العراق.. دولة يتجول فيها الفساد ويسكن الرعب شوارعها

حوله المالكي إلى كيان خاص بأقاربه وبـ«ائتلاف دولة القانون» الذي يرأسه (2)

بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)
بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)
TT

العراق.. دولة يتجول فيها الفساد ويسكن الرعب شوارعها

بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)
بغداد.. مدينة ينتشر فيها الخوف (أ.ب)

في الحلقة السابقة جرى الحديث عن جواد المالكي، الذي استعاد اسمه نوري المالكي بعد توليه رئاسة الوزراء في العراق، وحياته في كل من سوريا وإيران، ومطامحه الشخصية التي لم تكن تتجاوز الظفر بوظيفة صغيرة في إدارة التربية والتعليم. وكيف لعبت الصدفة وحدها، دورا في أن يصبح رئيسا لوزراء العراق، وقائدا للقوات المسلحة. في لحظة وصفها السياسي العراقي، أحمد الجلبي، بـ«جبر الخاطر»، أي جبر خاطر حزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي إليه المالكي، من دون أن تعي القوى السياسية، أن القادم إلى سدة الحكم، سيصادر عليها حقها في التمثيل الحقيقي، وينتزع السلطات من الهيئات والمؤسسات المستقلة: هيئة النزاهة المستقلة، والسلطة المالية، والسلطة القضائية وغيرها. ولم يكتف هو وحزبه بذلك، بل امتد احتكار السلطات إلى البرلمان، بعد أن احتوى حزب الدعوة رئاسة الجمهورية.
تتناول هذه الحلقة سنوات نوري المالكي الأربع الأولى، من 2006 إلى 2010.

* قلنا في نهاية الحلقة الأولى إن المالكي دشن ولايته الأولى، بقطع محاكمة صدام حسين وإعدامه. وحسب موفق الربيعي، فقد رد المالكي على سؤال لجورج بوش الابن، الذي اتصل به ليسأله: «إذا سلمناكم صدام حسين ماذا ستفعلون به»، قائلا: «نعدمه». وهذا ما يدحض ويُكذب كل ما أشاعه حزب الدعوة، بأن التسريع بإعدام صدام، قبل الانتهاء من المحاكمات المهمة، كان سببه وجود مخطط لهروبه من السجن. غير أن الجميع يعرف أن الأميركيين هم من أوصل صدام إلى منصة المشنقة. وكان ما حدث فجر ذلك اليوم من مهازل، وما شاهده العراقيون من مواقف لا إنسانية وسعار طائفي بغيض، حين لم يتردد البعض من حمل المدعي العام، الفرعون، على الأكتاف، حيث راح يطلق هتافات طائفية: «منصورة يا شيعة حيدر»، مما حول عملية الإعدام، من قصاص إلى انتقام، وبداية لمسار طائفي، تحول إلى نهج لحكومة نوري المالكي، ما زال الشعب العراقي يعاني من ذيوله.
حين شكل نوري المالكي طاقم إدارته، اختار أفراده من بين كوادر حزب الدعوة. وقد أشرنا في حلقة أمس، إلى شخص كان يوزع الشاي في مكتب الحزب في سوريا، أصبح مديرا لإدارة مكتب رئيس الوزراء، وجمع ملايين الدولارات من وراء ما كان يطلبه من «خوّات» من الراغبين في مقابلة المالكي. ثم أخذ الفساد يستشري، حتى فاحت روائحه من داخل وزارة التجارة، التي كانت حقيبتها بيد عضو في حزب الدعوة، تستر عليه المالكي، إلى درجة مطالبة برلمانيين من جماعته، بعدم الضغط على الوزير، حين استدعي إلى البرلمان، والدعوة إلى تخفيف حدة استجوابه. وكان مسؤول لجنة النزاهة، الشيخ صباح الساعدي، قد اصطحب معه إلى الجلسة، صفاء الدين الصافي، وزير شؤون مجلس النواب، وأحد وزراء حزب الدعوة، حتى أنه سئل عن شرعية وجوده وعن محاولاته التستر على وزير التجارة خلال النقاش الذي جرى معه حول الفساد المالي والتجاري.

