«في فمي لؤلؤة».. حجر العاطفة والتاريخ في أزمنة منسية

ميسون صقر تستنطق حفريات اللؤلؤ في مغامرة سردية

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«في فمي لؤلؤة».. حجر العاطفة والتاريخ في أزمنة منسية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

رواية التحديات والأزمنة المتراكبة، يتصدر هذا الإحساس بقوة مشهد قراءتي لرواية الشاعرة الإماراتية ميسون صقر «في فمي لؤلؤة»، الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، وهي الثانية لها بعد روايتها «ريحانة» في عام 2003.
تبرز فكرة التحدي منذ الخيوط الأولى للرواية، في ترك «شمسة» حقل الدراسة بعد خلاف بينها وأستاذها معلم الأنثربولوجيا حول طبيعة البحث التي تنوي به مواصلة الدراسات العليا بالجامعة، ورفضه خطتها لإنجازه، متهمًا إياها بالانسحاب من الكتابة الأكاديمية الرصينة المجردة إلى «كتابة بلا عظم».
ورغم حبها الدفين لأستاذها، الذي يظل يومض بخفة في جنبات الرواية، فإن شمسة تنتصر لحكايات جدتها عن الذاكرة القديمة للمكان، التي تذكرها بجزء حي من تاريخها الشخصي هناك في تلك البيئة الإماراتية التي شهدت تفتح عينيها على الحياة، كما تنتصر لحواديت الجدة نفسها عن عالم الصيادين ورحلات الغوص في مياه الخليج بحثًا عن اللؤلؤ. ويتحول كثير من هذه الحواديت، بما تحمله من دلالات ورموز إلى طاقة حية، لإثارة الدهشة والأسئلة على مدار الرواية الحاشدة بفصولها الستة وصفحاتها التي قاربت على الستمائة صفحة، ومكابدة كتابتها ومعايشتها على مدار 7 سنوات مضنية من التقصي والنبش، والبحث في حفريات اللؤلؤ عبر وثائق ورسائل ومتون وهوامش، وأساطير، وحكايات متناثرة في فضاء التاريخ والجغرافيا، وخطى البشر وأحلام الغواصين، وصراعات العيش وسط عواصف البحر والطبيعة، ومواجهة مخاطر الموت بالأغاني والشعر والمواويل الشعبية، وغيرها من المقومات السردية والفكرية، الذي يزخر به نسيج الرواية الخصب، ومن بينها مساءلة فكرة الكتابة نفسها، هل هي ملاحقة لأزمنة انقضت، واستشراف لأزمنة أخرى آخذة في التفتح والنهوض، أم هي سلاح الذات لمقاومة الموت والإحساس بالذبول. تشير شمسة إلى هذه الهواجس في مقطع دالٍّ من الرواية قائلة: «كلما كتبت مات أحد، وكلما فكرت فيه مرضتُ، كلما شرعت في الكتابة بدأ أحد من أسرتنا في الغياب.. ها أنا أعاود قتل عائلتي، ولا أقتل الكتابة». وإمعانًا في مناورة السرد واللعب مع الكتابة لا تكتفي الكاتبة بغواية صيد اللؤلؤ ومغامرة الغوص في عوالمه القصية، وإنما تضيف لهذه المغامرة غواية الصورة، مستفيدة من خبرتها كفنانة تشكيلية في تصميم الغلاف، فتدفع بصورة للممثلة الشهيرة مارلين مونرو لتتصدر واجهة الغلاف، وهي ترتدي عقدًا من اللؤلؤ الصناعي، بينما يتناثر على وجهها خريطة قديمة لمنطقة الإمارات مشكِّلة غلالة نصية وفنية، ينضوي تحتها كثير من الرموز والدلالات، ما بين زمن أصبحت غوايته الطبيعية فوق رف التاريخ، وآخر يتشكل منه بشكل هجيني، لكنه في صدارة المشهد.
