زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق

السفير الأميركي السابق لدى العراق وأفغانستان أكد أن إيران «رفضت تسليمنا» رجال «القاعدة» أو إعادتهم إلى الدول التي جاءوا منها

زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق
TT

زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق

زلماي خليل زاد لـ «الشرق الأوسط»: لا حل في سوريا.. يعني لا حل في العراق

المعروف عن زلماي خليل زاد، عقله الاستراتيجي. إطلالته على الحياة كانت في أفغانستان في مزار الشريف، وكان والده جاء من الشرق، وإطلالته على العالم كانت من بيروت. حط رحاله عبر منحة دراسية في الجامعة الأميركية، ففتح المؤرخ حنا بطاطو عينيه على الشرق الأوسط وتعقيداته ومشكلاته وإبعاده، بعد ذلك لم ينظر خليل زاد إلى الوراء إلا عبر مهمات كلفته بها الإدارات الأميركية.
هذا الشهر أصدر كتابه «المبعوث»، وفيه شبه سيرة حياة ذاتية، إضافة إلى تفاصيل غير معروفة عما جرى في أفغانستان والعراق بعد عمليات، 11 سبتمبر 2001، إذ عمل سفيرًا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة وأفغانستان والعراق. وكم تكون جعبة السفير عادة كبيرة، لكن مع خليل زاد الجعبة فيها قرارات شارك في اتخاذها.
في حديثه مع «الشرق الأوسط» يحكي كيف شارك بإجراء اتصالات مع كل القوى الإقليمية في المنطقة قبل غزو العراق «كان لإبلاغهم أنه إذا كان لا بد من الحرب فما أهدافنا تشكيل حكومة بسرعة وبأننا نريد عراق غير عدائي للدول المجاورة»، لكن كما يقول، بدأت الأخطاء، وكان أولها «الانتقال من التحرير إلى الاحتلال».
أكد أن بول بريمر لم يكن مخولاً حل الجيش العراقي «كان هذا من الأخطاء، وكذلك اجتثاث حزب البعث». قال خليل زاد بالنسبة إلى سوريا إنه «لا نزال نستطيع إقامة ملاذات آمنة، وعلينا أن نبحث أين، هل على الحدود مع تركيا أو مع الأردن أو مع الاثنين معًا، وأيضًا إقامة مناطق ممنوع التحليق في أجوائها».
رأى أن التسوية في المنطقة تتطلب مواجهة التصرفات العدائية لإيران، وأن يكون هناك توازن قوى يمنعها من السعي للسيطرة أو تحقيق السيطرة على المنطقة. ونصح بأن تأخذ دول المنطقة العبرة من حرب الـ«30 سنة في أوروبا» و«اتفاقية وستفاليا» التي أنهت الحروب بين الملوك الكاثوليك والملوك البروتستانت.
ولفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن زعماء شيعة عراقيين عبروا عن رغبتهم بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة والعالم «لا يريدون أن يكونوا معتمدين أو متذللين لإيران». واشتكوا من أن «إيران لم تحترمهم أبدًا وتتدخل في علاقات العراق».
* لماذا نشرت كتابك «المبعوث» الآن؟
- لأنني احتجت إلى كثير من الوقت لأجري الأبحاث والمراجعات، وأردتُ الوقت لأفكر بالدروس التي تعلمتها خلال خدمتي سفيرًا لدى أفغانستان والعراق والأمم المتحدة، ونشرته الآن لأن الانتخابات الرئاسية الأميركية هي وقت مناسب لمثل هذا الكتاب ليلفت الانتباه.
* ماذا تفعل الآن في كابل؟
- ألقيت كلمة التخرج في «الجامعة الأميركية في أفغانستان»، ومنحت شهادة فخرية.
* كنتُ حاضرًا في المؤتمر الصحافي الذي عقده المرشح الجمهوري دونالد ترامب عندما أعطى سردًا عن سياسته الخارجية. هل كنت وراء النص الذي ألقاه؟ وهل أنت على استعداد للعمل في إدارته؟
- لم أكن وراء النص، ولأنني في مجلس إدارة مؤسسة «ذا ناشيونال إنترست» التي ألقى فيها كلمته، فقد طلب مني مجلس الإدارة أن أقدمه. بالنسبة إلى العمل في إدارته، إذا طلب مني وشعرت أن بإمكاني تقديم مساهمة إيجابية، نعم قد أقبل.