* دولة فساد
* في تلك الفترة، بلغ الفساد حدا غير معقول أبدا، وحصد الفاسدون مليارات الدولارات التي سرقت من قوت المواطن مباشرة، كما حدث بالنسبة للبطاقة التموينية، التي كانت تصل إلى المواطن كاملة وفي موعدها، في زمن صدام حسين، مع أن ميزانية العراق كانت بائسة قياسا بميزانيته في عهد المالكي. بدأ التأخير يطال البطاقة التموينية التي بدأت تنقص تدريجيا. ولجأ نوري المالكي إلى الطلب من وزير التجارة تقديم استقالته، كي يتخلص من عقوبة الإقالة وما يترتب عليها. وبعد فترة، فوجئ العراقيون بتبرئة الوزير من قبل محكمة الرصافة، حيث سعى للخروج من البلاد. وقد حاولت جهات عدة إعادته أثناء محاولته السفر إلى دبي، مستخدما جوازه البريطاني، ونجحت بالفعل. غير أنه أمكن، تهريبه، بعدها، إلى الخارج، وتم غلق القضية المرفوعة ضده. ورغم أن إخوة الوزير عاثوا فسادا في وزارة التجارة، فإن المالكي لم يأخذ الأمر بجدية، إلا بعد نشر فيديو يظهر فيه شقيق الوزير الهارب، وهو يشتمه.
كان الفساد هو العنوان الأبرز لوزارة المالكي الأولى. لكنه بدلا من أن يتوقف أو يتراجع على الأقل، امتد إلى فترة حكمه الثانية وتزايد. وقد تدخل المالكي لوقف تحركات ثلاثة من رؤساء النزاهة ضد الفساد، هم: راضي الراضي، وموسى فرج، وعبد الرحيم العكيلي، مع أن الدستور ينص في المادة (99)، على أن هيئة النزاهة مستقلة ويشرف عليها البرلمان العراقي. عطّل المالكي هذا الإشراف، وأخذ يصدر قرارات إقالة بحق القضاة الذين أشرفوا عليها. ولم يكتف بذلك، بل دفع القضاء إلى توجيه اتهامات ضد بعضهم، مثلما حدث مع رئيس الهيئة الأخير، عبد الرحيم العكيلي الذي وجهت ضده ثماني عشرة تهمة، بينها اتهامات تضعه في خانة الإرهابيين.

* ائتلاف دولة القانون
* جعل نوري المالكي ولايته الأولى، كيانا خاصا به وبـ«ائتلاف دولة القانون» الذي شكله برئاسته. كان شعار الائتلاف، في البداية، فرض القانون. وبدا أن هذا التوجه استجابة فعلية لما يتطلع إليه العراقيون، وما كانوا ينتظرونه من الحكومة الجديدة. لكن حكومة المالكي، لم تتقدم خطوة واحدة في اتجاه فرض القانون، والحد من انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية. بل شرعن المالكي نفسه، بيع عقارات الدولة لجماعات من حزبه، وتسبب في فضيحة مدوية، وقف البرلمان، ممثلا بهيئة النزاهة، ضدها. فقد بيعت جامعة البكر، وهي جامعة عسكرية أقيمت عام 1973 لتخريج الكوادر العسكرية، وشيدت على مساحة نحو ستة آلاف متر مربع، في منطقة حيوية جدا، وصل سعر المتر فيها إلى ألفين وخمسمائة دولار. وقد تقدم صاحب عمامة لشرائها بسعر تسعين دولارا للمتر المربع، مع البناء المشيد على الأرض، على أن يُقسط المبلغ على عشر سنوات. ومع اعتراض الوقف الشيعي عليها، واعتراض محكمة التمييز، سُجلت باسم عضو حزب الدعوة، وتحولت إلى اسم جامعة الإمام الصادق، وصار الرجل، الشاري، رئيس أمنائها، ويستخدمها اليوم للدراسة الخاصة، أي برسوم مادية.
