رفيق عبد السلام لـ «الشرق الأوسط»: هناك خلافات.. ولا انقسامات في «النهضة»

القيادي البارز في «النهضة» وزير خارجية تونس السابق قال إن تجربة حزبه تختلف عن «إخوان» مصر واليمن والأردن والمغرب

رفيق عبد السلام لـ «الشرق الأوسط»: هناك خلافات.. ولا انقسامات في «النهضة»
TT

رفيق عبد السلام لـ «الشرق الأوسط»: هناك خلافات.. ولا انقسامات في «النهضة»

رفيق عبد السلام لـ «الشرق الأوسط»: هناك خلافات.. ولا انقسامات في «النهضة»

لم يحسم المؤتمر الوطني العاشر لحركة النهضة التونسية الخلاف حول تغيير تسميتها إلى «حزب النهضة الوطنية» أو «حزب نهضة تونس»، لكن اللوائح السياسية التي صادق عليها ثلاثة أرباع المؤتمرين الـ1200 صادقت على تغيير «هوية الحركة» من «جماعة إسلامية تقليدية» إلى «حزب مدني وطني» جامع لكل التونسيين والتونسيات بصرف النظر عن توجهاتهم وميولاتهم وخصوصياتهم. في الأثناء تتجه الأنظار إلى الاجتماع الأول لمكتب راشد الغنوشي، رئيس الحركة، الذي فاز في الانتخابات بنحو 75 في المائة من أصوات المؤتمرين، الذي تعهد بأن يمضي في «مسار الإصلاح» وتكريس «خيار الاعتدال والوسطية» ورفض «الغلو والتشدد» و«محاربة الإرهاب» وبأن يدعم خيار «التسوية السياسية» للأزمات في تونس وفي ليبيا وبقية دول المنطقة. حول هذه المؤشرات وغيرها كان هذا الحوار مع وزير خارجية تونس السابق القيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام.
* ما الذي سيتغير بعد المؤتمر الحالي لحركة النهضة الذي شارك في موكب افتتاحه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بحضور مئات الدبلوماسيين والضيوف الأجانب؟
- من خلال المناخ الإيجابي الذي دار فيه الحوار التعددي في المؤتمر عند مناقشة التقرير الأدبي ومشاريع اللوائح في النهضة ثم التصويت عليها بنسب تجاوزت غالبا الـ70 في المائة أعتقد أن مؤتمرنا الوطني ناجح؛ لأنه صادق على قرارات تؤكد أولوية المطالب الملفات الاقتصادية والاجتماعية على المشاغل العقائدية والدينية والآيديولوجية على الرغم من تمسكنا بالمرجعيات العربية الإسلامية للمجتمع التونسي. كما سنمضي في التخصص والفصل بين الدعوي الاجتماعي والسياسي بما سوف يساهم في دعم قدرات المجتمع المدني التونسي وتوضيح دور الأحزاب والمساهمة في تقوية دور الدولة.
* هل لن يتسبب مثل هذا التوجه «البراغماتي» والواقعي في بروز خلافات داخلية وتناقضات قد تهدد وحدة الحركة يستفيد منها المتشددون والغلاة الذين انتقدوا سابقا تنازلكم عن التنصيص على الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد؟
- الحوار واختلاف وجهات النظر داخل الحركات السياسية التعددية والديمقراطية مفيد، ويمكن أن يساعد في البناء والتجديد والإقناع. لقد نجحت حركة النهضة فيما عجزت عن تحقيقه كثير من حركات «الإحياء الديني» و«الجماعات الدعوية» التي نشأت قبل «حركة الاتجاه الإسلامي» التونسية وبعدها وبينها جماعات الإخوان المسلمين في مصر والأردن والإصلاح في اليمن والتوحيد والإصلاح في المغرب. نحن منفتحون ونؤمن بالتخصص لكننا في الوقت نفسه حركة وطنية تونسية تحديثية ذات مرجعيات تونسية وعربية إسلامية. لقد استكملنا النجاحات السياسية الوطنية وبينها صياغة الدستور التونسي الجديد في يناير (كانون الثاني) 2014، ثم تنظيم الانتخابات التعددية النزيهة في 2014، واليوم نحن ماضون في إعطاء الأولوية للملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تهم شعبنا. ونعتقد أن الأداة أحزاب مدنية وطنية حداثية بينها حزبنا الذي يعتز بمرجعياته الإسلامية. حركتنا كانت الحزب الأول في المجلس الوطني الذي صاغ ذلك دستور 2014 الذي أكد مدنية الدولة واحترام حقوق الإنسان مثلما أكد مرجعيات يكاد يوجد حولها إجماع في تونس منذ 1959 من بينها ما جاء في الفصل الأول من الدستور عن النظام التونسي الجمهوري وعن كون «تونس دولة حرة مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها».