* وماذا عن إدارة على رأسها هيلاري كلينتون؟
- الموقف نفسه.
* كنت «صقرًا»، هل هدأت مع الأيام؟
- ما زلت من المتشددين في السياسة الخارجية، أومن بدفاع أميركي قوي، أومن بالتحالفات القوية ونشر القيم الديمقراطية الأميركية. في هذا المجال لم أتغير، لكنني تغيرت فيما يتعلق بما يمكن عمله، ما هي نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا. تغيرت في مفهوم التكتيك وحتى الاستراتيجية لكن ليس فيما يتعلق بالأهداف.
* أشرت في كتابك إلى أنه بعد انسحاب جيش صدام حسين، فقدت واشنطن أهمية تشكيل حكومة انتقالية. هل كانت تلك أول غلطة ارتكبت في العراق؟
- أعتقد أن أول غلطة كانت الانتقال من التحرير إلى الاحتلال، والثانية كانت حل الجيش العراقي، والثالثة التعمق في اجتثاث البعث، وتكليف لجنة سياسية لتطبيق ذلك، والرابعة على اعتبار الثلاثة الأوائل، عدم وجود قوات عسكرية كافية للمحافظة على الأمن. إن المزيج من وجود أميركي صغير، إضافة إلى الأخطاء الثلاثة التي ذكرتها، أوجد وضعًا غير مستقر وغير آمن في العراق.
* هل يمكننا القول إن الولايات المتحدة فشلت في أفغانستان والعراق؟
- لا يمكن القول إننا فشلنا، بل أنجزنا أقل بكثير مما أردنا.
* هل يمكن أن أربطك بما حققت الولايات المتحدة، لأنك كنت سفيرًا لدى أفغانستان ولدى العراق؟
- في حال أفغانستان، حاولت منذ البدء إقامة حكومة أفغانية وطنية مباشرة بعد بدء العمليات العسكرية ضد «طالبان»، دافعت وساعدت الأفغان على بناء مؤسساتهم في الجيش، والشرطة، والدستور وعددًا آخر من المؤسسات وتقليص دور الميليشيات، وتخفيض أهمية أمراء الحرب. أعتقد أن فترتي من عام 2003 حتى 2006 كانت فترة ناجحة نسبيًا فيما بعد الغزو الأميركي لأفغانستان.
أما بالنسبة إلى العراق فقد ذهبت إلى هناك بعدما كانت الأخطاء التي ذكرت قد وقعت، وحاولت التغلب على بعضها بالعمل مع كل الأطراف، وجلب السنّة إلى العملية السياسية، حيث كان السنّة العرب قاطعوا الانتخابات الأولى التي جرت في العراق. حاولت إشراكهم بكثافة، وتنقلت بينهم وبين شيعة وأكراد العراق للتوصل إلى دستور صادق عليه الشعب العراقي ولجعل السنّة يشاركون في الانتخابات عام 2005، وإقامة حكومة وحدة وطنية شارك فيها السنّة والشيعة والأكراد، لكن، يجب أن أعترف بأنني لم أحقق نوع النجاح الذي كنت أتوق له فيما يتعلق بتقليص العنف، وإعادة الاستقرار إلى العراق، لكن أجرينا تعديلات بحيث مع الوقت خففت العنف، وأعتقد أن الرئيس جورج دبليو بوش ارتكب بعض الأخطاء في البداية، لكنه صححها بعد ذلك، واعترف له بذلك. لكن الرئيس باراك أوباما ارتكب خطأ بكيفية انسحابه من العراق. هذا ملخص عن نظرتي لفترتي في العراق.
* قلت إنك والسفير ريان كروكر عملتما معًا أولاً في أفغانستان ولاحقًا خلال المحادثات مع إيران التي سبقت الغزو العراقي. ما أكثر ما تتذكره من تلك المحادثات؟ ما كانت الشروط والطلبات الإيرانية؟
- أعتقد أنه من الواجب القول إنه كجزء من بحث السياسة الأميركية في العراق، واحتمال أن تغزو الولايات المتحدة العراق في حال لم يتم التوصل إلى حل مُرضٍ يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، أجرينا اتصالات مع كل القوى الإقليمية حول العراق، ولأننا تكلمنا مع مسؤولين في تركيا ودول الخليج، تحدثنا أيضًا مع مسؤولين في إيران.
