«الهيئة العليا» السورية تطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه انهيار الهدنة

الزعبي لـ «الشرق الأوسط»: الجامعة العربية غائبة عن المشهد.. ولا مفاوضات دون الإيفاء بالاستحقاقات

قافلة من الأدوية والتجهيزات الطبية خلال توجهها إلى مضايا والزبداني شمال غرب دمشف (أ.ف.ب)
قافلة من الأدوية والتجهيزات الطبية خلال توجهها إلى مضايا والزبداني شمال غرب دمشف (أ.ف.ب)
TT

«الهيئة العليا» السورية تطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه انهيار الهدنة

قافلة من الأدوية والتجهيزات الطبية خلال توجهها إلى مضايا والزبداني شمال غرب دمشف (أ.ف.ب)
قافلة من الأدوية والتجهيزات الطبية خلال توجهها إلى مضايا والزبداني شمال غرب دمشف (أ.ف.ب)

حمّلت «الهيئة العليا للمفاوضات» السورية المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه انهيار الهدنة وفشل الحل السياسي، ووجهت عتبها الأكبر على جامعة الدول العربية، حيث ترى أنها «غائبة عن المشهد السوري وصياغة محدداته». كما قالت في بيان لها معلن لها إن هناك تآمرا روسيًا - أميركيًا يساند النظام السوري ويمكّن ميليشياته الإيرانية والمرتزقة التي تصدّرها لسوريا من العراق ولبنان وأفغانستان وإيران مجهّزة بأحدث التدريبات والأسلحة الفتاكة، لضرب الشعب السوري، مع سبق الإصرار في استمراره باتباع سياسة التطهير والتجويع والحصار. ومن جهة ثانية، قال أسعد عوض الزعبي، رئيس وفد المعارضة السورية المفاوض في جنيف، أمس: «على المجتمع الدولي تحمّل مسؤولية انهيار الهدنة وفشل المفاوضات وتعثر الحل السياسي. وفي هذا المقام لن نستثني أحدا من مسؤولية ما يجري حاليا على أرض الواقع في سوريا، بما في ذلك الجامعة العربية، لأنها هي أول من يتصدى للمسألة السورية، وأولى بتزويدنا بالعتاد والسلاح والوقوف بصلابة أمام التآمر الروسي – الأميركي – الإيراني، حتى نستمد دفعة قوية ضد هذا التآمر الذي يسعى لتمكين بشار وزمرته، على حطام شعبه». وأعرب عن اعتقاده، في المقابل، أن المملكة العربية السعودية تقف في مقدمة معاوني «الهيئة العليا» من الخليجيين، بكل الوسائل الممكنة.
الزعبي أضاف أنه «في ظل هذا الواقع لا نجد مبررا للذهاب إلى جنيف أخرى، ما لم يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته كاملة وينفذ قراراته التي أصدرها وفق القرارين 2254 و2268 لإيصال المساعدات للمحاصرين وإطلاق سراح المعتقلين»، مشيرا إلى تمسك المعارضة والقوى الثورية برحيل رئيس النظام بشار الأسد والشروع في الانتقال السياسي بعد تكوين هيئة حكم كاملة الصلاحيات، منوها بأن استيفاء تلك المتطلبات، هو الضامن الوحيد لإنجاح أي مفاوضات أخرى.
وأردف الزعبي قائلا إن لدى «الهيئة العليا للمفاوضات»، عدة ملاحظات حول ملخص الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا لجولة المحادثات بين 13 و27 أبريل (نيسان) المنصرم. ولقد أكدت من خلالها التزامها بالتعاون مع الجهود الدولية للدفع بالعملية السياسية للأمام، ورفع المعاناة عن الشعب السوري بفك الحصار عن المدن والمناطق المحاصرة، وتمكين الوكالات الإنسانية من توصيل المساعدات إلى من هم في حاجة إليها في جميع المناطق والإفراج عن جميع المعتقلين. وأشار إلى أن غاية ما وصفه بـ«التآمر الروسي – الأميركي» حماية معاقل الأسد.
