الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى

ماخوس: المفاوضات مرهونة بإيقاف الموت والجوع وتثبيت الهدنة

الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى
TT

الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى

الهيئة العليا: الرقة ينتظرها مستقبل غامض.. وسوريا تعمها كارثة إنسانية كبرى

كشفت الهيئة العليا السورية للمفاوضات لـ«الشرق الأوسط» أن المناطق السورية المنكوبة مهددة بكارثة إنسانية لم تشهدها في تاريخها، في ظل الجوع والمرض والموت في المناطق المنكوبة. ورهنت مشاركتها في أي عملية سياسية بمحطة جنيف المقبلة، بـ«اختراق فعلي» في الملفات المتعلقة بالوضع الإنساني واحترام الهدنة وإطلاق سراح المعتقلين، وتثبيت الهدنة، رافضة عنوان «الرقة لمن يحررها».
الدكتور منذر ماخوس، الناطق الرسمي باسم الهيئة العليا، وسفير «الائتلاف» السوري لدى فرنسا قال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه: «إن الحديث عن مشاركة في أي عملية سياسية ما لم يتم حل الملفات المتعلقة بالوضع الإنساني واحترام الهدنة وإطلاق سراح المعتقلين، غير وارد». وأضاف أن تصريحات الناطق بما يسمى «قوات حماية الشعب» (الميليشيا الكردية) بأن «الرقة لمن يحررها»، مرفوضة جملة وتفصيلا، لأنها مشروع وطني شعبي، مقرّا في الوقت نفسه بصعوبة التكهن بما ستؤول إليه الرقة.
وفيما يتعلق باجتماع الهيئة بالرياض هذين اليومين، قال ماخوس: «الاجتماع الذي لم ينته بعد، حاولنا خلاله تقييم مجريات الأحداث على أرض الواقع والوضع السياسي منذ انتهاء المحطة الأخيرة من اجتماع جنيف وحتى لحظة هذا التصريح. إذ مرّ نحو شهر، وكان هناك قرار سياسي كبير، واتصالات لم تنقطع مع الدول الشقيقة والصديقة، واتصالات دولية وأخرى مع المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي ميستورا؛ إذ انعقدت اجتماعات دولية متتالية في كل من برلين وباريس وفيينا، حيث تم كل الحراك السياسي الذي حصل خلال المرحلة الماضية، فهناك محاولة اتخاذ موقف من محطة جنيف المقبلة، التي لم تتحدد حتى هذا التصريح».
ولفت الناطق الرسمي للهيئة العليا للمفاوضات، إلى أن موضوع المشاركة من عدمها هو «الموقف الذي يحتاج لمزيد من النقاش والتقييم، خاصة أن الهيئة لم تجتمع منذ نحو شهر أو يزيد». وأكد الدكتور ماخوس «رفض الهيئة العليا التصريحات التي أطلقها الناطق باسم الميليشيا الكردية تحت عنوان (الرقة لمن يحررها) وأنهم سيحررون الرقة ويضمونها لمناطق أخرى تتبع له». وقال: «كان الأوجب أن تتعاون قوات التحالف مع العشائر العربية المنتشرة في كل مناطق الرقة ودير الزور والميادين وكل شرق سوريا، حيث إن كل المنطقة تسكنها عشائر عربية صرفة، حتى الحسكة التي تعيش فيها عشائر كردية تعيش فيها أيضًا عشائر عربية، والمناطق المحيطة بالشرق والرقة كلها مناطق عربية».