* هل أعددتموهم للحرب؟
- كان لإبلاغهم أنه إذا كان لا بد من الحرب، ما أهدافنا، ما سنفعله في العراق من أننا لا نريد أن نحكم، بل تشكيل حكومة بسرعة، وبأننا نريد عراق غير عدائي لتركيا أو لدول الخليج أو لإيران. وإذا كان لا بد من الحرب وأسقط صدام حسين طائراتنا، وقفز الطيارون إلى إيران بالذات، لأن علاقاتنا جيدة مع الدول الأخرى، وليس مع إيران، أردنا منها التعاون في إنقاذ الطيارين، وأن عليها ألا تتدخل بعملياتنا خصوصًا إذا عبرت طائراتنا أجواءها.
أيضًا خلال محادثاتنا المسبقة مع إيران، طرحنا مسألة وجود «مجلس إدارة تنظيم القاعدة» الذي لجأ إلى إيران بعدما غادر أفغانستان. بحثنا هذه المسألة مع إيران. من ناحيتهم أشركنا الإيرانيون بتقييمهم للوضع في العراق و«ما يفضلون»، - إذا أحببت - وماذا يجب أن يحصل في العراق بعد الغزو الأميركي. لم نتوصل إلى اتفاق كامل معهم حول مسألة «القاعدة»، أردنا منهم تسليم أعضاء «القاعدة» إلى الولايات المتحدة، أو إعادتهم إلى أفغانستان، أو إرسالهم كافة إلى الدولة التي أتوا منها. ما فعله الإيرانيون أنهم وضعوهم في الإقامة الجبرية ولم يأخذوا بطلبنا.
* الذي رفض هذه الاقتراحات كان محمد جواد ظريف؟
- كان هو الطرف الإيراني الذي فاوضته، لكن لا أعتقد أنه كانت لديه سلطة مناقشة هذه المسائل بالتفصيل. نعم، أخذ الإيرانيون ملاحظات بما قلناه، لكنهم لم يردوا إن كانوا سيتعاونون بهذه الطريقة أو بغيرها.
* كانوا ينتظرون الإطاحة بصدام حسين؟
- من الواضح أنهم كانوا يتطلعون إلى الإطاحة بصدام حسين إذا وقعت الحرب، اعتقدوا أننا سنكلف جنرالاً آخر بالحكم، ربما جنرال سنّي، لذلك فوجئوا وربما لم يصدقوا أننا سنقيم حكومة تكون منتخبة من الشعب، واعتقدوا أننا سنتعرض للهجوم بأسلحة الدمار الشامل عندما نقترب من بغداد.. هذا ما أتذكره حول النقاط التي طرحوها.
* ربما كانوا أذكى منكم، أنتم انسحبتم وهم ملأوا الفراغ؟
- هذا ما قلته عن قرار الرئيس أوباما بالانسحاب. فالفراغ الذي تسبب به الانسحاب، حاول من جهة الإيرانيون ملأه، ومن جهة أخرى ارتبط الأتراك بعلاقات مع بعض المجموعات الكردية في العراق، ومع بعض المجموعات السنّية العربية، «الإخوان المسلمين»، وكذلك تدخلت بعض الدول العربية، ونتيجة لذلك تمزق العراق، وفي الوقت نفسه تلقينا تأكيدات من رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي بالمحافظة على تركيبة الجيش العراقي الجديد. خلال وجودنا شجعناه وساعدناه لتسليم المسؤولية لضباط محترفين، وعندما انسحبنا أعتقد أنه تخوف من انقلاب عسكري ضده، لأنه كان يحكي لي باستمرار عن خطر الانقلاب، بالذات من قبل الضباط البعثيين. لذلك عندما انسحبنا جاء بضباط سياسيين ليحلوا محل الضباط الحقيقيين، جاء بالمخلصين له ولحزبه، وأعتقد أن هذا الأمر زعزع التقدم الذي كان حققه الجيش العراقي.