وعلى ذلك، تسلط الرواية الضوء على تاريخ الحياة في مجتمع دولة الإمارات، وتحديدًا إمارة الشارقة، مسقط رأس الكاتبة، ناسجة من تلك الوقائع، لا سيما صيد اللؤلؤ وحكايات الغواصين وتراث البيئة بأعرافه وتقاليده وعاداته شبكة للسرد والحكي، تتحرك في شكل ضفائر سردية متعددة ومتراكبة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعاطفيا. ورغم أن قوسي البداية والنهاية مرتبطان بمهنة الغوص وصيد اللؤلؤ، ورصد تحولاتها ولحظات أفولها وانهيارها، خصوصًا بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي، واكتشاف النفط، وبداية نشأة الدولة الحديثة، وتغير منظومة الصراع، ونظرة الغرب لمنطقة الخليج، رغم كل هذا لا تضع الرواية ثوابت وفقًا لمسار تاريخي محدد، وإنما تحاول استنطاق الماضي في الحاضر، الخاص في العام، متخذة من إيقاع الموجة محورًا لفضاء رحلتها، بين أزمنة وأمكنة متنوعة، تنحسر وتغيب، لكنها سرعان ما ترتد إلى الشاطئ. شاطئ الكتابة، وفوق ترابه تستدعي الكاتبة الساردة على لسان أبطال الرواية قصصا وحكايات ومواقف لبشر ومستعمرين وثورات، كما تتكشف لها في طوايا السرد رسائل ووثائق لرحالة ومستشرقين، بعضها ابن ماض لم يزل نبضه حيًا، وبعضها ابن حاضر لا يستطيع أن ينطق باسمه، فبجوار الشارقة، الرحم الأم للرواية، وعبر مناخاتها المشدودة كحلم معلق ما بين الوهم والواقع، تتنقل الرواية ما بين الهند، وكينيا والقاهرة، مقر إقامة «شمسة» ومرتع صباها وأحلامها ودراستها، أيضًا هناك نمط الحياة في البادية ومواسم الصيد وخيام الصيادين ومفردات حياتهم الضحلة الفقيرة، كما تتنقل بين الحصون، حيث مقر الحكم، وحياة الشحوح في الجبال، حيث المراعي المفتوحة وحظائر الإبل.
هناك نسق سردي مشرّب بمسحة تاريخية، لكنه لا يتعامل مع التاريخ كحقيقة مكتفية بذاتها، وإنما يطرحه كسؤال ممتد في الزمان والمكان، في رحم الرواية والواقع معًا، وهو ما يضفي على الكثير من شخصيات الرواية طابع التشكيل الحلمي أو الملحمي، الذي يقترب كثيرًا من مصاف الأسطورة، وعلى نحو خاص، شخصية «مرهون» الغواص الأمهر، بطل الرواية الرئيسي، حيث يتداخل في أبعادها الواقعي بالتخييلي، الحضور بالغياب. لكن مرهون يظل في كل تحولاته تجسيدا لشفرة إنسانية غامضة، تراوح بين زمنين، زمن الماء وزمن اليابسة، زمن الغوص بحثًا عن اللؤلؤ من أجل لقمة العيش، وزمن الغوص في طوايا الروح والجسد والطفولة بحثا عن مساحة نقية لتقلبات العاطفة والحب والارتواء.. «جرتني قدماي إلى الخارج عند البحر، لأرى إن كان مرهونًا هناك، هل سيحدثني البحر؟ جلست قليلا أنتظر شيئا ما لا أعرفه، وأفكر في وليم ومسعود وعالم السفينة.. ندهت: يا مرهون يا مرهون، لم يسمعني!، كل ما فعله أنه أزاح الفطم الذي يغلق أنفه به، ثم مسح الماء من على وجهه، أفرغ سلة المحار، تنفس عميقا، وغطس ثانية».
يشكل مرهون زمن الرواية الخاص الداخلي الحميم، فهو صائد اللؤلؤة الساحرة النادرة، التي بسببها قامت حروب ومطاردات، كما أنه في كل تجلياته لا يتخلى عن ذاتيته وروحه المفطورة بالصدق والتلقائية.
ومن ثم، تنمو الرواية دراميا بقوة التاريخ والعاطفة معا، التاريخ في إطاره السياسي الاقتصادي الاجتماعي للمنطقة ومنحنيات التحول من عالم التجارة إلى الزراعة والصناعة في حياة البدو والمدينة.
والعاطفة، في حزمة من الأحلام المؤجلة والمعطلة، سواء في علاقة شمسة بأستاذها، أو في بحث مروة صديقتها ورفيقتها في الرحلة، عن علاقة حميمة صادقة، تعول عليها اجتماعيا في تغيير مسار حياتها البائسة، أو في علاقة آمنة بمرهون، التي تتحول إلى مشهد تراجيدي محفوف بالغدر والهروب والخيانة، حيث تلقى مصرعها على يد يوسف «زوجها» سارق اللؤلؤة الثمينة، وكذلك في علاقة وليم الرحالة المصور بفيكتوريا الممرضة الإنجليزية، فرغم أنها تكبره بسنوات، فإنه أصبح يمثل لها الرمق الأخير في التشبث بالحياة، لا سيما بعد موت زوجها القبطان الشهير ورحيل ابنتيها عنها. أو في حنين شمسة الدائم لفضاء العائلة، وصورة الجدة والأب والأم.