وبالإضافة إلى العقارات التي هيمن عليها أقارب نوري المالكي وأنسبائه في المنطقة الخضراء، جرت الهيمنة على مطار المثنى الذي تحول إلى عقار لحزب المالكي. ومطار المثنى كان المطار القديم وسط بغداد، قبل أن يُبنى مطار بغداد الدولي. وقد عين المالكي نجله مسؤولا عن عقارات المنطقة الخضراء. وحصل أن ظهر المالكي نفسه على إحدى القنوات التلفزيونية وتحدث عن بطولات ابنه في ملاحقة الفاسدين أو عصاة القانون. ومع أنه أخذ يشيد بمنجزاته الأمنية صباح مساء، رغم الإرهاب الذي أخذ يضرب وسط بغداد وبقية المدن العراقية الأخرى، إلا أن المالكي قال متبجحا: لم يتمكن الجيش والشرطة من إلقاء القبض على هذا العاصي - وهو نجل مقاول في الحمايات الأمنية - إلى أن لجأوا إلى نجل المالكي فذهب على رأس قوة من الشرطة اعتقله. وقد أخذ العراقيون يتندرون على ابن المالكي، طرزان عصره.
اهتم المالكي بأمنه الشخصي كثيرا، وصار إذا أراد الخروج من المنطقة الخضراء، خرج في موكب من نحو مائتي سيارة حماية. لكنه لم يهتم بأمن العراقيين الذين يتعرضون للإرهاب وأعمال القتل والتفجير بصورة يومية. وفشل في التقدم خطوة واحدة في مكافحة الإرهاب، وراح يوزع الاتهامات على أشخاص آخرين ودول أخرى، مع أن لديه قوات مسلحة بلغ تعداد أفرادها نحو المليون.
بعد توليه منصب رئاسة الوزراء، تنكّر المالكي للوعود التي أطلقها بتحقيق مصالحة. وظل يلعب على الوتر الطائفي، وقدم نفسه باعتباره الشيعي المرفوض من قبل أهل السنة. ولم يكن ذلك سوى ادعاء هدفه التجييش الطائفي قبيل الانتخابات التي كان مقررا إجراؤها في أبريل (نيسان). استخدم المالكي العزاء الحسيني، وأنشأ له مكوكبا تتوسطه صورته، يذكر بجداريات صدام حسين. كما تجاوز البرلمان في تعيين القيادات العسكرية. ولم يمض وقت طويل، حتى أخذ العراقيون يستعيدون شخصية وزير الإعلام العراقي السابق، وأحاديثه ومبالغاته خلال عمليات اجتياح القوات الأميركية بغداد. فقد عين نوري المالكي شخصية مهمتها إصدار البيانات المتعلقة بإلقاء القبض على الإرهابيين. وقد أصدر بيانات حول من ألقي عليه القبض من عناصر «القاعدة»، لو جمعت لكانت أعدادها كافية للتأكيد على انتهاء هذا التنظيم.
لم يأخذ المالكي خلال ما قام به من تعيينات في مجالات أهمها المناصب الأمنية، الخبرة أو الكفاءة بالاعتبار. ومع أنه ليس لديه خبرة في الإدارة ولا في القيادة العسكرية، فقد كان بإمكانه الاستعانة بخبرات عراقية من خارج حزبه وتكتله. على سبيل المثال، مكن المالكي أحد البقالين السابقين، من أن يصبح مسؤولا عن الأمن العراقي، ووكيل لأهم وزارة تخص الأمن، خلال أيام. وهو الآن بمثابة وزير. ولهذا كان الرعب والترويع يتجول في العراق بلا موانع. ولو عددنا العمليات الإرهابية خلال فترة المالكي الأولى لاستحقت أكثر من استقالة من منصبه. لكنه ظل يعاند فكرة استجوابه أمام البرلمان، وهذا يعني إهمال دور هذه المؤسسة وتهميشها، بعد الاستيلاء على المؤسسات المستقلة.