* ما تخوف منه أي الجنرالات البعثيين، صاروا الآن مع «داعش»، عادوا ليلاحقوه؟
- أعتقد أن ذلك كان سوء حساب منه، لكن هناك خطأ آخر ارتكبه بعد انسحابنا، وهو العودة إلى سياسة تقسيم مذهبي، مع إساءة معاملة العرب السنّة. هذه الأمور إلى جانب الأزمة في سوريا أوجدتا الظروف لنمو «داعش» في البلدين.
* هل كذبت إدارة جورج دبليو بوش أثناء الاستعداد لغزو العراق؟ وهل الرئيس أوباما لم يكن أبدًا جديًا في نياته منع إيران من الحصول على السلاح النووي، كما قال أخيرًا ليون بانيتا وزير الدفاع السابق؟
- لا أعتقد أن الرئيس بوش كذب فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، أعتقد أن استخباراته واستخبارات دول أخرى كثيرة صدقت أن صدام حسين لديه الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وأنه كان بصدد الحصول على الأسلحة النووية، لكن تبين أن الاستخبارات كانت على خطأ، لكن المعلومات الاستخباراتية التي كانت أمام الرئيس بوش عندما اتخذ قرار غزو العراق كانت تقول إن صدام لديه أسلحة الدمار الشامل. لاحقًا اكتشفنا أن صدام كان يريد ردع إيران من الهجوم على العراق، ورأى أنه بالادعاء بأنه يملك أسلحة الدمار الشامل يستطيع أن يردعها.
حسابات صدام تجاه إيران ربما ساعدت في التوصل إلى المعلومات الاستخباراتية التي أدت إلى غزو العراق، لكنها كانت معلومات خاطئة.
* هذا يعني أننا نستطيع أن ندعي أي شيء، والاستخبارات الغربية تصدق من دون التحقق أكثر؟
- من دون شك. وكلنا نعترف بأن الاستخبارات كانت فاشلة وكانت خاطئة، لكن من دون هذه المعلومات لا أعتقد أن الرئيس بوش كان غزا العراق، لأن مزيج تلك الاستخبارات وعمليات 11/ 9، حسب تقديري، وفرت الجو للرئيس بوش لاتخاذ قرار الغزو. لو أن الاستخبارات استنتجت أنه لا أسلحة دمار شامل، ولو أن عمليات 9 / 11 لم تقع، لا أظن أن الرئيس بوش كان غزا العراق.
* ماذا عن الرئيس أوباما بأنه لم يكن جديًا بمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية؟
- أنا لم أقرأ تصريحات السيد بانيتا بأن الرئيس ما كان سيفعل ما قال إنه سيقدم عليه لو أن الدبلوماسية لم تنجح. لقد كان أمام الرئيس كل الخيارات لمنع إيران من الحصول على النووي، بما فيها الخيار العسكري. لا أستطيع أن أحكم، لم أكن جزءًا من الإدارة، لا أملك حرية تفسير ما إذا كان الرئيس قصد ما قال أو لم يقصد ذلك.
* لدى الولايات المتحدة تجربة في إيجاد ملاذات آمنة، ومناطق ممنوع التحليق فوقها، كما فعلت في العراق. لو فعلت ذلك في سوريا هل تعتقد أن أوروبا ما كانت لتعاني من أزمة اللاجئين، وأن الحرب في سوريا كانت انتهت؟
- لا أعرف بالنسبة إلى الحرب واحتمال انتهائها. لكن أعتقد أنه كان خطأ عدم إقامة منطقة آمنة ومنطقة ممنوع التحليق فوقها، لأنه حتى ولو لم تكن الحرب انتهت الآن، لكان لوضع أفضل مما هو عليه اليوم. لدينا تجربة في هذه المسائل، أقمناها شمال العراق في كردستان بعد الغزو العراقي للكويت عندما تحرك صدام ضد الأكراد، ودفعهم للهرب إلى تركيا، كنت واحدًا من إدارة جورج بوش الأب، وخططنا في البنتاغون لإنشاء منطقة ممنوع الطيران فوقها، فمنعت كثيرًا من الأكراد من التوجه إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، أيضًا المنطقة أوجدت أمنًا للسكان، وأعتقد بالتالي أنه كان علينا فعل الشيء نفسه في سوريا، منطقة ملاذ آمن، ومنطقة ممنوع التحليق فيها، مما كان سيؤدي إلى احتمال التوصل لتسوية أفضل، وكان يمكن تشكيل حكومة أكثر تمثيلاً للسوريين.
