أفلام الثنائي التحري.. تعود إلى الواجهة

وجهان لكل بطولة في أي عمل سينمائي

راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»
راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»
TT

أفلام الثنائي التحري.. تعود إلى الواجهة

راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»
راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»

«الفتيان الطيّبون» (The Nice Guys) جديد من المخرج الآتي من الكتابة شون بلاك يجمع فيه بين الممثلين راسل كراو ورايان غوزلينغ في دوري تحريين خاصين يبحثان عمن قتل الفتاة التي يشكل موتها لغز هذا الفيلم.
الأحداث تقع في لوس أنجليس عام 1977 وللتأكيد هناك فرقة موسيقية تعزف في حفلة مقطوعة «سبتمبر» (لفرقة Earth‪,‬ Wind ‪&‬ Fire). المشكلة الوحيدة هنا هي أن المقطوعة طرحت في الأسواق بعد عام ونصف العام على ذلك التاريخ.
لكن إذا ما سُمح لغودزيللا أن يهدم سان فرانسيسكو وهي لا تزال قائمة، يمكن القبول بغلطة كهذه أو كالمرور من تحت إعلان لفيلم «جوز 2» علما بأن هذا الفيلم شهد عرضه الأميركي الأول في السادس عشر من يونيو (حزيران) سنة 1978 وليس سنة 1977.
جاكسون (راسل كراو) وهولاند (غوزلينغ) تحريان خاصان والعادة درجت في السينما على أن يحتفي الفيلم الذي يقدّم رجلين من المحققين، أو رجلين من البوليس (براد بت ومورغان فريمان في «سبعة») أو الذي يقدم رجلين أحدهما من رجال القانون والآخر من الخارجين عنه (مثل إيدي مورفي ونك نولتي «48 ساعة») هو التركيز على الفوارق بين الرجلين ومحاولة خلق مشاحنات ومواجهات قائمة على هذه المنطقة السلوكية والشخصية بالتحديد.
* تماثل طباع
المسألة تبدأ عادة بتبرير وجود بطلين متساويين يحققان في جريمة واحدة، ثم تمتد لتشمل تقديم كل منهما بمراجعة شخصية مختلفة تلقي الضوء على سلوكياته المتناقضة مع سلوك زميله كأن يكون أحدهما أكثر ميلاً للعنف، أو أن يكون قليل الثقة بزميله، أو أقل منه صمودًا في وجه التحديات أو أنه الشرطي الجيد بينما الآخر هو الشرطي الفاسد. وكل ذلك يوجه المخرج (تبعًا للسيناريو غالبًا) إلى اختيار واحد من وجهتين:
إما تقديم الفيلم على نحو جاد كما الحال في «سبعة» لديفيد فينشر (1997) أو كما حال بطلا «مطر أسود» مايكل دوغلاس وأندي غارسيا (المتحالفين مع الياباني كن تاكاكورا) في «مطر أسود» لريدلي سكوت (1989).
وإما تقديم الفيلم على نحو يثير السخرية والضحك بناء على تناقضات الشخصيتين كما الحال في «حرارة مدينة» (1984) الذي قام كلينت إيستوود فيه بتمثيل التحري الرصين في حين تكفّل بيرت رينولدز بأداء شخصية المثير للطرافة طوال الوقت (الفيلم أسوأ عمل قام كل منهما بتمثيله).
بناء التناقضات مهم لأن أي فيلم من بطولة ثنائية يحتاج، حسب منظور صانعيه، لشحنة مثيرة من تلك التناقضات الخصوصية. مل غيبسون أبيض وشريكه داني كلوفر أسود في «سلاح قاضٍ» (1987 لرتشارد دونر) وما تلاه. أميركي (روبرت ميتشوم) وياباني (كن تاكاكورا) في فيلم سيدني بولاك «الياكوزا» (1974) أو رجل (كلينت ايستوود) وامرأة (تين دالي» في «الفارض» (1976) لجيمس فارغو.
طبعًا من الأصعب أن تكون الشخصيتان متماثلتين في الطباع (ولو بقدر محدد) لأن تماثلهما يفرض البحث عن مناطق خلاف تثير الإشكال واهتمام المشاهد في نواحٍ أخرى. بينما من السهل تقديمها من المنطلق ذاته الذي شكله معظم من قام بأدوار ثنائية من فجر السينما وإلى اليوم: لوريل (النحيف) وهاردي (البدين)، أبوت (النحيف والجاد) ولو كوستيللو (البدين والخائف)، والتحري الصيني تشارلي شان (الملم والذكاء) وابنه الشاب الذي يحاول تقليد أبيه ويقع في أخطاء.
