هجرة المفاهيم والمصطلحات من علم إلى آخر

ندوة تكامل العلوم في العاصمة المغربية

أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد
أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد
TT

هجرة المفاهيم والمصطلحات من علم إلى آخر

أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد
أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد

في رحاب كلية التربية وحدائقها الغناء أتيح لي أن أحضر ندوة ممتعة حول مشروع تكامل العلوم والاختصاصات المعرفية فيما بينها. وقد نظمها مركز «إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية». وهو المركز الذي تشرف عليه وتترأسه الدكتورة مريم آيت أحمد، أستاذة الأديان المقارنة والفكر الإسلامي في جامعة ابن الطفيل بالقنيطرة.
وبعد أن افتتحت الندوة أعطت الكلمة لعميد كلية التربية الدكتور عبد الحنين بلحاج، الذي رحب بنا جميعًا وحدد لنا الأطر العريضة للبحث والنقاش، ملمحًا إلى أهمية تكامل العلوم وليس انفصالها عن بعضها بعضًا.. أما الدكتورة مريم فقالت لنا إنها لا تقلل من أهمية التخصص العلمي في مجال علم النفس والتاريخ والاجتماع والاقتصاد.. إلخ، ولكن لا ينبغي أن يتحول هذا الاختصاص إلى انغلاق يحجب عنا حقيقة الإنسان في كليته الشمولية. لا ينبغي أن تنفصل العلوم عن بعضها بعضًا أكثر من اللزوم لأن ذلك يضر بتقدم البحث العلمي. فهي على مدار التاريخ كانت تستفيد من بعضها بعضًا وتتغذى من بعضها بعضًا. وهذا ما ينبغي أن يسود في الجامعات المغربية والعربية، بل والإسلامية ككل. نقول ذلك وبخاصة أنها أستاذة زائرة في الجامعات الإندونيسية بل ورئيسة جمعية الصداقة أو بالأحرى الأخوة المغربية - الإندونيسية، لأنها أكثر من صداقة. ثم ركزت على هذه الفكرة الهامة التي استبقت على ما سأقوله أنا بعد قليل، وهي فكرة هجرة المفاهيم والمصطلحات. وقالت بالحرف الواحد: «هذا ما نلمسه من خلال عمليات الارتحال الواسعة لقدر كبير من المفاهيم والنظريات والمناهج خارج حقولها الأصلية، استعارة أو هجرة أو تهريبا». كما تبين المعطيات المرتبطة بتاريخ العلوم وتطورها أن التكامل المعرفي كان مدخلاً أساسيًا للثورات العلمية الكبرى وأن علماء التكامل كانوا باستمرار رواد قافلة الإبداع في رحلة الإنسان العلمية.
ومن رواد التكامل بين العلوم نذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، والفيلسوف إدغار موران صاحب نظرية «التعقيد والتداخل بين العلوم والفلسفات المختلفة»، والفيلسوف الإسلامي طه عبد الرحمن صاحب كتاب «تجديد المنهج في قراءة التراث»، والدكتور مصطفى المرابط.. إلخ.
وتعقيبًا على صحة كلام الدكتورة مريم آيت أحمد حول هجرة المفاهيم والمصطلحات من علم إلى آخر واغتنائها ببعضها بعضًا، نقول من كان يصدق أن عالم اللاهوت المسيحي الكبير هانز كونغ سوف ينقل أحدث النظريات الأبيستمولوجية ويطبقها على العلوم الدينية؟ شيء لا يكاد يصدق. شيء غير متوقع على الإطلاق أن يصدر عن رجل دين. ومع ذلك فهذا ما فعله.أولا الصورة التي نشكلها عن رجل الدين هي أنه محصور كليًا في العلوم الدينية والعبادات والمواعظ والأفكار القديمة التي عفا عليها الزمن. ولكن ليست هذه هي حالة كبار علماء الدين في أوروبا. فاللاهوتي السويسري الشهير مطلع على كل تاريخ الفلسفة، بل وعلى أصعب النظريات الأبيستمولوجية أي المعرفية العميقة. والدليل على ذلك أنه استعار مصطلح «البراديغم» من عالم الأبيستمولوجيا الأميركي توماس كهن وطبقه على تاريخ الفكر المسيحي في الغرب.
وجدد علم الدين بشكل غير مسبوق. المقصود بالبراديغم هنا، النموذج المعرفي الأعلى الذي يهيمن على حقبة بأسرها لكي يحل محله نموذج آخر جديد بعد فترة، وهكذا دواليك. فمثلا هيمن البراديغم الأرسطوطاليسي - البطليموسي على المعرفة البشرية حتى ظهور كوبرنيكوس وغاليليو.
بعدئذ انكشفت نواقصه وانهار. وبعد قرن من الزمن حل نموذج نيوتن في تفسير الكون محل نموذج كوبرنيكوس دون أن يلغيه كليا. ثم في عصرنا الراهن حلت نظرية أينشتاين محل نظرية نيوتن دون أن تلغيها كليا. لقد حل الميكانيك الكمي والموجي محل الميكانيك الكلاسيكي لنيوتن فيما يخص تفسير الدقائق الصغيرة التي لا ترى حتى بأكبر المجاهر. هكذا تلاحظون أن البراديغمات أو النماذج المعرفية العليا تتوالى وراء بعضها بعضًا كلما حصلت كشوفات جديدة في تاريخ البشرية.
