هجرة المفاهيم والمصطلحات من علم إلى آخر

ندوة تكامل العلوم في العاصمة المغربية

أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد
أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد
TT

هجرة المفاهيم والمصطلحات من علم إلى آخر

أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد
أبو حيان التوحيدي وغلاف كتاب «المقابسات» و د. مريم آيت أحمد

في رحاب كلية التربية وحدائقها الغناء أتيح لي أن أحضر ندوة ممتعة حول مشروع تكامل العلوم والاختصاصات المعرفية فيما بينها. وقد نظمها مركز «إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية». وهو المركز الذي تشرف عليه وتترأسه الدكتورة مريم آيت أحمد، أستاذة الأديان المقارنة والفكر الإسلامي في جامعة ابن الطفيل بالقنيطرة.
وبعد أن افتتحت الندوة أعطت الكلمة لعميد كلية التربية الدكتور عبد الحنين بلحاج، الذي رحب بنا جميعًا وحدد لنا الأطر العريضة للبحث والنقاش، ملمحًا إلى أهمية تكامل العلوم وليس انفصالها عن بعضها بعضًا.. أما الدكتورة مريم فقالت لنا إنها لا تقلل من أهمية التخصص العلمي في مجال علم النفس والتاريخ والاجتماع والاقتصاد.. إلخ، ولكن لا ينبغي أن يتحول هذا الاختصاص إلى انغلاق يحجب عنا حقيقة الإنسان في كليته الشمولية. لا ينبغي أن تنفصل العلوم عن بعضها بعضًا أكثر من اللزوم لأن ذلك يضر بتقدم البحث العلمي. فهي على مدار التاريخ كانت تستفيد من بعضها بعضًا وتتغذى من بعضها بعضًا. وهذا ما ينبغي أن يسود في الجامعات المغربية والعربية، بل والإسلامية ككل. نقول ذلك وبخاصة أنها أستاذة زائرة في الجامعات الإندونيسية بل ورئيسة جمعية الصداقة أو بالأحرى الأخوة المغربية - الإندونيسية، لأنها أكثر من صداقة. ثم ركزت على هذه الفكرة الهامة التي استبقت على ما سأقوله أنا بعد قليل، وهي فكرة هجرة المفاهيم والمصطلحات. وقالت بالحرف الواحد: «هذا ما نلمسه من خلال عمليات الارتحال الواسعة لقدر كبير من المفاهيم والنظريات والمناهج خارج حقولها الأصلية، استعارة أو هجرة أو تهريبا». كما تبين المعطيات المرتبطة بتاريخ العلوم وتطورها أن التكامل المعرفي كان مدخلاً أساسيًا للثورات العلمية الكبرى وأن علماء التكامل كانوا باستمرار رواد قافلة الإبداع في رحلة الإنسان العلمية.
ومن رواد التكامل بين العلوم نذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، والفيلسوف إدغار موران صاحب نظرية «التعقيد والتداخل بين العلوم والفلسفات المختلفة»، والفيلسوف الإسلامي طه عبد الرحمن صاحب كتاب «تجديد المنهج في قراءة التراث»، والدكتور مصطفى المرابط.. إلخ.
وتعقيبًا على صحة كلام الدكتورة مريم آيت أحمد حول هجرة المفاهيم والمصطلحات من علم إلى آخر واغتنائها ببعضها بعضًا، نقول من كان يصدق أن عالم اللاهوت المسيحي الكبير هانز كونغ سوف ينقل أحدث النظريات الأبيستمولوجية ويطبقها على العلوم الدينية؟ شيء لا يكاد يصدق. شيء غير متوقع على الإطلاق أن يصدر عن رجل دين. ومع ذلك فهذا ما فعله.أولا الصورة التي نشكلها عن رجل الدين هي أنه محصور كليًا في العلوم الدينية والعبادات والمواعظ والأفكار القديمة التي عفا عليها الزمن. ولكن ليست هذه هي حالة كبار علماء الدين في أوروبا. فاللاهوتي السويسري الشهير مطلع على كل تاريخ الفلسفة، بل وعلى أصعب النظريات الأبيستمولوجية أي المعرفية العميقة. والدليل على ذلك أنه استعار مصطلح «البراديغم» من عالم الأبيستمولوجيا الأميركي توماس كهن وطبقه على تاريخ الفكر المسيحي في الغرب.
وجدد علم الدين بشكل غير مسبوق. المقصود بالبراديغم هنا، النموذج المعرفي الأعلى الذي يهيمن على حقبة بأسرها لكي يحل محله نموذج آخر جديد بعد فترة، وهكذا دواليك. فمثلا هيمن البراديغم الأرسطوطاليسي - البطليموسي على المعرفة البشرية حتى ظهور كوبرنيكوس وغاليليو.
بعدئذ انكشفت نواقصه وانهار. وبعد قرن من الزمن حل نموذج نيوتن في تفسير الكون محل نموذج كوبرنيكوس دون أن يلغيه كليا. ثم في عصرنا الراهن حلت نظرية أينشتاين محل نظرية نيوتن دون أن تلغيها كليا. لقد حل الميكانيك الكمي والموجي محل الميكانيك الكلاسيكي لنيوتن فيما يخص تفسير الدقائق الصغيرة التي لا ترى حتى بأكبر المجاهر. هكذا تلاحظون أن البراديغمات أو النماذج المعرفية العليا تتوالى وراء بعضها بعضًا كلما حصلت كشوفات جديدة في تاريخ البشرية.