من ناحية ثانية، شددت «الهيئة العليا» في موقفها على «ضرورة وقف القصف الجوي والمدفعي والهجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية في سوريا، ووقف عمليات التهجير القسري وتنفيذ أحكام الإعدام وذلك وفق ما نصّت عليه المواد 12 و13 و14 من قرار مجلس الأمن 2254. والعمل على تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، تتولى عملية الانتقال السياسي وتكفل رحيل بشّار الأسد وزمرته من الحكم وضمان محاسبتهم وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب».
ويأتي هذا الموقف بناءً على الضمانات والتعهدات الخطية التي تلقتها «الهيئة» من الكثير من القوى الدولية بضرورة تحسين الوضع الإنساني إضافة إلى التعهدات التي نقلت لها على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، والتأكيد الخطي للمبعوث الأممي لدى سوريا دي ميستورا، باعتبار أن «المسألة الإنسانية فوق مستوى التفاوض» وأنها «لا تدخل ضمن الأجندة التفاوضية مع النظام باعتبارها حقا طبيعيا للشعب السوري»، وفق ما نص عليه قرار مجلس الأمن بصيغة التنفيذ الفوري. وبناء على ما ورد في مذكرة دي ميستورا الخميس الماضي، فإن «الهيئة العليا» أوضحت عدة نقاط من بينها أن النظام يعمل على إفشال الحل السياسي والعملية التفاوضية من خلال تصعيد جرائمه ضد المدنيين بالتزامن مع عقد المفاوضات في جنيف.
وذكرت أن طلبها تأجيل المفاوضات: «يهدف لتثبيت الالتزام ببنود الهدنة واستكمال مستلزمات الملف الإنساني للمناطق المحاصرة». وأبدت استغرابها من «عقد مفاوضات مع نظام يمعن في انتهاك الحقوق الأساسية للشعب السوري، ضاربا عرض الحائط بالقانون الدولي الإنساني بإحكام الحصار على أكثر من نصف مليون مواطن، مع استخدام الحصار والتجويع والاستمرار في سجن العشرات من الآلاف في انتهاك واضح لأدنى مبادئ الكرامة الإنسانية والقرارات الأممية».
ولفتت «الهيئة» إلى أن النظام السوري، يخرق الهدنة بصورة يومية وممنهجة بانتهاك واضح لأدنى مبادئ الكرامة الإنسانية والقرارات الأممية عبر استهداف المناطق الآهلة بالسكان بالقصف المدفعي والجوي وبالبراميل المتفجرة والقذائف العنقودية والصواريخ الفراغية والرشاشات الثقيلة وراجمات الصواريخ مستندا إلى دعم حلفائه في كل من طهران وموسكو.
ولقد رهنت «الهيئة» نجاح العملية السياسية، بضرورة معالجة الوضع الإنساني المروع بوضوح وحزم، بحيث تنجز هذه العملية خارج الإطار التفاوضي من خلال إرادة دولية لوقف انتهاكات النظام وحلفائه وحملهم على التنفيذ الفوري وغير المشروط للقرارات الأممية ذات الصلة، مشيرة إلى أن «استمرار الجدل مع النظام، بشأن تفاصيل المرحلة الانتقالية، قبل تشكيل هيئة الحكم الانتقالي يحقق مراميه في كسب الوقت، ويسهم في التغطية على جرائم الحرب التي يرتكبها، ولا يتناسب مع التصعيد العسكري، الذي يعد له النظام وإيران والميليشيات التابعة لها». وأكدت أن هناك حشدًا مستمرًا من القوات الأجنبية مع تدفق الأسلحة الثقيلة والدبابات إلى ترسانة النظام، مع تجنيد عشرات الآلاف من المرتزقة من العراق وإيران وأفغانستان ولبنان لشن عمليات عدائية واسعة النطاق في ظل صدور فتاوى طائفية بالجهاد المقدس ضد الشعب السوري على مرمى ومسمع العالم. ومن ثم دعت «مجموعة أصدقاء سوريا» بالتدخل لوقف الانتهاكات بحق الشعب السوري ومنع انهيار الهدنة وإنقاذ العملية السياسية قبل فوات الأوان.
