علي العريضي لـ «الشرق الأوسط»: حسمنا معركة الهوية العربية الإسلامية

الأمين العام لـ «النهضة» قال إن أولويات حزبه أمنية.. والإرهاب خطر حقيقي على تونس

رئيس الحكومة التونسية السابق في مؤتمر صحافي بعد تقديمه استقالته للرئيس منصف المرزوقي في قصر قرطاج أمس (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة التونسية السابق في مؤتمر صحافي بعد تقديمه استقالته للرئيس منصف المرزوقي في قصر قرطاج أمس (أ.ف.ب)
TT

علي العريضي لـ «الشرق الأوسط»: حسمنا معركة الهوية العربية الإسلامية

رئيس الحكومة التونسية السابق في مؤتمر صحافي بعد تقديمه استقالته للرئيس منصف المرزوقي في قصر قرطاج أمس (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة التونسية السابق في مؤتمر صحافي بعد تقديمه استقالته للرئيس منصف المرزوقي في قصر قرطاج أمس (أ.ف.ب)

أقر علي العريض، رئيس الحكومة التونسية السابق والأمين العام لحزب النهضة التونسي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» بأن التحديات الأمنية التي تواجه تونس وليبيا جدية وخطيرة؛ بسبب استفحال تهديدات التنظيمات الإرهابية والمسلحة مثل «داعش» و«القاعدة».
وعدّ علي العريض الذي جرى اختياره أمس رئيسا للمؤتمر العاشر لحركة النهضة أن على رأس الأولويات بالنسبة لحكومة الحبيب الصيد التي تدعمها 4 أحزاب، بينها حزب النهضة «ضمان أمن تونس وليبيا، وإجهاض تحركات الإرهابيين ضمن استراتيجية شاملة». وتوقع العريض أن يسفر المؤتمر العاشر لحزب النهضة التونسي، الذي افتتح بعد ظهر أمس، في مركب رياضي كبير ويتواصل إلى مساء غد (الأحد)، عن مصادقة على «استراتيجية جديدة للحركة تعطي أولوية للملفات الأمنية والتنموية، وتطورها إلى حزب وطني جامع لكل التونسيين، بصرف النظر عن خلافاتهم في الماضي». وأكد العريض أن حزبه حسم معركة الهوية العربية الإسلامية.
* كنتم رئيسا للحكومة ووزيرا للداخلية، وتتولى الآن الأمانة العامة للحزب الذي يحتل المرتبة الأولى في البرلمان من حيث عدد النواب بعد انقسامات منافسكم حزب الباجي قائد السبسي.. فما أهم التحديات التي تواجهكم وتواجه البلاد اليوم؟
- أعتقد أن التحديات التي تواجه حزبنا هي التحديات نفسها التي تواجه البلاد والمجتمع بفئاته الشعبية ورجال أعماله. على رأس هذه التحديات، في تقديري، التحديات الأمنية وملفات العنف السياسي والإرهاب، وهي جزء من ظاهرة إقليمية ودولية عامة لها أسبابها السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية. لكن النتيجة واحدة، وهي استفحال المخاطر التي تهدد المدنيين والعسكريين والدولة بسبب خلط بعض المنتمين سابقا إلى جماعات دينية دعوية بين حقهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، وخطورة استعمال العنف والسلاح والتورط في قتل الأمنيين والعسكريين والسياح والمواطنين. وقد تزايدت مخاطر الإرهاب والعنف في تونس بسبب تعقد الأوضاع في الشقيقة ليبيا، وتدهور الأوضاع الأمنية في عدد من دول «الربيع العربي» التي اكتوت بنار العنف والإرهاب، وأصبحت منطقتنا بمثابة غابة كبيرة التهمت النيران أشجارها، وظلت تونس وسطها بمثابة الشجرة الوحيدة الخضراء الصامدة، لكنها مهددة بشظايا النيران التي تلتهم الأخضر واليابس في بقية الغابة.
* منذ توليتم وزارة الداخلية في 2012، ثم رئاسة الحكومة حتى مطلع 2014 وأنتم تتحدثون عن محاربة العنف والإرهاب والغلاة دينيا وسياسيا.. هل لا تزال التحديات نفسها قائمة اليوم في حكومة الحبيب الصيد التي تشاركون فيها وكان رئيسها وزيرا للأمن في حكومتكم؟
- الإرهاب ظاهرة إقليمية وعالمية، وهي تهدد بصفة أكبر بعض الدول التي تمر بمرحلة انتقالية التي تتسم بقدر من الهشاشة. ومن بين ما يزيد المخاطر أن بلدا مثل تونس يواجه تحديات اقتصادية اجتماعية وتنموية بالجملة للقضاء على التهميش والبطالة والفقر والعوامل التي تسببت في تفجير انتفاضة الشباب العاطل عن العمل والثورة الشاملة في أواخر 2010 ومطلع 2011. كما تواجه تونس في الوقت نفسه صعوبات تنموية وأمنية مرتبطة بأزمات الاقتصاد في أوروبا، شريكنا الرئيسي بنسبة تفوق الـ70 في المائة، وبالحرب التي تدور في ليبيا شريك تونس الاقتصادي الأول بعد الاتحاد الأوروبي قبل 2011. وقد ساهم تعثر مسار الانتقال السياسي في ليبيا في إضعاف الدولة المركزية وتوفير مناخ للإرهابيين من كل الجنسيات كي يتخذوا من بعض المدن الليبية موطنا، مستفيدين من انتشار السلاح فيها ومن طول سواحلها وحدودها البرية مع دول الجوار وبينها تونس.