* إذا فشلت الدبلوماسية في سوريا. ماذا سيحصل؟
- المزيد من الصراعات، المزيد من اللاجئين، وأعتقد أن الوقت ليس متأخرًا لاتخاذ خطوات لإقناع بشار الأسد بالموافقة، ليس فقط على وقف إطلاق النار، إنما على تسوية أيضًا تكون مقبولة بشكل واسع من السوريين، وأعتقد أنه لا نزال نستطيع أن نبحث عن إقامة ملاذات آمنة، وأين؟ في أي منطقة من سوريا، هل على الحدود مع تركيا، أو الحدود مع الأردن أو على طول حدود الاثنين معًا؟ ويجب أن ندرس أيضًا إقامة مناطق ممنوع التحليق فوقها، ومضاعفة مساعدة المجموعات الأكثر اعتدالاً من المتطرفين، ويمكنهم أن يزيدوا من الضغط على الحكومة السورية.
* وهل تعتقد أن لبشار الأسد دورًا في كل ما ذكرته، أم أن عليه أن يغادر؟
- أعتقد أنه في النهاية من أجل التوصل إلى تسوية في سوريا يحتاج بشار الأسد إلى الذهاب، وأن تحل محله حكومة موسعة في سوريا. في سوريا الوضع الآن كالتالي:
حرب ضروس تسببت بمعاناة المدنيين، ولا أعتقد أن المعارضة السورية، ما دامت قادرة على القتال، أو القوى الإقليمية التي تدعم المعارضة مثل تركيا والمملكة السعودية ودول أخرى، ستوافق على التعاون مع بشار ضد الشعب السوري. لذلك فإن التسوية تتطلب تغييرًا في الحكومة، إلى حكومة انتقالية، ومن ثم حكومة دائمة تمثل الشعب السوري أكثر. لا يمكن القبول بأنه في العراق يصر الإيرانيون على أن يكون للأغلبية دور في إدارة البلاد، ويصرون في سوريا على أن تدير أقلية شؤون الحكم.
أعتقد أن هناك حاجة إلى تسوية إقليمية بين إيران وتركيا والسعودية حول قواعد المنافسة في المنطقة، التي تتطلب تطبيق بعض المبادئ، على أن تلتزم كل الدول بهذه المبادئ، لكن ما دام لا حل في سوريا، لن يكون هناك حل في العراق فالأتراك وبعض الدول العربية لن يقبلوا ما يحدث في العراق، إذا لم تتم تسوية سورية على المبادئ نفسها.
* لدي بضعة أسئلة هنا: أشرت إلى تسوية ضرورية بين إيران وتركيا والمملكة السعودية، كيف يمكن حدوث ذلك إذا كان أحد الأنظمة (إيران) توسعيًا ويريد تصدير الثورة، وكما قلت يريد أن يحكم الأغلبية في العراق والأقلية في سوريا. كيف يمكن بحث تسوية مع نظام كهذا؟
- أعتقد أنه يمكن التوصل إلى تسوية إذا حدث تغير في التوجه الإيراني. والتغير يمكن أن يحدث، إذا صار ما يقومون به في العراق وسوريا أكثر تكلفة لهم، وكان هناك توازن قوى في المنطقة يمنع إيران من السعي للسيطرة أو تحقيق السيطرة على المنطقة.
إذا توصلت إيران مع تركيا والمملكة السعودية إلى قناعة بأن مواصلة الصراع في مناطق مثل سوريا أو اليمن حيث كل طرف يدعم أطرافًا تقاتل الأخرى، بأنه مكلف جدًا للمنطقة ولهم. أخذت هذه العبرة من تجربة أوروبا وحرب 30 سنة بين الملك الكاثوليكي والملك البروتستانتي، حيث قررا في النهاية أن استمرار الحرب مكلف جدًا للجميع، وتوصلا إلى «اتفاقية وستفاليا» التي أنهت الحروب الكاثوليكية – البروتستانتية، وأنتجت اتفاقًا بين الملوك الكاثوليك والملوك البروتستانت حول قواعد تنظيم العلاقات فيما بينهم والمنافسة.