وأكد ماخوس أن «هناك قبائل وعشائر لديها مشاكل كثيرة مع (داعش)، ومنها قبيلة العقيدات، ويرى أنه كان بالإمكان، أن تساهم هذه القبيلة، بقوة في تحرير الرقة، غير أنه لم يجر تدريبها ولا تسليحها، بل تم تجاهلها وبدلا من ذلك، كان التركيز كله على (قوات حماية الشعب) أو ما يسمى (قوات سوريا الديمقراطية) التي تضم مكونا عربيا ضئيلاً لكنها في الأساس قوات كردية». ومن ثم، شدد على «ضرورة مشاركة القبائل والعشائر الموجودة في تلك المناطق والتي تساند قوات الجيش الحر الموجود بكثافة على امتداد شرق سوريا في تحرير الرقة. ذلك أن تحريرها يستدعي أن تكون ضمن المشروع الوطني السوري». وشدّد على أن المنطقة «ليست منطقة كردية ولا غير كردية، وكل سكان المنطقة هم أقرب إلى الثورة، والجيش الحر والمعارضة». ثم لفت إلى أن أمر إضافة الرقة إلى مناطق أخرى «يعد مسألة عسكرية، غير أنه على مستوى الهيئة العليا، فإن تصريحات ممثل (قوات حماية الشعب) بشأنها مرفوضة جملة وتفصيلا.. ثم إن (قوات سوريا الديمقراطية) غير مؤهلة وغير قادرة على اقتحام الرقة».
ثم قال: «من الصعوبة بمكان التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع بشأن الرقة، غير أن موقفنا منها أنه يجب أن تكون من مناطق الشعب السوري والمعارضة والمشروع الوطني الشعبي». وأضاف: «سوريا مقبلة على كارثة إنسانية هي الأشد على مدى تاريخها، إذ تصاعد الجوع والمرض والموت في المناطق المنكوبة بشكل هائل، ولذلك لن نشارك في أي عملية سياسية ما لم يتم حل الملفات المتعلقة بالوضع الإنساني واحترام الهدنة وإطلاق سراح المعتقلين».
وأوضح ماخوس: «في ظل هذه الظروف الحرجة، نطالب بتنفيذ فوري لقراري مجلس الأمن الدولي 2254 و2268. ومنذ البداية وحتى هذه اللحظة فإن النظام السوري وحلفاءه لا يلتزمون بهما. ومنذ بدأت العمليات الإغاثية في بداية مرحلة ما بعد مؤتمر ميونيخ، وتحديدا في شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار) دخلت مساعدات معقولة نسبيًا، وإن كانت أقل من المطلوب كثيرًا، غير أنها توقفت فيما بعد». واستطرد: «الآن دخلت مساعدات في حدود أقل من 60 في المائة من المناطق المحاصرة و10.5 في المائة للمناطق صعبة التغطية، مما يعني أن القطر كله في حالة كارثية كاملة هناك أكثر من 5 بلدات لم تدخلها ولا حتى غرام واحد من المساعدات الإنسانية والطبية منذ خمسة أشهر».
وحول تصريحات المبعوث الأممي لدى سوريا دي ميستورا، بشأن وقوع مجاعة في المناطق السورية، قال ماخوس إنها حقيقة و«هناك كارثة مجاعة وموت وأمراض، ولذلك شروط المعارضة كانت وما تزال هي الفيصل قبل الذهاب إلى جنيف مرة أخرى». وأضاف: «ولكن دي ميستورا لم يستطع اتخاذ قرار، ولم يقدم دعوات للمفاوضات حتى هذه اللحظة، لأنه كما قال محبط.. وما لم يتم تقدم في الملف الإنساني فلن يدعو للتفاوض. وهذا يفسر عجز الأمم المتحدة عن اتخاذ قرار بشأن المفاوضات، والكل يعرف أنه ما لم يحرز تقدم في الملف الإنساني فلن يكون هناك مجال للمفاوضات»، على حد تعبيره.
وأوضح ماخوس: «إن حيثيات الوضع حاليا، تفسّر مغزى تصريحات دي ميستورا أمام مجلس الأمن الدولي بأن لا مفاوضات سورية قبل أسابيع. نعم ونحن أيضا على نسق ما قاله، ولكننا أكثر إلحاحا منه لأننا نحن المعنيون، ويجب على المعارضة المشاركة في تخفيف آلام الشعب السوري. والقضية الأولى للمعارضة هي الالتزام بمواقف سياسية معيارها إيصال المساعدات الإغاثية إنسانية وطبية لأنها مسألة مقدسة تمامًا، ومن دون هذا العنوان ليس هناك مجال للتفاوض». ومن ثم، شدد الناطق باسم الهيئة العليا على ضرورة الأخذ بدعوات أصدقاء سوريا بتثبيت الهدنة، لأنه - برأيه - أمر ملحّ.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.