* يعتبر خصومكم في تونس وخارجها أن حركتكم مطالبة أولا بالفصل بين الديني والسياسي وليس بين «الدعوي» والحزبي؟ كما يتهكمون بأنكم تعيدون إنتاج تجارب مماثلة اعتمدتها حركات إسلامية في المغرب واليمن ومصر والأردن؟
- أولا تجربة حركة النهضة التونسية تختلف عن تجارب حركات إسلامية في بلدان شقيقة بينها المغرب ومصر والأردن واليمن؛ حيث كانت «الجماعة الإسلامية» - أو حركة الإخوان المسلمين - تؤسس حزبا سياسيا تابعا لها أو جمعيات خيرية ودعوية موالية. بالنسبة إلى تونس لم تعد هناك ثنائية بين حركة النهضة التي أصبحت حزبا سياسيا مدنيا وسطيا قانونيا وليس لنا بالتوازي «جماعة إسلامية» أو إخوانية. ليس لدينا في تونس تنظيم «إخوان» أو «إصلاح» مواز للحزب السياسي. في الوقت نفسه لن توجد في تونس «جمعيات خيرية» يسيرها قياديون ومسؤولون من حزب النهضة. الأمور واضحة بالنسبة إلينا مثلما يوضحها الدستور والقانون: الأحزاب للمشاركة في الانتخابات وفي الحكم وتسيير الدولة، والمجتمع المدني مفتوح على الجمعيات الخيرية والتوعوية والاجتماعية والثقافية الذي نسعى إلى أن يكون قويا ومؤثرا وناجعا.
لقد أكدت الكلمة الافتتاحية للمؤتمر ثم التقرير الأدبي الذي قدمه الأستاذ راشد الغنوشي، زعيم النهضة ومؤسس حركة الاتجاه الإسلامي قبل 35 عاما، عن تميزنا عن مدارس إسلامية كثيرة - وبينها تجارب الإخوان المسلمين -، لكننا نؤكد في الوقت نفسه أن «مدنية الدولة والحزب «لا تعني التخلي عن هوية الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا وهي هوية عربية إسلامية. وقد أقر بذلك رئيس الدولة ومؤسس حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي خلال خطابه الافتتاحي في مؤتمر الحركة الذي أكد فيه مجددا عن تمسكه بالشهادة التي سبق أن أدلى بها عام 2011 في قمة العمالقة الـ20 في فرنسا بحضور رؤساء الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان، التي تضمنت تنويها بالصبغة الديمقراطية لحركة النهضة التونسية وتوجهاتها.
وأريد أن أسجل هنا أن الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه في قيادة الحركة الوطنية التونسية والمغاربية سبق لهم أن تفاعلوا مع تجارب إصلاحية ووطنية في مصر وفلسطين وسوريا والمشرق العربي والإسلامي. كما سبق للوطنيين منذ مطلع القرن الماضي أن استضافوا رموز التيار الإصلاحي في المشرق، مثل العلامة محمد عبده الذي زار تونس مرتين بطلب من أعلام جامع الزيتونة ورواد الحركة الوطنية.
إذن فنحن لدينا خصوصياتنا التونسية والمغاربية ونحرص على مزيد ترشيد مسارنا السياسي، ونحترم تجارب بقية الدول والحركات الإصلاحية وخصوصياتها.
* تتابع مباشرة منذ أعوام ملف المفاوضات بين كل الأطراف السياسية الليبية وجهود الوساطة الأممية قبل مفاوضات الجزائر ثم الصخيرات المغربية وبعدها.. كيف تنظر إلى «المأزق» الذي وصل إليه مسار التسوية السياسية الأممية في ليبيا وحكومة فايز السراج؟
- نحن في تونس نتحاور مع كل الأطراف السياسية الليبية، ونشجعهم جميعا على تسوية النزاعات بينهم سياسيا وعلى استبعاد مقولات «الحسم العسكري». وفي هذا السياق نشجعهم جميعا على المضي في مسار التسوية الذي ترعاه الأمم المتحدة وتدعمه دول جوار ليبيا والدول المغاربية التي تسعى إلى تكريس نتائج توافقات استوجبت محادثات مارطونية مطولة في تونس والجزائر والمغرب وروما وجنيف ومدن ليبية وعربية كثيرة.
انتصار خيار السلم في ليبيا سوف يخدم أولا شعب ليبيا، ويؤدي إلى إنجاح مخططات القضاء على العنف والإرهاب. في الوقت نفسه سوف يؤدي إلى إنجاح مخططات محاربة «داعش» والميليشيات المسلحة التي تهدد أمن تونس ومستقبلها والشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وبعد أن اعترفت الأمم المتحدة ودول المنطقة بمجلس الرئاسة الليبي بزعامة فايز السراج، وتقدم خطوات نشر السلم في ليبيا تتأكد أكثر وجاهة موقفنا المعارض لإقحام ليبيا في حرب جديدة وفي مرحلة جديدة من الاقتتال والتدخل العسكري الأجنبي.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.