دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»

طموحات روسيا ومحاذير أميركا تحاصران مهمة المبعوث الدولي إلى سوريا

دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»
TT

دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»

دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»

قضيتان سهلا على مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا مهمته، خلافًا للمبعوثين الدوليين اللذين سبقاه، وهما ظهور تنظيم داعش، الذي يعدّ خصمًا لكل الأطراف المتقاتلة في سوريا، وتمدّده، والانخراط الدولي المباشر في الأزمة السورية، لا سيما من قبل القطبين الأميركي والروسي.
غير أن التعويل على الانخراط الدولي الذي راهن عليه سلفاه كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، اتضح، بعد 22 شهرًا على انطلاق مهمة دي ميستورا، أنه غير حاسم. فاتفاق روسيا والولايات المتحدة على الخطوط العريضة لن يكون كافيًا لإيقاف حمام الدم إذا تجاهل الطرفان التفاصيل، بينها تلك المتعلقة بمصالح واحتياجات السوريين وطموحاتهم، ولن يكون ناجعًا إذ استُثنيت آراء أطراف أخرى مؤثرة في الأزمة السورية، بينها الدول الإقليمية. وهكذا برزت عقبات جديدة أمام دي ميستورا، الذي لم يبالغ بطموحاته منذ توليه المهمة الأكثر تعقيدًا في القرن الحالي، وكان واقعيًا في السعي لتحقيق إنجازات محدودة، تتسع تدريجيًا من إدخال المساعدات إلى فك الحصار في المناطق، وصولاً إلى تحقيق اتفاقات لوقف إطلاق النار، والبدء بالعملية السياسية.
بُعيد تسلمه مهمة المبعوث الدولي لحل النزاع السوري، قال ستافان دي ميستورا في مقابلة مع الـ«بي بي سي» إن الحديث عن خطة سلام «سيكون طموحًا». لم يبالغ دي ميستورا آنذاك بطموحاته، فهو يعرف تعقيدات المشهد السوري، ولعبة «شد الحبال» الدولية تجاه الأزمة. أعطى نفسه فرصة لتحقيق إنجازات، بطريقة متدرجة، نجح في بعضها، وفشل في الحفاظ على بعض الإنجازات. لكنه استطاع، إلى حد ما، تخفيض منسوب الدم المسال على مساحة البلاد، على الأقل في الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في 27 فبراير (شباط) الماضي قبل انهيارها في الشمال، وصمودها في الجنوب وفي ريف دمشق، وإدخال المساعدات إلى 7 مناطق من أصل 18 منطقة محاصرة، وفتح النقاش مجددًا على تسويات محتملة، أجبرت النظام على التنازل في بعض الملفات، قبيل انعقاد جلسات «جنيف 3».
والواقع أن النجاح المحدود في تحقيق إنجازات، يعود إلى أن الأمم المتحدة، «سلطة بلا مخالب». فهي مظلة دبلوماسية، بينما دبلوماسيوها «عراة بلا قوة»، كما قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلتمان، في معرض وصفه لحاله بعد انتقاله إلى مهمة دبلوماسية دولية، تلت مهمته بصفته سفيرا في الخارجية الأميركية.
في يوليو (تموز) 2014. اختار بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، الدبلوماسي الإيطالي - السويدي المخضرم، ليكون مندوب الأمم المتحدة إلى سوريا خلفا للأخضر الإبراهيمي الذي استقال من منصبه في 31 مايو (أيار) الماضي.
وجاء اختيار دي ميستورا، بعدما واجهت الأمم المتحدة تحديًا كبيرًا في اختيار مندوب جديد بعد استقالة الإبراهيمي بعدما يقرب من عامين من الجهود الفاشلة لإنهاء الصراع في سوريا.
وخطا الإبراهيمي الخطوة نفسها التي خطاها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، الذي استقال من المنصب نفسه في أغسطس (آب) 2012 بعد فشل جهوده في التوصل إلى اتفاق بين النظام السوري والمعارضة لوقف إطلاق النار وتطبيق بنود اتفاقية جنيف الأولى في 2012.
وتضاءلت احتمالات التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض وسط تصاعد أعمال العنف والقتال. وواجهت منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عدة انتقادات واتهامات بالفشل في توحيد الجهود لإنهاء الحرب السورية، خصوصا بعد اعتراض روسيا والصين على أربعة قرارات لمجلس الأمن ضد حكومة النظام السوري.
