مصادر استخباراتية تؤكد تعافي البغدادي من إصاباته وتنقله بين مدن عراقية

أمضى فترة نقاهة طويلة في قرية البعاج.. وتغيب عن اجتماعات التنظيم

صورة تعود لعام 2014 لزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي أثناء إلقائه أحد خطاباته (غيتي)
صورة تعود لعام 2014 لزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي أثناء إلقائه أحد خطاباته (غيتي)
TT

مصادر استخباراتية تؤكد تعافي البغدادي من إصاباته وتنقله بين مدن عراقية

صورة تعود لعام 2014 لزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي أثناء إلقائه أحد خطاباته (غيتي)
صورة تعود لعام 2014 لزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي أثناء إلقائه أحد خطاباته (غيتي)

أكدت مصادر استخباراتية أن أبو بكر البغدادي تعافى من الإصابات التي عاناها جرّاء الغارة الأميركية العام الماضي، وأنه يتنقل بصورة مكثّفة بين مدن وقرى عراقية وسورية، أبرزها البعاج، والعباسية، وتلعفر في شمال غربي العراق، إلى جانب مدينة الموصل.
وكشفت صحيفة «الغارديان» في تحقيق حصري اعتمدت فيه على شهادات مصادر أمنية استخباراتية غربية، وأخرى عسكرية عراقية، وأكدت أن البغدادي عانى من إصابات عرقلت حركته لأشهر، ما اضطرّه إلى التغيّب عن اجتماعات مهمة بين قادة التنظيم الإرهابي.
كما زار صحافيو «الغارديان» قياديين في البيشمركة عند أقرب نقطة تفصلهم عن معاقل «داعش»، حيث تستطيع القوات الكردية الشعور بتواجد العدو. ففي معظم الأيام تقذفهم «داعش» بقذائف الهاون أو تطلق الرصاص عليهم من على خطوط المواجهة، التي تقع على بعد 10 أميال إلى الجنوب من سنجار، وفي بعض الأحيان يزحفون داخل الأعشاب الطويلة لساعات حتى يصلوا إلى مسافة قريبة تكفي لإطلاق النيران.
وعلى بعد أميال عدة بالجنوب، يتجمع لفيف من أبرز قادة «داعش» بصفة دورية في القرى الخرسانية الخاضعة لسيطرة التنظيم في معاقله الشمالية، والتي طالما كانت من أكثر المناطق أمنًا لهم في العراق لأكثر من عقد من الزمان، حيث كانوا يدخلون إليها ويخرجون منها بحرية. ووفقًا لشهود عيان من الأكراد ومسؤولي الاستخبارات يرصدون المكان من زاوية أفضل، يتحرك المطلوب رقم واحد في العالم أبو بكر البغدادي ما بين بلدتي البعاج والبليج.
ومسؤولو الاستخبارات، ممن قضوا العامين الماضيين يرصدون تحركات البغدادي، على اقتناع تام الآن بأنه يتحرك في المنطقة الممتدة بين شمال غربي العراق إلى شمال شرقي سوريا، على مرمى بصر من تلك الجبهة، وهي المنطقة التي قضى بها معظم وقته منذ أن نصب نفسه أميرا لـ«داعش».
وحسب تأكيدات مسؤولين أكراد وغربيين وقادة «داعش» وعدة أشخاص آخرين مقربين من البغدادي، فإنه لم يغادر قرية البعاج منذ شهر مارس (آذار) من العام الماضي، أي خلال 6 أشهر، حيث يتعافى من إصابات خطيرة يعانيها إثر تعرضه لغارة جوية لا يعلم بأمرها سوى قليل من أصدقائه وأعدائه أيضًا.
وفي شمال العراق، التي تعد أكثر المحاور أهمية في الحرب ضد «داعش»، يقول ضباط الاستخبارات وقادة البيشمركة إنهم على ثقة بأن البغدادي كان يتحرك على نطاق واسع في أنحاء شمال غربي العراق في الأسابيع الأخيرة، وتحديدًا بالقرب من بلدتي البعاج وتلعفر. حيث يقول مسؤول كبير في الاستخبارات إن البغدادي «يتحرك كثيرًا، وقد ذهب أيضًا إلى الموصل».
وعلى خطوط المواجهة جنوب سنجار، التي استعادتها القوات الكردية مدعومة بالغارات الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال الكولونيل خالد حمزة لـ«الغارديان» إنه على يقين أن البغدادي كان قد زار قرية البعاج منذ شهرين. وأضاف، وهو يقف وراء ساتر أرضي عملاق بُني لصد طلقات نيران قناصة «داعش» على بعد ميلين: «لدينا معلومات دقيقة من داخل المدينة تفيد بأنه كان متواجدا هناك في زيارة إلى زعيم داعشي (نصب نفسه) واليا على القرية».