والآن ماذا فعل هانز كونغ؟ لقد نقل مصطلح البراديغم إلى ساحة اللاهوت المسيحي وقال لنا ما يلي: لقد هيمن باراديغم العصور الوسطى الانغلاقي على اللاهوت المسيحي طيلة أكثر من ألف سنة حتى ظهور لوثر. عندئذ هيمن براديغم الإصلاح الديني على الفكر المسيحي. ولكن بعد قرن أو قرنين ظهر براديغم جديد هو براديغم التنوير أو الحداثة في فهم الدين. والآن ظهر براديغم جديد هو لاهوت ما بعد الحداثة! فأين نحن من كل ذلك؟ لا نزال نتخبط في براديغم العصور الوسطى التكفيري. نحن محكومون ببراديغم «داعش»! من يصدق ذلك؟ هكذا تلاحظون إلى مدى الغنى العلمي والخصوبة الفكرية الناتجة عن تفاعل العلوم مع بعضها بعضًا.
ثم قدم لنا الدكتور مصطفى المرابط مداخلة قيمة عن أحدث النظريات الأبيستمولوجية في الغرب. واستشهد باسم العالم الشهير برنار ديسبانيا الذي فارقنا قبل شهور قليلة. وقال إن هذا العالم الكبير المختص بالميكانيك الكمي والموجي والنظرية الذرية والفكر المادي انتهى إلى شاعر أو متصوف روحاني في نهاية المطاف. وقال إنه مهما فهمنا المادة وقسمناها فإنه يبقى هناك شيء أدق فأدق يستعصي على الفهم. وتحدث عندئذ عن الحقيقة المحجبة أو المحجوبة التي لا يمكن للإنسان مهما تقدم في العلم أن يصل إليها. إنها تستعصي على كل علم أو عالم مهما علا شأنه. وقال لنا الدكتور المرابط بأننا بحاجة إلى ثورة معرفية تربوية، بل وما هو أكثر من ثورة. وذلك بغية التوصل إلى صورة جديدة للعالم، وإعادة النظر في رؤيتنا التقليدية للطبيعة والكون والإنسان. وقال بأن التخصص الواحد لا يستطيع أن يفهم إلا جزءًا صغيرًا من الواقع، وبالتالي فينبغي أن تتكامل العلوم وتتعاضد فيما بينها لكي نتوصل إلى أفضل صورة عن أنفسنا وعن الواقع الاجتماعي. وتحدث عن العلاقة بين العلوم الدقيقة / والعلوم الإنسانية. وخاض في نظريات عويصة لا أستطيع تلخيصها هنا.
أما الدكتور محمد همام أستاذ العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة ابن زهر بأغادير عاصمة الدنيا جماليًا وعروس السياحة العالمية فقد أتحفنا بمداخلة عصماء عن سوسيولوجيا التكامل المعرفي. واستشهد منذ البداية بكلمة للإمام الغزالي تقول ما معناه: من لا يعرف المنطق لا يوثق بعلمه. وهذا أكبر دليل على أنه توجد علاقة بين علم الدين وعلم المنطق وأن علماءنا الكبار كانوا مطلعين على كل العلوم ولكن للأسف ليس شيوخنا الحاليين. وأما أبو حيان التوحيدي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك في الانفتاح على الفلسفة والعلوم الجديدة التي كانت دخيلة على العرب والمسلمين آنذاك. فقد أورد في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» مناظرة شهيرة جرت بين متى بن يونس المنطقي / والسيرافي اللغوي والنحوي.
هذا غيض من فيض مما حصل في تلك الندوة. أعتذر عن عدم ذكر المتدخلين الآخرين المحترمين. لكن قبل أن أختتم هذه العجالة اسمحوا لي أن أذكر شيئين: الأول مناقشات الصالة التي لم تقتصر على الطلاب وإنما كان فيها أساتذة كبار كالدكتور حمزة الكتاني الذي أدار الجلسة الثانية بكل دعابة وتمكن واقتدار وأشع علينا بعلمه وكياسته وثقافته. وكالدكتور أحمد بنعمو أستاذ علم النفس بكلية علوم التربية وكالدكتور الخياري وآخرين.. فالدكتور بنعمو طرح مسألة الموضوعية وكيف تحولت إلى لوثة أو آفة لدى بعض ممارسي العلوم الاجتماعية. فكتبهم مليئة بالأرقام والجداول الإحصائية والمعادلات الرياضية؟ فهل هذه هي العلوم الإنسانية؟ وعندئذ تجاوبت معه كليًا وقلت له بأن روجيه غارودي يدعوها بالعلوم «اللا» إنسانية! وقد أعجبني هذا المصطلح كثيرا فسجلوه واحفظوه عن ظهر قلب. المقصد أنه لا ينبغي أن تقلد العلوم الإنسانية العلوم الفيزيائية والرياضية أكثر من اللزوم. وإلا فإنها ستخسر أغلى وأعز شيء في العالم: إنسانية الإنسان.
أما الشيء الثاني الذي أود ذكره فهو مشاركة عالم جليل من إندونيسيا معنا في الندوة هو الدكتور فوزون جمال جمال الدين معروف. وهو أستاذ محاضر في جامعة شريف هداية الله بجاكرتا. وقد تحدث بلغة عربية فصيحة لا لبس فيها ولا غموض. وشرح لنا وضع الجامعات الإسلامية في أكبر بلد إسلامي في العالم. وهي تعد بالمئات! وكل ذلك بفضل الإسلام والقرآن الكريم الذي انتشر نوره إلى شتى أقاصي الأرض. وكذلك الأمر فيما يخص باحثًا آخر من ماليزيا هو الدكتور إزهام حكيمي بن رضوان الذي قدم لنا التجربة الماليزية. هو أيضًا تحدث بلغة عربية واضحة تمامًا. فشكرًا لهما لإتقانهما لغة الضاد التي يقال لنا بأنها صعبة جدًا على الأجانب، بل ومستحيلة!



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».