وقد وجه نوري المالكي اتهامات إلى سوريا بتدريب الإرهابيين ونقلهم إلى العراق. وبالفعل، كانت سوريا تعمل على مواجهة الأميركيين، وإفشال النموذج الذي سعوا إليه في العراق، كي لا تستدير واشنطن نحو النظام في دمشق وتعمل على إسقاطه، باعتبار البعث السوري شموليا أيضا. وكشفت تقارير أن الرئيس العراقي جلال طالباني، زار سوريا وقدم للنظام وثائق تشير إلى ذلك. لكن المالكي نفسه، خرج بعد فترة قصيرة، لا ليتهم دمشق هذه المرة، وإنما ليعانقها ويعرض عليها حلولا لمشاكلها، وقد قدم المالكي لسوريا النفط العراقي بأسعار زهيدة.
وتبين بعد ذلك، أن دخول الإرهابيين عن طريق سوريا، جرى في سياق مواجهة إيرانية لأميركا، لإجبارها على الخروج من العراق، مضطرة، وتقديمه لها على طبق من فضة. يؤكد هذا، ما تكشف من أن مسؤول فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، كان وراء ذلك كله. ولو عدنا إلى تصريحات الساسة العراقيين، الشيعة، الذين ليسوا على خلاف مع إيران، لعثرنا على أحاديث كثيرة عن دور لقاسم سليماني في هذا المجال، وعرفنا أنه كان مشرفا على الملف العراقي، وبيده أن يبقى نوري المالكي رئيسا لوزراء العراق أو يزيحه عن كرسيه. وأن التعامل مع الملف السوري، كان جزءا من طبخة ولاية المالكي الثانية.
كان ضرب «القاعدة»، والجماعات الإرهابية آنذاك، في ظل وجود القوات الأميركية والعراقية المشكلة حديثا، مستحيلا تماما، لولا عشائر الصحوات، التي شُكلت برعاية أميركية. وهي - أي الصحوات - من أخرجت قادة «قاعدة» العراق من المنطقة الغربية. يذكر أن أبو مصعب الزرقاوي، لم يقتل في الأنبار حيث الدولة الإسلامية، بل في ديالى. وقد أخذ معدل العمليات الإرهابية في التراجع، بعد عدد من العمليات النوعية، كتفجير سوق وقتل خمسمائة مثلا، أو تفجير مدارس أو رياض أطفال أو مستشفيات.
لكن كيف تعامل نوري المالكي مع الصحوات؟ كل المؤشرات تشير إلى أنه عمل على تهميشها، وتركها عرضة لثأر «القاعدة»، وتعطيل تحقيق المصالحة الوطنية. ومعلوم أنه من دون مصالحة وطنية، حتى لو تولى نوري المالكي شأن رئاسة الوزراء لعشر ولايات أخرى، لن يتحقق السلام. لكن الحقيقة تبقى أن غياب المصالحة ارتبط، على الدوام، بوجود المالكي على رأس السلطة.
وكان نوري المالكي، قد أعلن بُعيد تدشين ولايته الأولى، أي منتصف عام 2006، عن إطلاق مبادرة المصالحة الوطنية، ومن بنودها: العفو العام عن السجناء الذين لم يتورطوا في قتل مدنيين، وإعادة النظر بقانون اجتثاث البعث، وتأسيس هيئة المساءلة والعدالة لتحل محل الاجتثاث، وتعويض العسكريين والمسؤولين الحكوميين من النظام السابق الذين تم فصلهم أو إقالتهم. غير أن ما حصل، هو أن تحولت المساءلة والعدالة إلى سيف على رقاب المختلفين مع المالكي. وأصبحت إعادة هذا أو ذاك إلى العمل، مرتبطة بالولاء للمالكي نفسه، أي أن مشروع المصالحة الوطنية لم يقم على أرضية جديدة بعد قلب صفحة الماضي.