في المحصلة، وليس فورًا، هذا ما يجب أن يحدث في المنطقة، وعلينا أن نخطط لدفع المنطقة إلى هذه النقطة. وكما قلت فإن هذا يتطلب دفع إيران إلى التخلي عن سياستها العدائية في المنطقة، ويتطلب توازن قوى، وحوارًا ومناقشات. آمل أن نتوصل إلى هذا عاجلاً وليس آجلاً، لأنني أتخوف من أنه إذا استمر هذا النوع من الصراع، فإن الأسوأ قد يحدث في المنطقة، وأملي أن نتجنب ذلك، وألا نكرر أخطاء أوروبا قبل أن تجري حوارات حول بعض القواعد بين اللاعبين الثلاث الكبار في المنطقة.
* هذا يعني أنه من المهم للمنطقة أن تقوي الولايات المتحدة القدرات العسكرية لدول الخليج لتؤكد لهم أن هناك توازن قوى في المنطقة؟
- بكل تأكيد، لأنه من دون ذلك لا أعتقد بإمكانية التوصل إلى تسوية، ومن دون الضغط على سياسات إيران العدائية في المنطقة لا يمكن التوصل إلى تسوية. إيران تقول الآن إنها مستعدة للتواصل مع الجيران، لكن الجيران يتخوفون كون إيران وبعدائية كبرى لاحقت مصالحها، وحققت تقدمًا أكبر بكثير من أي خطوات عملية لمواجهتها. لذلك أعتقد بأنه عندما نقرر أن الهدف هو التفاوض حول اتفاق بين القوى الثلاث، عندها نحتاج إلى معرفة الخطوات المقبولة للانتقال من هنا إلى هناك، وهذه الخطوات بنظري تتضمن توازن القوى، وتعني تقوية حلفائنا التقليديين من العرب، وتعني أيضًا الضغط للتوصل إلى تسوية شرعية في سوريا، واتخاذ الخطوات الضرورية للتوصل إلى ذلك، وتعني أيضًا ليس فقط الضغط لمواجهة سياسات إيران العدائية بل أيضًا التعامل مع إيران وإشراكها لدفعها باتجاه هذه المسائل، وبالتالي فإن سياسة مقاومة تصرفات إيران العدائية بالإضافة إلى إشراكها هي السياسة الصائبة.
* لكنك قلت أيضًا، إنه من دون تثبيت الوجود الأميركي في الخليج والعلاقات الأميركية مع الأردن ودول الخليج، فإن إيران يمكن أن تغلق ممرات النفط، ويبدو أن الإدارة الحالية لم تُصْغِ، فهل ستصغي الإدارة المقبلة، ثم أحب أن أضيف أن المشرع الإيراني المتشدد حميد رضائي اقترح قانونًا يقضي بمصادرة الممتلكات الأميركية التي تعبر مضيق هرمز ردًا على التصرفات العدائية لأميركا. كيف يمكنك إقناع إيران بأن عليها تغيير تصرفاتها؟
- أعتقد أن هناك صراعًا يدور داخل إيران، وهناك وجهات نظر مختلفة، وأعتقد أيضًا بأن السياسة التي وصفتها: الضغط، المقاومة، زيادة التكلفة والإشراك هي التوجه الأفضل لمعالجة ذلك، لأن تعاطيًا أميركيًا أكثر يمكنه أن يعقد أكثر السياسة الإيرانية الداخلية، لأن هناك قوى قادرة داخل إيران، خصوصًا بين الشعب، تريد علاقات أفضل لإيران مع العالم بما فيه الولايات المتحدة، ثم إن المتشددين يتعرضون لانتقادات داخل إيران، مع العلم أنهم ازدادوا قمعًا وعدائية في تصريحاتهم. على كل حال، إذا أقدمت إيران على القيام بما أشرت إليه، إغلاق مضيق هرمز أو مصادرة ممتلكات أميركية، فإن هذا سيكون له تبعات خطيرة على إيران، لأنه سيؤدي إلى مواجهة مباشرة ما بين القوات الإيرانية والقوات الأميركية، وهذا ما تريد إيران تجنبه.
أعتقد أنه في النهاية، اعتماد سياسة مواجهة العدائية الإيرانية في الخارج، أو القمع في الداخل إضافة إلى إشراكها عبر المؤسسات، كما حصل أثناء التفاوض حول الاتفاق النووي، هو التوجه الصحيح.