في الأفلام البوليسية كثير من الأمثلة في هذا الشأن. لكن كما أن تقديم شخصيتين متساويتين يحتاج إلى موهبة تعرف كيف تنبش في بدائل أخرى، لأنها لو لم تفعل لسقط الاهتمام بهما معًا، فإن تقديم التناقض وتعزيزه بالمواقف والمشاهد الكفيلة قد ينقلب سحره على الساحر كما حدث في «حرارة المدينة»، إذ أشبع مشاهديه سخرية من كلا بطليه وكما في Cop Out مع بروس ويليس وترايسي مورغن اللذين لا شأن لهما طوال الفيلم سوى معارضة كليهما للآخر.
* الأبيض وشريكه
العادة التي نراها في نحو 150 فيلمًا من هذا النوع القائم على بطولة ثنائية في أفلام بوليسية، هي شحذ ذلك الاختلاف الطبيعي لخلق أحداث تنبع من ذاته. هذا لا يتحقق دائمًا، وحتى حين يتحقق فإن المهمّة قد لا تُنجز جيدًا إذا ما تم فرض تلك الاختلافات على نحو سطحي أو مباشر.
بالتالي، هناك نماذج أفضل من أخرى بطبيعة الحال، وتلك الجيّدة تبقى جيدة على الدوام حتى ولو نظرنا إليها بعد عقود من تحقيقها.
فيرجيل تيبس (سيدني بواتييه) هو تحرٍّ أفرو - أميركي من المدينة أخذ فرصة ليزور قريبًا له في بلدة جنوبية. يلتقطه البوليس الأبيض مشتبهًا به بمجرد وقوع جريمة قتل. تنطلق أحداث «في حرارة الليل» (نورمان جويسون، 1967) لتنتقد تلك العنصرية المنتشرة ليس فقط بين مدنيين بيض في تلك البلدة، بل بين رجال قانون بيض (يرأسهم رود ستايغر) حتى من بعد إطلاق سراح التحري الأسود. فجأة يحتاج رئيس البوليس لذكاء التحري فيرجيل لحل جريمة القتل. لكنهما لن يعملا معًا. كبرياء رئيس البوليس المزيّف يمنعه من ذلك.
أسود وأبيض هي المعادلة التي تنتقل إلى فيلمين آخرين هما «هيكي وبوغز» (1972) مع التحري الأبيض روبرت كالب (أخرج الفيلم) والأسود (بل غوسبي)، لكن الفيلم بدا مثل إعلان مدفوع الثمن عن أهمية التعايش فسقط في أرضه. وهي المعادلة الأنجح في فيلمي «سلاح قاضٍ» لرتشارد دونر و«48 ساعة» لوولتر هل.
لا يبني «سلاح قاضٍ» تناقضاته على مسألة صراع عنصري، فالأبيض مل غيبسون ليس عنصريًا على الإطلاق ولا داني كلوفر في موقع دفاع عن النفس وتأكيد الذات. ما يذهب إليه الفيلم، تحت إدارة جيدة من المخرج رتشارد دونر، هو تصوير منهجي عمل بين رجل أعزب يضع الحياة والموت في ميزان واحد فيقدم على المخطرات من دون حساب، بينما يعاين الآخر وضعه كربّ عائلة ويمارس المنطق الواقعي في كل شيء ويثمن الحياة على الموت تبعًا لذلك.
«48 ساعة» يختلف من حيث إنه يدور حول شرطي (نك نولتي) مفرط في الاعتداد بنفسه ويميل إلى البطش ولا يقيم وزنا كبيرًا للآخرين (خصوصًا إذا كانوا من عنصر آخر) ولص محكوم عليه بالسجن (إيدي ميرفي) يخرجه الأول لمساعدته في الإمساك بمجرمين خطرين. واحد من الطرق لتحويل بؤرة الصراع بين هاتين الشخصيّتين إلى ما هو مجد وبذلك تجنب الغرق في الكليشيات والإكثار من تكرارها، هو تصوير عنف المجرمين، مما يحيي قيمة بطلي الفيلم أكثر وأكثر.
«سبعة»، فيلم ديفيد فينشر الممتاز (1995) يلغي المعادلات السابقة ويجرؤ على تقديم تحريين من عنصرين لكن مع معاملة كل منهما معاملة مستقيمة رصينة واحدة ومن حجم لا تفضيل عليه. سومرست (مورغان فريمن) يتميّز بالخبرة وميلز (براد بت) بالإقدام وعندما ينجح المجرم (كَفن سبايسي) بالنيل من الثاني يخلق منه وحشًا آدميًا ولو إلى حين. المادة المستخدمة لتقديم حكاية بوليسية برأسين تختلف من حيث تعتمد على الأبيض والأسود كتنويع اجتماعي وليس على محاولة تنميط كل منهما ليكرر مفادات لا قيمة لها.



بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.