دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»

طموحات روسيا ومحاذير أميركا تحاصران مهمة المبعوث الدولي إلى سوريا

دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»
TT

دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»

دي ميستورا.. «سلطة بلا مخالب»

قضيتان سهلا على مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا مهمته، خلافًا للمبعوثين الدوليين اللذين سبقاه، وهما ظهور تنظيم داعش، الذي يعدّ خصمًا لكل الأطراف المتقاتلة في سوريا، وتمدّده، والانخراط الدولي المباشر في الأزمة السورية، لا سيما من قبل القطبين الأميركي والروسي.
غير أن التعويل على الانخراط الدولي الذي راهن عليه سلفاه كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، اتضح، بعد 22 شهرًا على انطلاق مهمة دي ميستورا، أنه غير حاسم. فاتفاق روسيا والولايات المتحدة على الخطوط العريضة لن يكون كافيًا لإيقاف حمام الدم إذا تجاهل الطرفان التفاصيل، بينها تلك المتعلقة بمصالح واحتياجات السوريين وطموحاتهم، ولن يكون ناجعًا إذ استُثنيت آراء أطراف أخرى مؤثرة في الأزمة السورية، بينها الدول الإقليمية. وهكذا برزت عقبات جديدة أمام دي ميستورا، الذي لم يبالغ بطموحاته منذ توليه المهمة الأكثر تعقيدًا في القرن الحالي، وكان واقعيًا في السعي لتحقيق إنجازات محدودة، تتسع تدريجيًا من إدخال المساعدات إلى فك الحصار في المناطق، وصولاً إلى تحقيق اتفاقات لوقف إطلاق النار، والبدء بالعملية السياسية.
بُعيد تسلمه مهمة المبعوث الدولي لحل النزاع السوري، قال ستافان دي ميستورا في مقابلة مع الـ«بي بي سي» إن الحديث عن خطة سلام «سيكون طموحًا». لم يبالغ دي ميستورا آنذاك بطموحاته، فهو يعرف تعقيدات المشهد السوري، ولعبة «شد الحبال» الدولية تجاه الأزمة. أعطى نفسه فرصة لتحقيق إنجازات، بطريقة متدرجة، نجح في بعضها، وفشل في الحفاظ على بعض الإنجازات. لكنه استطاع، إلى حد ما، تخفيض منسوب الدم المسال على مساحة البلاد، على الأقل في الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في 27 فبراير (شباط) الماضي قبل انهيارها في الشمال، وصمودها في الجنوب وفي ريف دمشق، وإدخال المساعدات إلى 7 مناطق من أصل 18 منطقة محاصرة، وفتح النقاش مجددًا على تسويات محتملة، أجبرت النظام على التنازل في بعض الملفات، قبيل انعقاد جلسات «جنيف 3».
والواقع أن النجاح المحدود في تحقيق إنجازات، يعود إلى أن الأمم المتحدة، «سلطة بلا مخالب». فهي مظلة دبلوماسية، بينما دبلوماسيوها «عراة بلا قوة»، كما قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلتمان، في معرض وصفه لحاله بعد انتقاله إلى مهمة دبلوماسية دولية، تلت مهمته بصفته سفيرا في الخارجية الأميركية.
في يوليو (تموز) 2014. اختار بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، الدبلوماسي الإيطالي - السويدي المخضرم، ليكون مندوب الأمم المتحدة إلى سوريا خلفا للأخضر الإبراهيمي الذي استقال من منصبه في 31 مايو (أيار) الماضي.
وجاء اختيار دي ميستورا، بعدما واجهت الأمم المتحدة تحديًا كبيرًا في اختيار مندوب جديد بعد استقالة الإبراهيمي بعدما يقرب من عامين من الجهود الفاشلة لإنهاء الصراع في سوريا.
وخطا الإبراهيمي الخطوة نفسها التي خطاها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، الذي استقال من المنصب نفسه في أغسطس (آب) 2012 بعد فشل جهوده في التوصل إلى اتفاق بين النظام السوري والمعارضة لوقف إطلاق النار وتطبيق بنود اتفاقية جنيف الأولى في 2012.
وتضاءلت احتمالات التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض وسط تصاعد أعمال العنف والقتال. وواجهت منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عدة انتقادات واتهامات بالفشل في توحيد الجهود لإنهاء الحرب السورية، خصوصا بعد اعتراض روسيا والصين على أربعة قرارات لمجلس الأمن ضد حكومة النظام السوري.
لكن مجيء دي ميستورا، تزامن مع تغيرات دراماتيكية في الأزمة السورية. فبعد أقل من شهرين، أعلن تنظيم داعش عاصمته، وتمدّد على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، وهو ما استدعى توحيد الجهود لضربه، والإعلان عن توسيع «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، بقيادة الولايات المتحدة، ضرباته إلى سوريا في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
* إقرار بالصعوبات