* هناك استياء كبير داخل العراق بسبب عدم احترام إيران لسيادة العراق، ولاحظت أنت كما كتبت أن عددًا من الزعماء الشيعة العراقيين زادت خيبة أملهم من إيران، ماذا ستكون ردة فعل الإيرانيين على هذا، هل سيزداد قمعهم للشعب العراقي، وإذا كان هذا يحدث في العراق فهل سيحصل في سوريا؟
- كنت في العراق قبل كتابة تلك القطعة، وتكلمت مع عدد من الزعماء العراقيين الشيعة الذين عرفت بعضهم منذ زمن طويل، ولاحظت رسالة واضحة من قبلهم بأنهم يرغبون بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة ومع العالم وكذلك مع إيران. لا يريدون أن يكونوا معتمدين فقط على إيران أو متذللين لإيران، يريدون أن يكونوا مستقلين، ولأن إيران لم تحترمهم قط، وتتدخل في علاقات العراق. بعضهم قلق من دور الميليشيات التي تدعمها إيران في العراق، ورغم أنهم لم ينتقدوا علنًا هذه الميليشيات لأنهم يخافون من «داعش»، واعتقدوا أنهم قد يحتاجون هذه الميليشيات في قتالهم المستمر ضد «داعش»، لكنهم يتخوفون من أن هذه الميليشيات المدعومة من إيران ستكون مصدر عدم استقرار للشيعة، وبسبب السياسة الإيرانية فقد يحدث صراع داخل المنزل الشيعي في العراق، إذ إن بعض الميليشيات قد تقاتل البعض الآخر بسبب النفط مثلاً، وكان زعماء الشيعة العراقيون قلقين من هذا ويتطلعون إلى توازن في العلاقات لا سيما مع الولايات المتحدة.
* مرت الأسبوع الماضي الذكرى المائة على اتفاقية سايكس – بيكو. هل ترى أي تغيير في حدود دول المنطقة؟
- هناك خطر بذلك، لأن كل شيء صار مسيسًا الآن، وربما بسبب التطورات في المنطقة، إن الداخلية أو الدولية، فإننا نرى هويات سياسية أكثر قائمة على الطائفة، هناك الحركة الشيعية السياسية والحركة السياسية السنية، ونرى أيضًا تزايدًا في الهوية الإثنية خصوصًا فيما يخص الأكراد. إذا لم توجد معادلة يقترحها أبناء العراق من شيعة وسنّة وأكراد، أو أبناء سوريا من علويين، وسنّة، ومسيحيين وأكراد، عندها يكون الخطر أن الاتفاق المطلوب للإبقاء على الدولة مجتمعة في هذه النقطة سيكون سلطة مركزية في الوسط ولا مركزية في الأطراف. مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية. إذا لم يكن هناك اتفاق لتقاسم السلطة ومعادلة اللامركزية فإن البديل قد يكون الانفصال. وقد سمعنا من رئيس كردستان مسعود بارزاني أن زمن سايكس - بيكو انتهى، وأن كردستان يجب أن تصبح مستقلة، لكنه أضاف أنه يريد تحقيق ذلك بطريقة سلمية بعد اتفاق مع بغداد، وهذا يعني أن هناك مجالاً للتفاوض مع بغداد. لكن هل سيتم التوصل إلى اتفاق يبقي كردستان جزءًا من العراق، أو لا يتم التوصل إلى اتفاق وعندها سنرى بروز دولة منفصلة: كردستان.
إن إمكانية تغيير الحدود موضوع الآن على الأجندة خصوصًا في العراق وسوريا. وأظن أن احتمالاته تعتمد على ما إذا كان هناك اتفاق لاحتواء، على الأقل في الوقت الحاضر، التسييس المعزز للكيانات الصغيرة التي برزت في هاتين الدولتين بالذات.