* سياسة التهميش
* ومن التهميش الطائفي إلى التهميش على أساس حزبي سارت سياسة المالكي. صحيح أن ائتلاف دولة القانون (تكتل المالكي)، حصل على 89 معقدا برلمانيا، لكن نسبة من هذه المقاعد، أُخذت من الأصوات التي حصل عليها السيد جعفر محمد باقر الصدر، الذي استقال من البرلمان بعد أن شارك في اللجنة القانونية. وقد رأى أن القوم سائرون في طريق آخر. وبهذا احتفظ تكتل المالكي بعدد المقاعد التي حصل عليها بأصواته، فأعداد كثيرة من التكتلات، ليس دولة القانون فقط، لم تحصل على عدد الأصوات التي تمكنها من دخول عتبة البرلمان. وقيل أن الذين حصلوا على هذا القاسم المشترك هم ثمانية عشر فقط. ولولا التكتل مع الكيانات الشيعية الأخرى، ما وصل المالكي إلى رئاسة الوزراء، لا في الولاية الأولى ولا في الثانية. مع ذلك، تنكر المالكي لشركائه من القوى الشيعية، بعد أن كان تعهد بتشكيل حكومة شراكة وطنية.
لم يتمكن المالكي في الولاية الأولى ولا الثانية من تحقيق دولة القانون. فقد ظل شعارا على ورق. وقد شغل نوري المالكي المناصب بمقربين منه، ومنهم من كان يستحق الاجتثاث حسب قانون العدالة والمساءلة.
إلى جانب هذا الوضع الداخلي المزري، لم تتمكن حكومة المالكي من تطبيع العلاقات مع دول الجوار، وحتى علاقاتها مع إيران لم تكن علاقة تكافؤ. وقد ساد شعور لدى المواطن العراقيين، بأن التدخل الإيراني في مفاصل الدولة، بلغ حد المقارنة مع الاحتلال. هنا، لا بد من إيراد تصريح لموفق الربيعي، أدلى به في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، في نهاية ولاية نوري المالكي الأولى، 30 يونيو (حزيران) 2010، حيث قال: «من الواضح أنه يمسك بالملف العراقي، وأعتقد أن رتبته، حسب ما أذكر، هي لواء في الحرس الثوري في مقر (فيلق) القدس المعني بحركات التحرر في العالم، وسليماني هو المسؤول عن الملف العراقي، وأعتقد أن له القول الفصل في ذلك». وأضاف الربيعي، مستشار الأمن القومي السابق، قائلا: «أتصور أنه يدافع عن مصالح إيران القومية ومصالح إيران الوطنية، وبالتالي يرى كل المنطقة من خلال هذا المنظار، وأنا لا ألومه على هذا حقيقة، فلو كنت في محله لفعلت الشيء نفسه».
إن دور الجنرال الإيراني الذي يجيد التحدث باللغة العربية، غير خافٍ في العراق. وقد تحدث عن تقارير دولية يصعب نفي ما جاء فيها من معلومات. وبدلا من أن يأخذ الدور الإيراني في التلاشي، بعد أن تأسس الجيش العراقي وأعيد تشكيل الدولة العراقية، إلا أنه عاد إلى التصاعد خلال ولايتي نوري المالكي، حجتي أن العراقيين، عدوا خلع نوري الملاكي لربطة عنقه في حضرة مرشد الدولة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، أثناء ولايته الأولى، رمزية.