كذلك طالبت «الهيئة» المجتمع الدولي «باتخاذ إجراءات تعيد الاعتبار لقرارات مجلس الأمن وتلزم الدول الأعضاء التي تساهم في الحملة ضد الشعب السوري باحترام هذه القرارات، ووقف التصعيد في سائر المحافظات السورية وخاصة في حلب، التي تحولت إلى مدينة منكوبة في ظل القصف الروسي»، مشددة على ضرورة أن تعمل هذه الدول مع الأمم المتحدة على توفير بيئة ملائمة للعملية السياسية.
ولفتت «الهيئة»إلى أن ملخص دي ميستورا: «تفادى جوهر المفاوضات وهو تحقيق عملية الانتقال السياسي كهدف وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي كوسيلة، مع ما يقتضيه ذلك من رحيل بشار الأسد وزمرته ممن تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري»، مؤكدة على أن «أي مفاوضات لا تعالج هذه المسألة لن يكتب لها التقدم والنجاح». وبينت أن بشار وزمرته فقدوا الشرعية وفق القانون الدولي، وبناء على المواقف الرسمية والمعلنة لـ«مجموعة دعم سوريا»، ولا يمكن أن تكون «الهيئة» جزءا من أي ترتيبات تعيد تأهيل الأسد ونظامه الإجرامي «بعد ولوغه في الدم السوري وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أدانتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان في عدة مناسبات».
ومع ذلك أكدت «الهيئة» رغبتها في توسيع مشاركة سائر السوريين في مفاوضات الحل النهائي، وإدماج كل فئات المجتمع في «حوار وطني شامل لإعادة بناء الدولة»، مشددة على أن «الإصرار على فرض أشخاص بعينهم لا يتمتعون بحيثية تمثيلية ودون اتباع معايير واضحة، يصب في الجهود التي تبذلها بعض القوى لتمييع مفهوم المعارضة من خلال إدماج مجموعات محسوبة على النظام ضمن العملية التفاوضية وتجريم المعارضة وتصنيفها في خانة الإرهاب». وأضافت أن وفدها هو الممثل الشرعي لقوى الثورة والمعارضة في سياق العملية السياسية ووفق معايير وطنية واضحة.
ثم دعت الأمم المتحدة والوسيط الدولي إلى احترام هذه المعايير «لأنها تعبر عن إرادة السوريين السياسية والعسكرية والثورية، وليست محاولات ترضية لبعض الأطراف الدولية»، مؤكدة على حماية استقلال سوريا وصيانة وحدتها أرضا وشعبا وفقا لمبادئ السيادة الوطنية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة وبناء المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. واختتمت «الهيئة» عرض مواقفها بالقول: «لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال استعادة الشرعية للشعب وليس من خلال إعادة تأهيل النظام أو عبر منحه شرعية مفقودة، من خلال إشراكه في صياغة دستور جديد للبلاد. ولقد قدمت الهيئة رؤية واضحة حول صياغة الوثائق الأساسية الحاكمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، إلا أن ذلك لا بد أن يكون في إطار الشرعية الجديدة المنبثقة من هيئة الحكم الانتقالي دون الوقوع في أي فراغ دستوري ولا تتفق الهيئة مع أي طرح يرى إمكانية الاستناد إلى بدائل أخرى وصياغات دستورية شكلية خارج إرادة الشعب السوري وممثليه الحقيقيين، الذين يشكلون الضمان الحقيقي لولادة سوريا الجديدة».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.