وإلى جانب حمزة، كانت هناك 3 مقابر جماعية، تضم رفات نحو 150 امرأة يزيدية، وهن اللاتي اعتبرهن مقاتلو التنظيم الإرهابي «غير صالحات» لأن يكنّ جواري، عند اجتياحهم السابق لإقليم سنجار، انطلاقا من البعاج والبليج في أغسطس (آب) عام 2014. وقال حمزة إنه «يلقى تأييدا من العشائر هناك. إنهم موالون جدا له. ونحن نعرف متى يتواجد في البلدة. وفي إحدى الأيام، صادروا كل الهواتف من سكان البلدة كافة قبل عدة ساعات من وصوله، حتى لا يجري أحد مكالمات هاتفية».
إلى جانبه، كان يقف عنصر من قوات البيشمركة، كانت مهمته تحديد الإحداثيات المناسبة للضربات الجوية عبر جهاز تحديد المواقع العالمية «GPS». وكان يرتدي جهازا كبيرا يشبه الساعة على معصم يده، وللجهاز شاشة كبيرة، وكان يتلقى الأوامر في أغلب الأيام لاستدعاء المقاتلات للهجوم على أعضاء «داعش».
وبعد مرور عامين على القتال ضد «داعش»، لقي أكثر من 15 عضوا من أعضاء التنظيم مصرعهم بواسطة الغارات الجوية. وكان من بينهم النواب السابقون لأبو بكر البغدادي: أبو مسلم التركماني، وأبو علي الأنباري، وعمر الشيشاني، المشرف على برنامج الأسلحة الكيميائية للتنظيم الإرهابي في العراق، وأبو مالك، وغيرهم كثير من القادة الميدانيين في محافظات الأنبار ونينوى.
وكشفت المقابلات الصحافية التي أجرتها صحيفة «الغارديان» خلال العام الماضي أن حدّة الإصابات التي تعرض لها البغدادي بعد إصابته البالغة بواسطة الغارة الجوية، لا تزال من بين أكثر الأسرار المحاطة بكتمان شديد لدى التنظيم.
ولقد تمكن التحقيق الصحافي لدى «الغارديان» من تجميع تفاصيل الهجوم، والنقاهة البطيئة للبغدادي، وعودته الأخيرة إلى البروز داخل المجتمعات الداخلية في التنظيم، وحول الجهود الحثيثة الحالية لضمان أن الغارة الجوية التالية سوف تكون أكثر استهدافا ونجاحا.
وتعرض البغدادي للغارة بالقرب من بلدة عراقية صغيرة على نهر دجلة، وهي تبعد نحو 190 ميلا (300 كيلومتر) إلى الشمال من العاصمة بغداد، كما أكد أحد ضباط الاستخبارات العراقيين. وتواصلت الصحيفة البريطانية مع 8 مصادر على دراية مباشرة بإصابات البغدادي. ولقد أفادوا جميعهم بأنه تعرض لإصابات بالغة في منطقة أسفل الظهر، تلك التي قللت من حركته كثيرا لعدة شهور قبل فترة النقاهة الطويلة.
وأثناء تلقيه للعلاج، كان هناك عدد قليل للغاية من الأطباء ومساعديهم كانوا يعرفون حقيقة حالته الصحية. وفي داخل التنظيم نفسه، كان عدد قليل أيضا خارج دائرة القيادة العليا للتنظيم ممن يعلمون بحقيقة الأمر. حتى المقربون من الرجل، ممن كانوا على معرفة سابقة بالبغدادي قبل بزوغ نجم التنظيم الإرهابي، تركوا لتخميناتهم الشخصية سبب الغياب المطول لقائدهم عن الاجتماعات التي كان تواجده فيها متوقعا ومطلوبا.
ونما إلى علم أحد كبار مسؤولي «داعش» وبعض من كبار المسؤولين العراقيين في وقت سابق، أن الغارة الجوية المذكورة قد وقعت بالقرب من الحدود السورية في 18 مارس العام الماضي. ولقد وقعت الغارة الجوية التي أصابت البغدادي في نفس الوقت تقريبا، ولكنها كانت على مسافة 100 ميل إلى الشرق.
ويدعى أحد المصادر الذين استجوبتهم الصحيفة حامد خليلوف، وهو عضو بارز في الفيلق الخارجي للتنظيم من أوزبكستان. وكان موقعه على مقربة من دابق في سوريا مع الشيشاني قائد التنظيم في شمال سوريا، والذي لقي مصرعه في غارة جوية قبل شهرين ماضيين. ولقد ألقي القبض على خليلوف في البليج، بالقرب من الشرقات، في أغسطس عام 2015. وتحدث عن اجتماع ضم البغدادي والشيشاني في بلدة البعاج في شمال غربي العراق، حيث كان البغدادي يتلقى العلاج. وأدلى خليلوف بتفاصيل تتعلق بلقائه مع البغدادي إلى ضباط الاستخبارات العراقيين.