والآن ماذا فعل هانز كونغ؟ لقد نقل مصطلح البراديغم إلى ساحة اللاهوت المسيحي وقال لنا ما يلي: لقد هيمن باراديغم العصور الوسطى الانغلاقي على اللاهوت المسيحي طيلة أكثر من ألف سنة حتى ظهور لوثر. عندئذ هيمن براديغم الإصلاح الديني على الفكر المسيحي. ولكن بعد قرن أو قرنين ظهر براديغم جديد هو براديغم التنوير أو الحداثة في فهم الدين. والآن ظهر براديغم جديد هو لاهوت ما بعد الحداثة! فأين نحن من كل ذلك؟ لا نزال نتخبط في براديغم العصور الوسطى التكفيري. نحن محكومون ببراديغم «داعش»! من يصدق ذلك؟ هكذا تلاحظون إلى مدى الغنى العلمي والخصوبة الفكرية الناتجة عن تفاعل العلوم مع بعضها بعضًا.
ثم قدم لنا الدكتور مصطفى المرابط مداخلة قيمة عن أحدث النظريات الأبيستمولوجية في الغرب. واستشهد باسم العالم الشهير برنار ديسبانيا الذي فارقنا قبل شهور قليلة. وقال إن هذا العالم الكبير المختص بالميكانيك الكمي والموجي والنظرية الذرية والفكر المادي انتهى إلى شاعر أو متصوف روحاني في نهاية المطاف. وقال إنه مهما فهمنا المادة وقسمناها فإنه يبقى هناك شيء أدق فأدق يستعصي على الفهم. وتحدث عندئذ عن الحقيقة المحجبة أو المحجوبة التي لا يمكن للإنسان مهما تقدم في العلم أن يصل إليها. إنها تستعصي على كل علم أو عالم مهما علا شأنه. وقال لنا الدكتور المرابط بأننا بحاجة إلى ثورة معرفية تربوية، بل وما هو أكثر من ثورة. وذلك بغية التوصل إلى صورة جديدة للعالم، وإعادة النظر في رؤيتنا التقليدية للطبيعة والكون والإنسان. وقال بأن التخصص الواحد لا يستطيع أن يفهم إلا جزءًا صغيرًا من الواقع، وبالتالي فينبغي أن تتكامل العلوم وتتعاضد فيما بينها لكي نتوصل إلى أفضل صورة عن أنفسنا وعن الواقع الاجتماعي. وتحدث عن العلاقة بين العلوم الدقيقة / والعلوم الإنسانية. وخاض في نظريات عويصة لا أستطيع تلخيصها هنا.
أما الدكتور محمد همام أستاذ العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة ابن زهر بأغادير عاصمة الدنيا جماليًا وعروس السياحة العالمية فقد أتحفنا بمداخلة عصماء عن سوسيولوجيا التكامل المعرفي. واستشهد منذ البداية بكلمة للإمام الغزالي تقول ما معناه: من لا يعرف المنطق لا يوثق بعلمه. وهذا أكبر دليل على أنه توجد علاقة بين علم الدين وعلم المنطق وأن علماءنا الكبار كانوا مطلعين على كل العلوم ولكن للأسف ليس شيوخنا الحاليين. وأما أبو حيان التوحيدي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك في الانفتاح على الفلسفة والعلوم الجديدة التي كانت دخيلة على العرب والمسلمين آنذاك. فقد أورد في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» مناظرة شهيرة جرت بين متى بن يونس المنطقي / والسيرافي اللغوي والنحوي.
هذا غيض من فيض مما حصل في تلك الندوة. أعتذر عن عدم ذكر المتدخلين الآخرين المحترمين. لكن قبل أن أختتم هذه العجالة اسمحوا لي أن أذكر شيئين: الأول مناقشات الصالة التي لم تقتصر على الطلاب وإنما كان فيها أساتذة كبار كالدكتور حمزة الكتاني الذي أدار الجلسة الثانية بكل دعابة وتمكن واقتدار وأشع علينا بعلمه وكياسته وثقافته. وكالدكتور أحمد بنعمو أستاذ علم النفس بكلية علوم التربية وكالدكتور الخياري وآخرين.. فالدكتور بنعمو طرح مسألة الموضوعية وكيف تحولت إلى لوثة أو آفة لدى بعض ممارسي العلوم الاجتماعية. فكتبهم مليئة بالأرقام والجداول الإحصائية والمعادلات الرياضية؟ فهل هذه هي العلوم الإنسانية؟ وعندئذ تجاوبت معه كليًا وقلت له بأن روجيه غارودي يدعوها بالعلوم «اللا» إنسانية! وقد أعجبني هذا المصطلح كثيرا فسجلوه واحفظوه عن ظهر قلب. المقصد أنه لا ينبغي أن تقلد العلوم الإنسانية العلوم الفيزيائية والرياضية أكثر من اللزوم. وإلا فإنها ستخسر أغلى وأعز شيء في العالم: إنسانية الإنسان.
أما الشيء الثاني الذي أود ذكره فهو مشاركة عالم جليل من إندونيسيا معنا في الندوة هو الدكتور فوزون جمال جمال الدين معروف. وهو أستاذ محاضر في جامعة شريف هداية الله بجاكرتا. وقد تحدث بلغة عربية فصيحة لا لبس فيها ولا غموض. وشرح لنا وضع الجامعات الإسلامية في أكبر بلد إسلامي في العالم. وهي تعد بالمئات! وكل ذلك بفضل الإسلام والقرآن الكريم الذي انتشر نوره إلى شتى أقاصي الأرض. وكذلك الأمر فيما يخص باحثًا آخر من ماليزيا هو الدكتور إزهام حكيمي بن رضوان الذي قدم لنا التجربة الماليزية. هو أيضًا تحدث بلغة عربية واضحة تمامًا. فشكرًا لهما لإتقانهما لغة الضاد التي يقال لنا بأنها صعبة جدًا على الأجانب، بل ومستحيلة!



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.