لكن مجيء دي ميستورا، تزامن مع تغيرات دراماتيكية في الأزمة السورية. فبعد أقل من شهرين، أعلن تنظيم داعش عاصمته، وتمدّد على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، وهو ما استدعى توحيد الجهود لضربه، والإعلان عن توسيع «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، بقيادة الولايات المتحدة، ضرباته إلى سوريا في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
* إقرار بالصعوبات
في بدايات مهمته، وخلال اجتماع تشاوري لوزراء خارجية الجامعة العربية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، قدم دي ميستورا عرضا لرؤيته للوضع السوري بعد زيارته دمشق. واعترف دي ميستورا بأنه ليس لديه مشاريع كبرى في الوقت الراهن فيما يتعلق بالأزمة السورية، موضحا أن أولوياته تتركز في 3 نقاط، هي الحد من مستوى العنف، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وتعزيز العملية السياسية. وقال ميستورا: «سأكون واقعيا في طموحاتي. سأركز على تقليل العنف وتعزيز المساعدات الإنسانية ودفع عملية سياسية شاملة لكل السوريين داخل وخارج سوريا»، وأضاف: «لقد عانى السوريون كثيرا خلال السنوات الثلاث الماضية، وعلينا التفكير في أفكار مبتكرة عبر عملية سياسية شاملة».
وحول اتفاقات جنيف، قال دي ميستورا: «اتفاقات جنيف هي الإطار العام لعملي، لكن التغيرات على أرض الواقع يحب ألا نغفلها». وأشار إلى تردي الأوضاع الإنسانية محذرا من ضعف توافر الأموال لعمليات الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية.
وأكد المبعوث الأممي إلى سوريا، أن استخدام القوة العسكرية ضد تنظيم داعش لا يكفي، وأن هناك حاجة لعملية سياسية، مشيرا إلى أن الجميع يدرك ذلك بمن فيهم الرئيس السوري بشار الأسد.
لاحقًا، وبعد انعقاد ثلاث جلسات من حوار جنيف، أقر دي ميستورا مجددًا بالفشل، مطالبًا الأطراف المعنية بالأزمة بالتدخل مرة جديدة. فقد طالب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا قبل أيام بتدخل أميركي - روسي «عاجل» وعلى أعلى مستوى لإنقاذ محادثات السلام السورية. وأضاف أن «المحادثات لن تكون ذات معنى إلا في حال عودة وقف إطلاق النار إلى المستوى الذي كان عليه في فبراير ومارس (آذار) الماضيين. وقال مبعوث الأمم المتحدة إن «خلافات كبيرة ما زالت قائمة بين الحكومة السورية وجماعة المعارضة الرئيسية في رؤيتهما لانتقال سياسي في سوريا على الرغم من بعض القواسم المشتركة».
وفي وثيقة من سبع صفحات أصدرها في ختام جولة من المحادثات استمرت أسبوعين قال دي ميستورا إن «الجانبين يتشاركان الرأي في أن الإدارة الانتقالية قد تشمل أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومستقلين وآخرين»، مشيرًا إلى أن الجولة القادمة من المحادثات السورية ستعقد في مايو المقبل.
* خلافات متواصلة
الواقع أن التطورات على المشهد السوري، لم تساهم في تقريب وجهات نظر الحل، على ضوء اختلافات في وجهات النظر بين موسكو وواشنطن، كما يجمع الخبراء.
يقول سفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور رياض طبارة، إنه «لا توافق كاملاً بين واشنطن وموسكو حول الملف السوري»، معربًا عن اعتقاده أن «هناك خلافات على تقاسم الحل النهائي بدليل أن كلا من الطرفين يساند أطرافًا في سوريا». ويوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن روسيا «تمتلك طموحات واسعة في سوريا، لم يوافق عليها الأميركيون، ما يعني أن الصورة النهائية للحل، لم تتبلور»، ويشرح: «تطمح روسيا إلى أن يكون لديها موطئ قدم في المنطقة، وتحلم بأن تعيد لنفسها أدوارًا لعبتها في السابق إبان فترة روسيا القيصرية وزمن الاتحاد السوفياتي، وخصوصًا تثبيت موطئ قدم لها في المياه الدافئة في البحر المتوسط»، لافتًا إلى أن «البلد الوحيد الذي يمكن أن يعيد روسيا إلى المتوسط، هو سوريا، وتطمح لأن تستحوذ على منطقة تمتد من جنوب دمشق إلى الساحل السوري، بوصفه عمقا استراتيجيا لها في المنطقة، تفاوض منها على الحل السياسي في سوريا»، بينما «لم يقتنع الأميركيون بهذا الحل على حساب منطقة تهمهم».
هذه النقطة، تبدو محل إجماع لدى المراقبين، إذ يشير الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الروسية الدكتور نسيب حطيط، إلى أن الأميركيين «لن يرضوا بأن تكون روسيا اليوم شريكًا لهم في المنطقة التي يتمتعون فيها بنفوذ منذ 30 سنة، بعد السبات الروسي وانهيار الاتحاد السوفياتي»، في وقت «سنحت الأزمة السورية لروسيا بفرصة أن تكون ندا للأميركيين في منطقة يحتكرون سياستها منذ 3 عقود».