* في كتابك طرحت أن على الولايات المتحدة أن تمنع بروز ندّ منافس لها في العالم، الآن تلعب روسيا في سوريا دورًا أساسيًا. هل تعتقد أن روسيا عائدة أو أنها ترزح تحت صعوبة اقتصادية؟
- على المدى القصير، تبدو روسيا تتموضع بطريقة عدائية، حتى إنها تخاطر وتعيد بناء قوتها العسكرية. على المدى الطويل، فإن الاقتصاد الروسي في تراجع وكذلك روسيا. أعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تتبع 3 سياسات مختلفة: في أوروبا، وفي الشرق الأوسط وفي آسيا. إذ إن كلا من هذه المناطق حاسم في أهميته، والولايات المتحدة من أجل المستقبل يجب أن تعتمد استراتيجية متوازنة في كل من هذه المناطق، أي يجب أن يكون هناك توازن قوى بين دول كل منطقة بحيث لا تستطيع أي دولة فرض نفوذها في المنطقة، وفي الوقت نفسه على الولايات المتحدة أن تعمل على بناء الثقة بين هذه الدول، وتضع آلية للتصالح وبناء الثقة وإيجاد حلول للصراعات، ثم يجب أن يكون هناك وجود أميركي في كل من هذه المناطق ليضمن توازن القوى ليس فقط بمساعدة الأصدقاء إنما أيضًا للولايات المتحدة بأن يكون لها وجود يضمن التوازن ويمنع السيطرة الكلية لأي دولة. هذا ينطبق على الشرق الأوسط وأوروبا وروسيا.
* وينطبق على الصين أيضًا؟
- طبعًا، لأنه في آسيا يجب أن نتبع توازن القوى ونشجع على المصالحة وبناء الثقة وإيجاد الحلول، لكن الوجود الأميركي ضروري هناك أيضًا، لأن زيادة التعاطي الأميركي اقتصاديًا ودبلوماسيًا وعسكريًا ضروري في آسيا.
* رئيس الاستخبارات الوطنية الأميركية جايمس كلابر قال أخيرًا إن أميركا لا تستطيع إصلاح الشرق الأوسط، وإنها لن تستعيد الموصل هذا العام وإنها تواجه صراعًا سيمتد لعقود.. صورة مشرقة؟
- نعم، مشرقة جدًا (ضحك)، لكن الصحيح أن أميركا لا تستطيع أن تصلح كل مشكلات الشرق الأوسط، وليس هناك من يقول إنها تستطيع أو يجب عليها حل كل المشكلات. لكن السؤال هو: هل على الولايات المتحدة أن تقوم بعمل محدد، وكما شرحت سابقًا ما كان عليها أن تفعل في سوريا، وفي المنطقة من تأمين توازن القوى... إلخ، خصوصًا العمل على إيجاد قواعد بين إيران وتركيا والسعودية على المدى الطويل. لأن مشكلة الشرق الأوسط أنه يفتقد مؤسسات. في أوروبا هناك مؤسسات تتعاطى ببناء الثقة، وحل النزاعات، هذا موجود بنسبة أقل في آسيا، لكنه غير موجود في الشرق الأوسط، لهذا علينا ببنائها، إنما قبل ذلك من الضروري أن نواجه عدائية إيران في المنطقة، وإيجاد تسوية في سوريا والبدء بحوار. بالنسبة إلى «داعش»، لا بد من محاربته، لكن لحل مشكلة التطرف والإرهاب في المنطقة نحتاج إلى تسوية عادلة في سوريا والعراق، والاتفاق على القواعد، لأن بعض هذه الدول توظف المتطرفين.
* هل ما زلت تشعر بمرارة بسبب إقدام الرئيس جورج دبليو بوش على طردك لصالح بول بريمر؟
- كلا، أولاً لم يطردني بل طلب مني الذهاب إلى أفغانستان بدل العراق، لكنني أُصبت بخيبة أمل لأن الفكرة التي كنا اتفقنا عليها هي أن نذهب أنا وبول بريمر إلى العراق بوصفنا مبعوثين رئاسيين، وأن أقوم أنا بتشكيل الحكومة، فيما يقوم بريمر بأعمال أخرى. ما يحزنني أن أخطاء ارتكبت في العراق كان لها تأثيرات سلبية علينا وعلى العراقيين وعلى المنطقة.
* في كتابك قلت إن بريمر لم يكن مخولاً بحل الجيش العراقي؟
- هو يعتقد أنه كان مكلفًا بذلك، أجريت معه حديثًا حول ذلك، لكن لا إثبات من الرئيس أو من مستشار الأمن القومي آنذاك (ستيفن هادلي)، بأن محادثات جدية جرت في الأمن القومي حول مزايا وعيوب، إيجابيات وسلبيات، حل الجيش العراقي. وأبلغني أغلب المسؤولين أن المرة الأولى التي سمعوا بها عن قرار حل الجيش العراقي، كانت عبر الإعلام!



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.