إنه حجر التاريخ والعاطفة، فوقه تتعدد عوالم هذه الرواية، وتتنوع أسئلتها في مدارات مشربة بروح الملحمة، فالتاريخ حكّاء بطبعه، لكن قراءته من قبل المؤرخين والمختصين قد تنحي العاطفة جانبًا، لكنه في عين الكاتب الروائي، وتحديدًا هنا في هذه الرواية مادة قابلة للحكي، لا يمكن أن نجردها من العواطف والرؤى والانفعالات التي تتحول في تقنيات القص إلى إشارات وعلامات ورموز، من خلالها يتم استدعاء التاريخ، بقوة الماضي والحاضر والمستقبل معًا.. اللافت أيضًا أن التاريخ بكل تداعياته وثقله وخفته، لا يمثل خصوصية المكان، بل يشير إليه بشكل عابر، بينما يحفر هذه الخصوصية ويدل عليها الشخوص بكل مسارب حياتهم الخشنة المجدبة، وأحلامهم العادية البسيطة في غد أكثر أمنًا، يوفر لهم الحد الأدنى لحياة كريمة، لا يشعرون في كنفها أنهم مجرد عبيد للقمة عيش بالكاد تكفي لوجودهم أحياء فوق سطح الحياة.
هو إذن تاريخ من الغبن واللؤلؤ، هكذا تصفه الكاتبة على لسان أمها، وهي ترى العقد الذي أهدته لها الجدة، يتألق في عنقها بلؤلؤته الفريدة الساحرة التي اصطادها مرهون.. «تنظر إلي وهي تقول إنه شرف لي أن أحمل تاريخا للوجيعة يا حبيبتي».
هذا الوجع يتناثر في جسد الرواية كعصارة حية لخبرة حياة، تحاول أن تكشف عن معناها الأعمق والأشمل في واقع لم يعد مغلقًا على ذاته، يتجسد ذلك عبر مقومات نصية وفنية تتمتع بحيوية فائقة، ولغة سردية سلسلة، يمتزج فيها الفصيح بالعامي الشفاهي أحيانًا، كما أن عالم اللؤلؤ نفسه يتحول إلى قيمة معرفية إنسانية، فالرواية تجعلنا نعايش هذا العالم، ونلمس رذاذه ورائحته، وعرق الصيادين وهواجسهم، وساعات نومهم وأكلهم وشربهم، في كل مراحل الغوص، وذلك خلال حرفية عالية في الوصف والتدوين لنثريات الحياة، سواء فوق مركب الصيد في البحر، أو في طقوسها والاستعداد لها على البر.. وهو ما نرصده على هذا النحو في لقطة من مشاهد الرواية: «قبل الفجر بلحظات ينتبه الغواصون جميعًا، ويبدأون يومهم، تبدأ الجلبة في السفينة حتى يعم الظلام ليلاً، وتهدأ الحركة، فيجلسون في شبه حلقات، يفلقون المحار الذي اصطادوه في النهار أو محار اليوم السابق، الذي يكون قد مات الكائن المحاري داخله، وهم يغنون، ويلقون القصيد ويتحاورون». وبالعصارة النصية نفسها يتحول الوصف إلى ما يشبه الاستبطان الداخلي، لما تنطوي عليه الشخوص من رؤى وعواطف ومشاعر وانفعالات، في أقصى لحظات الحياة حزنا وألمًا، وأقصاها صخبًا واستمتاعًا بشواغل الروح والجسد.
نحن أمام نص روائي حمال لروايات ونصوص كثيرة، تفيض عنه في علاقة صاعدة دراميًا وإنسانيًا بشكل تلقائي: هناك نص مرهون والبحر وآمنة، هناك نص شمسة وأستاذها وتحولات فكرة الكتابة وإثبات الذات بقوة الفكرة نفسها وضعفها الإنساني أيضًا، هناك علاقة وليم بفيكتوريا، و أيضًا صوره ورسائله المهمة سواء للمعتمد البريطاني أو لصديقة جيرارد رفيقه في بعثته إلى أفريقيا، وهي رسائل توثق لكل شيء في الخليج حتى علاقات النساء.. هناك علاقة كاترين ابنة فيكتوريا، التي تتنكر في شخصية قبطان وتقود بالفعل إحدى السفن بالخليج، وتستضيف آمنة على متنها، هناك حكاية اللؤلؤة الفريدة التي جلبها مرهون، وكيف سُرِقت من على السفينة، وانتهى بها الحال في عقد ثمين تتوارثه أم شمسة عن جدتها، هناك معرض اللؤلؤ، ورسائل وليم بعد أن عثر عليها، وغيرها من النصوص التي خلقت لها هذه الرواية باقتدار مجالات إدراك ومعرفة جديدة، ووثقت لتراث اللؤلؤة بكل أنواعه وأشكاله وحكاياته في شتى حدوسات المعرفة الإنسانية، كتاريخ للجمال والغبن أيضا.. أو كما تقول شمسة في رسالة أخيرة لأستاذها في ختام الرواية: «لم أكن أكتب بحثا، كنت أبحث عما أكتبه، وأستشف الحياة في رشفها اللؤلؤ الكامن في المحار، ويشي بكل عنف وعشق، لقد تركت الحزن ينهشني لعدم تفهمك، لكن قصة الحياة سحبتني إليها».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.