ويوضح حطيط في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحالة السورية «وفرت للروسي فرصة تثبيت نفوذه في المياه الدافئة، وهي الفرصة الأخيرة التي بقيت له، بعد فقدانها في ليبيا، وفقدان السيطرة على باب المندب، وبالتالي سيتمسك بها حرصا على مصالحه». ويضيف: «لكن ذلك تواجهه عقبات إقليمية، كما أميركية، ذلك أن تركيا مثلاً تتوجّس من النفوذ الروسي حول حدودها في سوريا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقًا، وهو ما يدفعها إلى تحريك جبهات في مناطق حيوية بالنسبة للروس في سوريا وأرمينيا وغيرها».
من هنا، يرى حطيط «أننا أمام مشكلة مركبة تتمثل في دول تحاول الحفاظ على مصالحها، وتسعى لحفظ حصتها، ومشكلة دولية أخرى تتمثل في الطموحات الصينية، إذ يعتقد أن الصين ستتدخل بوصفها عاملا إضافيا في المنطقة للحفاظ على مصالحها، بعدما تبين بالنسبة لها أن الجميع يختبئ وراء الحل السياسي لتثبيت مصالحه، وترى أن هناك مشكلات في أفريقيا، حيث المصالح الحيوية للصين، تلوح في الأفق، لمحاصرة مصالحها، إثر ظهور مؤشرات على ترحيل أزمة الإرهاب من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا، بدل القضاء عليها هنا، بدليل ما قاله الروس الأسبوع الماضي عن طرح ورقة جديدة تتحدث عن تحالف (داعش) والقاعدة في ليبيا الذي يمكن أن يسقط أفريقيا».
* معضلة «داعش»
ومع أن «داعش» شكل نقطة التقاء بين جميع الأطراف المعنية بالأزمة السورية حول ضرورة محاربته، فإن هذا الاتحاد، لم يقد إلى اتفاق نهائي يفرض توحيد الجهود للقضاء عليه، انطلاقًا من حل سياسي وإيقاف الاستنزاف الناتج عن المعارك الجانبية. وهنا يرى سفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور رياض طبارة أن «داعش» «قرّبت المسافات لقتالها، لكنها لم تقرب التوجهات التالية وهي الحل النهائي للأزمة السورية»، مؤكدًا أن «الحل النهائي يفتح باب تصنيف المجموعات بين إرهابي وغير إرهابي، فضلاً عن أن قتال (داعش) يحتاج إلى مقاتلين في الميدان، يتطلب إما أن ينزل الأميركيون قوة ضاربة لقتال التنظيم، وإما البحث عمن يحارب التنظيم فعليًا على الأرض».
ووسط هذه التأكيدات، يضيء حطيط نقطة نزاع تجاه التنظيم، فيقول: «الإعلان عن عدو مشترك أمام التحالف الدولي، الذي يحظى بإجماع بالمنطق الإعلامي، لا يُطبق حرفيًا بالمعطى الميداني، بالنظر إلى تقارير غربية تحدثت عن أن المدد الداعشي قرب الحدود التركية لا يزال مستمرا»، مشيرًا إلى أن «أثير وسائل التواصل الاجتماعي الذي تتحكم به الإدارات الغربية، ما زال مفتوحًا بمجمله». وعليه: «فهناك تفاوت بالرؤى وبالآلية حول قتاله»، رغم أن تقارير دولية تحدثت أخيرًا عن تقويض قدرته على جذب المقاتلين، وانخفاض نسبة التجنيد والتواصل إلى مستويات تقارب الـ10 في المائة فقط، عما كانت عليه في ربيع 2015. ويضيف حطيط: «بالمعطى العام، هناك تعاون روسي أميركي، لكن بالتفاصيل ومستقبل ما بعد (داعش)، لا تزال الاختلافات قائمة».
* التدخل الروسي
بدا أن تفعيل النقاش الأميركي - الروسي حول سوريا، كان محفزًا لإطلاق الحل السياسي، وذلك بعد التدخل الروسي بغرض تحقيق توازن عسكري في الميدان، بعد تدهور القوة العسكرية للنظام السوري، وانحسار نفوذه عن رقعة كبيرة من الميدان في الشمال، وتحديدًا في إدلب وريف حلب، وصولاً إلى ريف اللاذقية الشمالي. وعليه دعا دي ميستورا إلى اجتماعات «جنيف 3» التي بدت كقطعة سكر، وضعها المبعوث الدولي على مائدة وفدي النظام والمعارضة كطعم لإحضارهم إلى الطاولة، قبل أن يتضح أنها مجرد طعم، بحسب تعبير المعارض السوري ميشال كيلو.