مثلت ولاية المالكي الأولى، حالة انتعاش لرجال الدين، الذين باتوا يقدمون أنفسهم، حاليا، كمراجع في مدينة النجف، وهم من المنتظمين السابقين في حزب الدعوة. فمحمد كاظم الحائري، ظل حتى بداية الثمانينات، يمثل الولي الفقيه للحزب، إلى أن وقع خلاف معه حول هذا الدور، وظل هو مخلصا للولي الفقيه في إيران، بينما كان له داخل العراق الحالي، نحو انثي عشر مكتبا، ومكتب رئيس في النجف. كذلك عاد إلى العراق محمود هاشمي شاهرودي، وهو إيراني كان في حزب الدعوة، ثم تقلد منصب رئاسة مجلس القضاء الأعلى في إيران، ويقدم اليوم، كمرجع ديني في النجف. وكذلك وجود محمد رضا الآصفي، الذي ظل رئيسا لحزب الدعوة، ثم لفرع منه، وما زال يؤمن بولاية الفقيه. وقد أصدر كاظم الحائري فتوى لقتل البعثيين، ثم فتوى تحرم انتخاب العلمانيين وتؤيد نوري المالكي. مثل هؤلاء «المراجع» دخل كمنافس للمرجعية التقليدي في النجف، التي لا تقر بفكرة ولاية الفقيه، وتحدث عنهم أحد علماء الدين العراقيين من الحلة، ووصف وجودهم ناقدا بعبارة «استيراد مراجع».
لا تزال مواقف المرجعية الدينية من نوري المالكي وحكومته، مواقف ناقدة. ومن يستمع إلى خطب الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجعة في كربلاء، تتضح له الصورة، ولا يصدق ما قاله نوري المالكي ردا على القيادات الشيعية المعترضة عليه، بأن المرجعية تحبه وتؤيده.
إجمالا، لم تنجز الولاية الأولى للمالكي، كرئيس وزراء، أي من الملف المطروحة، وأولها، ملف الفساد الذي تعظم وصار سمة للسلطة. فيما فقد العراقي أمنه وأمانه مع تزايد الإرهاب وضعف الحالة الأمنية.
ولم تكن العلاقة مع إقليم كردستان خلال تلك الفترة بالجيدة، ثم أخذت بالتفاقم خلال الفترة الثانية.

* نماذج من العمليات الإرهابية خلال ولاية نوري المالكي الأولى (2006)

بغداد - الصّدر 4 مايو (أيار)، تفجير بناية محكمة، قتلى وجرحى
بغداد - الصّدر 19 مايو، تفجيرات، قتلى وجرحى
بابل - المسيب 19 مايو، اغتيالات، العثور على جثث
بغداد 1 يونيو، قتل حراس المنشآت وقطع رؤوس
البصرة 10 يونيو، اغتيال الشيخ يوسف الحسان، وتصاعد الحرب الطائفية
بغداد - الكرخ 16 يونيو، تفجير جامع براثا وسقوط قتلى وجرحى
بغدد - الصّدر 30 يونيو، تفجيرات، مجزرة
النّجف - الكوفة 17 يوليو (تموز)، تفجيرات، قتلى وجرحى
بغداد - المحمودية 17 يوليو، تفجيرات، قتلى وجرحى
بغداد - الصّدر 23 يوليو، تفجيرات، قتلى وجرحى
كركوك 23 يوليو، تفجيرات، قتلى وجرحى
النّجف 9 أغسطس (آب)، تفجيرات، قتلى وجرحى
بغداد - الصّدر 22 سبتمبر (أيلول)، تفجيرات، قتلى وجرحى
الموصل، 11 أكتوبر (تشرين الأول)، اغتيال القس بولص إسكندر ضد المسيحيين
الحلة 11 أكتوبر، اغتيال محمد القاسمي، رئيس حزب الوحدة الإسلامية، أحد أبرز المناهضين للقتل الطّائفي
بغداد - حي العامل، 6 نوفمبر (تشرين الثاني)، تدمير جامع العشرة المبشرة، قتلى وجرحى
البصرة، 30 نوفمبر، اغتيال معاون الوقف السني مع ستة من حراسه