وهناك سجين ثان، أدلى بمعلومات مفصلة حول إصابات البغدادي إلى مسؤولي الاستجواب العراقيين والأميركيين. كما أدلى رجل ثالث، كان على اتصال مباشر بزعيم التنظيم، بمعلومات أصر من خلالها على إخفاء اسمه وهويته. ولقد تمكنت صحيفة «الغارديان» من التحقق من هوية الرجل بصورة مستقلة. وكان هناك مصدر رابع وهو من كبار أعضاء «داعش»، والذي حافظت صحيفة «الغارديان» على تواصلها الوثيق معه عبر عدة سنوات.
وتأكدت الصحيفة من المعلومات المقدمة من المصادر الأربعة المذكورة، عبر أحد كبار ضباط الاستخبارات الإقليميين، وحكومتين غربيتين على اطلاع ودراية بتفاصيل الغارتين الجويتين وتعافي البغدادي من إصاباته. ولم يفضل أي طرف ذكر اسمه ضمن المعلومات، مشيرين إلى حساسية العلاقات مع مختلف شركاء الاستخبارات. وقال أحد المصادر الاستخباراتية: «علمت بإصابته. لقد كانت حادثة، ولم تكن الإصابة قاتلة. إنه يتحرك مجددا الآن، ولكن الأمر استغرق وقتا طويلا. ولدينا فكرة جيدة حول تحركاته بأكثر مما كان عليه الأمر من قبل».
ويقول دكتور هشام الهاشمي، أحد المؤلفين والباحثين العراقيين في شؤون «داعش»: «إن ذلك الأمر أصبح معروفا على نطاق واسع داخل دوائر الاستخبارات العراقية. ولقد استغرق الأمر وقتا طويلا حتى تأكدت المعلومات من طرف الأميركيين وغيرهم، ولكنها تأكدت الآن».
واشترك كبار أجهزة الاستخبارات الغربية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزلندا، وبين مختلف الشركاء أيضا في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأكراد، والعراق، تفاصيل إصابة البغدادي.
ومع ذلك، لا يزال النزاع قائما بين مسؤولي الاستخبارات الذين يريدون الإفصاح عن التفاصيل وبين صناع السياسة الذين يرغبون في بقائها طي الكتمان. ويقول أحد كبار المسؤولين من ذوي الدراية التامة بما حدث: «لا أستطيع أن أخبركم على وجه الحقيقة لماذا لا يريد الناس الحديث عن ذلك، وعلى الرغم من كل شيء، فإنه كانت هناك مناقشات مستمرة حول ما إذا كنا سنعلن الأمر ومدى استفادته منه؛ لأنه يمكنه القول إنه نجا من الغارة ببساطة وأنه على قيد الحياة». وأضاف المسؤول الكبير: «ما نعرفه جميعا هو أنه عاد مرة أخرى للتحرك منذ أواخر العام الماضي».
وفي بيان إلى صحيفة «الغارديان»، واصل أحد المسؤولين الأميركيين نفيه التام معرفته بالغارة الجوية التي استهدفت البغدادي، وقال: «ليست لدينا معلومات مؤكدة تفيد بتعرض البغدادي للإصابة بسبب إحدى الغارات الجوية. وإن مجتمع الاستخبارات الأميركي يعتبر أبو بكر البغدادي الزعيم الأول لتنظيم داعش، وهو المسؤول الأول عن القيادة فيه، بما يتسق تماما مع دوره الموضح من خلال دعاية التنظيم وأدبياته».
ويعتقد المسؤولون في الشمال الكردي من العراق وفي أوروبا، أن البغدادي وبعد تعافيه التام، بات يتحرك بانتظام في مختلف أرجاء شمال العراق وشمال شرقي سوريا. وخلال الأشهر الستة الماضية، كانت هناك مشاهدات مؤكدة للرجل في بلدة شدادي السورية وبلدة البوكمال القريبة من الحدود، كما أن هناك اعتقادا جازما أنه قام بزيارة قرية البعاج، والعباسية، وتلعفر في شمال غربي العراق، إلى جانب مدينة الموصل، وهي التي نصب نفسه فيها «خليفة» على ما يسمى إعلاميا بـ«داعش» والشام في يونيو (حزيران)، من عام 2014، في ظهور علني له في مسجد النوري بالمدينة.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.