وبينما يجدد حطيط تأكيده أنه «حتى اللحظة لم ينضج الحل النهائي لما بعد (داعش)، يقول طبارة: «ما فعّل النقاش الأميركي - الروسي، أن بوتين وجد الوقت المناسب للتدخل، وذلك بعدما فشلت أميركا في احتواء (داعش)، واستمراره في التمدد، بالتزامن مع تفاقم أزمة اللاجئين إلى أوروبا، وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، فتدخل بذريعة محاربة (داعش)، بينما ظهر أن الأهداف تتمثل في تثبيت موطئ قدم له في سوريا». ويضيف: «التدخل الروسي، فتح باب النقاش المباشر بين واشنطن وموسكو على الشأن السوري، لكن غياب التصور النهائي للحل، لم يوصل إلى آخر النفق، لذلك فشلت محادثات جنيف مرة أخرى، وبدلا من أن نصبح في جنيف 15، أوقف دي ميستورا العد، وأعطى الجلسات أرقامًا ضمن إطار الجولة الثالثة من المحادثات».
وينتقد طبارة ما أسماه «تسرع دي ميستورا»، قائلاً: «أتصور أن دي ميستورا على عجلة من أمره لعقد اللقاءات أكثر من اللازم، فعقد اجتماعات من غير وجود قاعدة لها، ما جعلها خطوة غير ناجعة». ويضيف: «الاجتماعات يجب أن تستند إلى أرضية ثابتة، تقوم على اتفاقات على المستوى الدولي وهي مفقودة حتى الآن، وهو ما يضع مصداقية اجتماعات جنيف على المحك، ومن شأنه أن يهدد الاتفاقات المتفرقة لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية».
بالفعل، قاد الفشل في محادثات جنيف الأخيرة، إلى انهيار جزئي للاتفاق الأميركي - الروسي لوقف إطلاق النار في سوريا، وذلك إثر تصعيد عسكري شهدته المنطقة الشمالية، دفع ثمنه المدنيون في مناطق سيطرة المعارضة والنظام في حلب الأسبوع الماضي. وبات اتفاق الهدنة على المحك، إذ انهار في الشمال، من غير الاعترافات بانهياره، بينما حافظ على مستويات مرتفعة من الصمود في الجنوب وحول دمشق، ما خلا خروقات في معارك مع أطراف لا يشملها اتفاق الهدنة.
اليوم ينتظر انعقاد الجلسات الجديدة في مايو من «جنيف 3». لكن الشكوك تحيط بإمكانية نجاحه، في حال بقيت وجهات النظر الروسية - الأميركية متباعدة، بالنظر إلى أن الدولتين تمثلان أكبر التأثيرات بالملف السوري.
* مهام دولية في سوريا خلال خمس سنوات
لم ينجح أربعة مراقبين ومبادرين للبحث عن حل سياسي في سوريا، سبقوا دي ميستورا إلى مهمته.
ففي العام 2012، وصل الفريق محمد أحمد الدابي إلى سوريا. وقبل أن يصل واجه تغطية إعلامية غير مشجعة، ورد فعل من المعارضة السورية غير مشجع أيضا. أما الثاني، فكان الجنرال النرويجي روبرت مود، الذي عين قائدا لقوات المراقبة الدولية، ثم أخذ نصيبه من الغموض: هل هي قوات مراقبة؟ أم حفظ سلام؟ هل هو قائد عسكري؟ أم مبعوث دبلوماسي أيضا؟
في البداية، طلب زيادة عدد القوات، ثم طلب تجميد طلبه، ثم أعلن تجميد عمل القوات، ثم انسحب.
وكان الثالث المناوب الجنرال السنغالي أبو بكر غاي، الذي خلف الجنرال النرويجي، لكنه، لم يكن مبعوثا شخصيا، واكتفى بمنصب ممثل الأمين العام وقائد قوات المراقبة، بعد أن انخفضت من 500 إلى 150 فقط، ثم إلى صفر.
وكان الثالث الرئيسي كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، تفاءل، وقدم خطة من 6 نقاط. وبعد 6 أشهر، بدأ يشتكي الدول الكبرى للصحافيين، في مؤتمراته الصحافية. ومما قال: «آن الأوان لتزيد الدول الكبرى الضغط على الأطراف السورية المختلفة.. آن الأوان للتحرك، أكرر: آن الأوان لنتحرك.. الآن»، وحذر من استفحال الأزمة في سوريا، و«احتمال انتشارها إلى الدول المجاورة». وتمكن أنان من عقد مؤتمر جنيف 1 الذي بات أساسًا للمحادثات السورية.
بعد أنان، كان المبعوث الرابع جزائريا، هو الأخضر الإبراهيمي. الذي راهن على الدول الكبرى، التي خيبت أمله. وراهن على مؤتمر جنيف 2 في عام 2014 لتطبيق إعلان «جنيف1» في عام 2012. وانهار «جنيف2» بعد جولتين فقط.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».