوتلندا «قد تخرج عن السيطرة، ولن يتسنى مقاومتها سياسيا».
أما بلير فرأى الاستفتاء قد يقوّض أيضا اتفاقية السلام الخاصة بآيرلندا الشمالية الموقعة في عام 1998، التي أنهت ثلاثة عقود من صراع دامٍ بين الآيرلنديين الكاثوليك القوميين (المناصرون لاتحاد الإقليم مع آيرلندا) وخصومهم من البروتستانت (الراغبين بإبقاء الإقليم داخل كيان المملكة المتحدة) حصد أكثر من 3600 شخص. وأوضح بلير الذي أشرف على اتفاق السلام عندما كان رئيسا للوزراء بين 1997 و2007 «إذا تركنا الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو، فإن ذلك سيضع مستقبل آيرلندا الشمالية في خطر، وسيجعل اتحادنا في خطر وسيلحق ضررًا عميقًا. إنه مسار ينطوي على مجازفة». وفي الاتجاه نفسه، تدخّل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون - الذي لعب بدوره دورًا محوريًا في سلام آيرلندا الشمالية - في النقاش، فكتب في مقالة بمجلة «نيو ستيتسمان» بأن عملية السلام استفادت من عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، مضيفا: «إنني أشعر قلق من أن يتعرض مستقبل الرخاء والسلام في آيرلندا الشمالية للخطر إذا انسحبت بريطانيا (من أوروبا)».
غير أن تصريحات بلير وميجور لم تحظ بدعم الجميع، إذ وصفت تيريزا فيلرز، وزيرة الدولة لشؤون آيرلندا الشمالية - وهي معارضة لعضوية الاتحاد الأوروبي - تعليقاتهما بأنها غير مسؤولة، وأردفت «مهما كانت نتيجة الاستفتاء، فإن آيرلندا الشمالية لن تعود إلى متاعب الماضي.. وقول ما سوى ذلك ينطوي على عدم الشعور بالمسؤولية».
* تسييس لمصالح حزبية
خلال الأسبوعين المتبقيين قبل تاريخ الاستفتاء الموعود، سيواصل المعسكران حشد أصوات الناخبين، ولا سيما من الشباب الذي يجدون أنفسهم في قلب حملة متعددة المستويات تشجعهم على التسجيل والتصويت. إلا أن الخطابات المتضادّة والاتهامات المتبادلة بتزوير الحقائق والتحايل على الأرقام تزيد من تردد الناخبين الشباب. وبهذا الصدد، قالت لورين إن تصريحات المسؤولين المتضاربة وتسييس النقاش حول الاستفتاء لمصالح حزبية خالصة زادت حيرتها ما قد يدفعها إلى الإحجام عن التصويت. وأضافت: «لا أريد أن أصوت لصالح البقاء، فتنهال علينا كميات مهاجرين تزعزع استقرارنا الاجتماعي، أو لصالح الخروج ونصبح في معزل عن العالم.. أفضل الاحتفاظ بصوتي».
أما ريتشارد ويتمان، الزميل في «المعهد الملكي للشؤون الاستراتيجية» (تشاتهام هاوس) والخبير في الشؤون الأوروبية، فرأى أن إحدى أبرز خواص النقاش السياسي حول الاستفتاء الأوروبي بين حملتي «الخروج» و«البقاء» تتمثل في «التلاعب بالمعطيات، فكل معسكر يركّز على الرسائل التي يتجاوب معها الناخبون» واستطرد «المعركة السياسية هنا تختلف عن ما نشهده في الانتخابات حيث يتنافس الأحزاب على مقاعد برلمانية.. هنا نشاهد تحالفات حزبية غير معتادة». وفعلاً ويبدو هذا جليًا في صفوف حزب المحافظين بالذات، حيث هدد ثلاثة نواب رئيس الوزراء بحجب الثقة عنه، بينما انتقد كاميرون وزراء ضمن حكومته التي شهدت استقالة وزير العمل أخيرًا.
* ماذا سيعني «البقاء».. إذا اختاره البريطانيون؟
- إذا ما اختار الناخبون البريطانيون التصويت لصالح «البقاء» ضمن الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيشكل نصرًا تاريخيًا لديفيد كاميرون الذي يواجه مطالب بالاستقالة من رئاسة الوزراء من طرف بعض نواب حزبه. وبمجرّد إغلاق صناديق الاقتراع في 23 يونيو الحالي، ستتبيّن بوادر النتيجة ليتنفس كاميرون وأنصار «البقاء» الصعداء. وعند الإعلان عن النتائج النهائية بعد يوم من ذلك مبشّرة مؤيدي «البقاء» بنجاح حملتهم، من المتوقع أن تتوالى تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي لتهنئة البريطانيين، وأن يلقي كاميرون خطاب نصر خارج مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، قبل أن يذكّر بأن الوقت حان لالتزام الاتحاد الأوروبي بالإصلاحات التي تطالب بها لندن. وبعد ساعات من ذلك، سيرسل كاميرون طلبًا رسميًا لرئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لمصادقة وتطبيق الاتفاق الذي توصّلا إليه حول صلاحيات لندن الجديدة داخل التكتل الأوروبي في شهر فبراير (شباط) الماضي.
وقد يستغل قادة الاتحاد الأوروبي القمّة التي ستنظم في بروكسل في 28 - 29 يونيو الحالي للموافقة على الاتفاق. وللعلم، يطالب كاميرون بتمديد السوق الموّحدة وتعزيز التنافسية في الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال تسهيل حركة رؤوس الأموال من جهة، وتخفيف القوانين الأوروبية المنظمة للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما يشترط كاميرون إعفاء بريطانيا من المبادئ التأسيسية لاتحاد أكثر ترابطا، إلى جانب تعزيز الرقابة الوطنية وحق النقض في البرلمانات الوطنية.
أما المطلب الأخير والأكثر تعقيدا وإثارة للجدل، فيتعلق بـ«حرمان» الوافدين الأوروبيين إلى بريطانيا من استحقاقات الرعاية الاجتماعية بشكل خاص، وبحرية تنقّل مواطني الاتحاد الأوروبي بشكل عام.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.