بغداد - سوق الصدرية، 2 ديسمبر (كانون الأول)، تفجيرات، أكثر من 84 قتيلا
بغداد، 5 ديسمبر (كانون الأول)، تفجيرات، أكثر من 30 قتيلا
بغداد - الصدر، 6 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير انتحاري وقذائف هاون، قتلى وجرحى
بغداد - النهروان، 9 ديسمبر (كانون الأول)، قذائف هاون، أكثر مِنْ 25 قتيلا
كربلاء، 9 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير في سوق مركزي، قتلى وجرحى
بغداد - ساحة الطيران، 12 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير انتحاري وسط عمال، 60 قتيلا ومئات الجرحى
بغداد، 14 ديسمبر (كانون الأول)، اختطاف جماعي من سوق تجارية، 40 - 50 شخصا
بغداد، 17 ديسمبر (كانون الأول)، اختطاف جماعي، لموظفي الهلال الأحمر
بغداد، 22 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير انتحاري، كلية الشرطة، 21 قتيلا
بغداد، 28 ديسمبر (كانون الأول)، تفجيرات متعددة، 77 قتيلا
بغداد، 30 ديسمبر (كانون الأول)، إعدام صدام حسين، العنف يتصاعد
بغداد - الكرخ، 31 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير في سوق الشّواكة، قتلى وجرحى
(2007)
بغداد، 16 يناير (كانون الثاني) تفجير بالجامعة المستنصرية، أكثر من 70 ضحية
بغداد، 18 يناير تفجيرات متعددة، قتلى وجرحى
بغداد، 22 يناير، تفجير بباب الشرقي، مجزرة
بغداد، 31 يناير، العثور على جثث أساتذة جامعيين، استمرار قتل الكفاءات
بابل، 1 فبراير (شباط)، جماعة الزركة (جند السّماء)، قتلى بالمئات
بابل - الحلة، 1 فبراير، تفجير وسط سوق شعبية، 195 قتيلا وجريحا
بغداد - الصّدرية، 3 فبراير، تفجير سوق، 130 قتيلا ومئات الجرحى
بغداد - الأعظمية، 4 فبراير، قذائف هاون، قتلى وجرحى
بغداد، 5 فبراير، تفجيرات، 120 قتيلا
بغداد - الكرخ، 13 فبراير، تفجير حافة، 18 قتيلا
بغداد، 12 أبريل، تفجير انتحاري بمجلس النواب، 8 قتلى ونائبان
بغداد 12 أبريل، تفجير جسر الصرافية ، قتلى وغرقى
الفلوجة 24 أبريل، تفجير موكب جنائزي ، نحو 40 قتيلا
كربلاء، 28 أبريل، تفجير قرب مرقد العباس، مئات القتلى والجرحى
الموصل، 2 يونيو، اغتيال قس وشمامسة، عنف ضد مسيحيين
البصرة - الزبير، 14 يونيو، تفجير مرقد الصحابي طلحة، عبوات ناسفة
الموصل - الحمدانية، 14 أغسطس، تفجير قرى الأيزدية، مئات القتلى
بغداد - الصّدر، 4 سبتمبر، تفجيرات، مجزرة
الأنبار - الرمادي، 13 سبتمبر، اغتيال عبد الستار أبو ريشة، رئيس الصحوات
بغداد - الكرخ ، 19 أكتوبر، تفجير جامع البركة، قتلى وجرحى
بغداد، 25 نوفمبر، تفجير بباب المعظم، 50 قتيلا
بابل - الحلة، 9 سبتمبر، اغتيال اللواء قيس المعموري، قائد شرطة الحلة
الأنبار - هيت، 12 ديسمبر (كانون الأول)، تفجير الجسر الرئيسي، قتلى وجرحى
ميسان - العمارة، 12 ديسمبر (كانون الأول)، ثلاثة تفجيرات، قتلى وجرحى
ديالى - بعقوبة 24 ديسمبر (كانون الأول)، اختطاف مواطنين، 14 رجلا وامرأة وطفلا



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.