لكن التجربة أثبتت أن قوات جيش تونس وأمنها المدني قدمت نماذج رائعة للشراكة مع المواطنين في المناطق الحدودية التونسية الليبية والتونسية الجزائرية، وفي كامل البلاد، بما ساهم في إضعاف «داعش» و«القاعدة» والتنظيمات الإرهابية القريبة منهما، رغم بعض المحاولات التي قد يقوم بها المسلحون والإرهابيون من حين إلى آخر، وبخاصة من بين القادمين من ليبيا. وكانت عملية بن قردان عيّنة من نجاح قوات الأمن والجيش التونسيين في إجهاض مشاريع ما سمي بتأسيس «إمارة داعشية» في تونس.
* كثير من المصادر الدولية تؤكد عودة التهديدات لأمن تونس، وبخاصة من قبل المجموعات المسلحة التي بايعت تنظيم داعش والتنظيمات القريبة منه مثل «القاعدة» في «المغرب الإسلامي» و«أنصار الشريعة».. هل تأخذون في الائتلاف الحكومي هذه التهديدات مأخذ الجد، وبخاصة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية مجددا في ليبيا؟
- التهديدات الإرهابية حقيقة، وهي موجهة ضد كل دول العالم بما في ذلك الدول الأوروبية والولايات المتحدة. والتهديدات بالنسبة لتونس وليبيا جدية بحكم الصعوبات التي يمر بها البلدان سياسيا وتنمويا وأمنيا.
نحن نساند مسار التسوية السياسية في الشقيقة ليبيا ونراهن على استكمال مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، لكننا نعتقد اليوم أن الأولويات لم تعد سياسية، أو المشاركة في معارك حول الهوية. كما نعتقد أن معركة الهوية حسمت منذ عقود لصالح تيار الهوية الوطنية التونسية ولصالح خصوصياتنا الثقافية العربية والإسلامية. ومهما كانت خلافاتنا الفكرية فالحوار حولها مقبول، لكن الوضعية تختلف بالنسبة للتنظيمات المسلحة التي تتبنى العنف والإرهاب، وقد صنفنا في تونس تنظيم «أنصار الشريعة» منذ صائفة 2013 تنظيما إرهابيا، واليوم نحن ندعم حكومة الحبيب الصيد بقوة في خطة مكافحة الإرهاب ونشر الأمن وتوفير مناخ ملائم للاستثمار والتنمية وخلق الثروة لإحداث مئات آلاف موارد الرزق للعاطلين عن العمل والمهمشين، ولمعالجة معضلة الخلل في التوازن بين الجهات الداخلية والمناطق الساحلية.
* ما أهم النتائج المرتقبة من المؤتمر الوطني العاشر لحزبكم الذي يعقد بعد أن غادرتم الحكم، وبعد أن كشفت الانتخابات عن أنكم أصبحتم الحزب الثاني وليس الحزب الأول؟.. هل ستحسمون مسألة الخلط بين الهوية السياسية والهوية الدينية للحزب؟
- نحن لسنا حزبا دينيا، نحن حزب مدني وسطي معتدل لغالبية «منخرطية» مرجعيات ثقافية تونسية عربية إسلامية مثل «شعب تونس». أولوياتنا هي أولويات شعبنا، تنموية اقتصادية اجتماعية وليست دينية أو آيديولوجية.
نحن حزب واقعي احترمنا قرار غالبية الناخبين عندما منحونا مرتبة الحزب الأول، ثم عندما أعطونا مرتبة الحزب الثاني. وبحكم حرصنا على مصلحة البلاد لم ننخرط في المعارضة العدمية، بل قبل المشاركة الجزئية في الحكومة الحالية ضن ائتلاف يضم 4 أحزابا ومستقلين لأننا نعتقد أن مسؤوليتنا الكبرى اليوم إخراج البلاد من مرحلتها الانتقالية واستكمال مسار البناء الذي ستكون الانتخابات المحلية والبلدية في مارس (آذار) 2017 حلقة جديدة منه. وبالنسبة للمؤتمر أعتقد أن رسائله ستكون واضحة، وعلى رأسها الفصل بين الدعوي والسياسي، والمصادقة على لوائح مضمونية تكرس أننا حزب مدني وطني جامع لكل التونسيات والتونسيين، ولسنا حزبا آيديولوجيًا أو عقائديا. وقد حسمنا معركة الهوية العربية والإسلامية.. والأهم بالنسبة لنا نجاح تونس واستقرارها الأمني، وتقدمها الاقتصادي والاجتماعي، ونجاحها في تلبية مشاغل الشباب والمهمشين، وبينها فتح الآفاق والشغل اللائق والكرامة الوطنية.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.