في بدايات مهمته، وخلال اجتماع تشاوري لوزراء خارجية الجامعة العربية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، قدم دي ميستورا عرضا لرؤيته للوضع السوري بعد زيارته دمشق. واعترف دي ميستورا بأنه ليس لديه مشاريع كبرى في الوقت الراهن فيما يتعلق بالأزمة السورية، موضحا أن أولوياته تتركز في 3 نقاط، هي الحد من مستوى العنف، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وتعزيز العملية السياسية. وقال ميستورا: «سأكون واقعيا في طموحاتي. سأركز على تقليل العنف وتعزيز المساعدات الإنسانية ودفع عملية سياسية شاملة لكل السوريين داخل وخارج سوريا»، وأضاف: «لقد عانى السوريون كثيرا خلال السنوات الثلاث الماضية، وعلينا التفكير في أفكار مبتكرة عبر عملية سياسية شاملة».
وحول اتفاقات جنيف، قال دي ميستورا: «اتفاقات جنيف هي الإطار العام لعملي، لكن التغيرات على أرض الواقع يحب ألا نغفلها». وأشار إلى تردي الأوضاع الإنسانية محذرا من ضعف توافر الأموال لعمليات الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية.
وأكد المبعوث الأممي إلى سوريا، أن استخدام القوة العسكرية ضد تنظيم داعش لا يكفي، وأن هناك حاجة لعملية سياسية، مشيرا إلى أن الجميع يدرك ذلك بمن فيهم الرئيس السوري بشار الأسد.
لاحقًا، وبعد انعقاد ثلاث جلسات من حوار جنيف، أقر دي ميستورا مجددًا بالفشل، مطالبًا الأطراف المعنية بالأزمة بالتدخل مرة جديدة. فقد طالب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا قبل أيام بتدخل أميركي - روسي «عاجل» وعلى أعلى مستوى لإنقاذ محادثات السلام السورية. وأضاف أن «المحادثات لن تكون ذات معنى إلا في حال عودة وقف إطلاق النار إلى المستوى الذي كان عليه في فبراير ومارس (آذار) الماضيين. وقال مبعوث الأمم المتحدة إن «خلافات كبيرة ما زالت قائمة بين الحكومة السورية وجماعة المعارضة الرئيسية في رؤيتهما لانتقال سياسي في سوريا على الرغم من بعض القواسم المشتركة».
وفي وثيقة من سبع صفحات أصدرها في ختام جولة من المحادثات استمرت أسبوعين قال دي ميستورا إن «الجانبين يتشاركان الرأي في أن الإدارة الانتقالية قد تشمل أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومستقلين وآخرين»، مشيرًا إلى أن الجولة القادمة من المحادثات السورية ستعقد في مايو المقبل.
* خلافات متواصلة
الواقع أن التطورات على المشهد السوري، لم تساهم في تقريب وجهات نظر الحل، على ضوء اختلافات في وجهات النظر بين موسكو وواشنطن، كما يجمع الخبراء.
يقول سفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور رياض طبارة، إنه «لا توافق كاملاً بين واشنطن وموسكو حول الملف السوري»، معربًا عن اعتقاده أن «هناك خلافات على تقاسم الحل النهائي بدليل أن كلا من الطرفين يساند أطرافًا في سوريا». ويوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن روسيا «تمتلك طموحات واسعة في سوريا، لم يوافق عليها الأميركيون، ما يعني أن الصورة النهائية للحل، لم تتبلور»، ويشرح: «تطمح روسيا إلى أن يكون لديها موطئ قدم في المنطقة، وتحلم بأن تعيد لنفسها أدوارًا لعبتها في السابق إبان فترة روسيا القيصرية وزمن الاتحاد السوفياتي، وخصوصًا تثبيت موطئ قدم لها في المياه الدافئة في البحر المتوسط»، لافتًا إلى أن «البلد الوحيد الذي يمكن أن يعيد روسيا إلى المتوسط، هو سوريا، وتطمح لأن تستحوذ على منطقة تمتد من جنوب دمشق إلى الساحل السوري، بوصفه عمقا استراتيجيا لها في المنطقة، تفاوض منها على الحل السياسي في سوريا»، بينما «لم يقتنع الأميركيون بهذا الحل على حساب منطقة تهمهم».
هذه النقطة، تبدو محل إجماع لدى المراقبين، إذ يشير الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الروسية الدكتور نسيب حطيط، إلى أن الأميركيين «لن يرضوا بأن تكون روسيا اليوم شريكًا لهم في المنطقة التي يتمتعون فيها بنفوذ منذ 30 سنة، بعد السبات الروسي وانهيار الاتحاد السوفياتي»، في وقت «سنحت الأزمة السورية لروسيا بفرصة أن تكون ندا للأميركيين في منطقة يحتكرون سياستها منذ 3 عقود».
ويوضح حطيط في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحالة السورية «وفرت للروسي فرصة تثبيت نفوذه في المياه الدافئة، وهي الفرصة الأخيرة التي بقيت له، بعد فقدانها في ليبيا، وفقدان السيطرة على باب المندب، وبالتالي سيتمسك بها حرصا على مصالحه». ويضيف: «لكن ذلك تواجهه عقبات إقليمية، كما أميركية، ذلك أن تركيا مثلاً تتوجّس من النفوذ الروسي حول حدودها في سوريا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقًا، وهو ما يدفعها إلى تحريك جبهات في مناطق حيوية بالنسبة للروس في سوريا وأرمينيا وغيرها».
من هنا، يرى حطيط «أننا أمام مشكلة مركبة تتمثل في دول تحاول الحفاظ على مصالحها، وتسعى لحفظ حصتها، ومشكلة دولية أخرى تتمثل في الطموحات الصينية، إذ يعتقد أن الصين ستتدخل بوصفها عاملا إضافيا في المنطقة للحفاظ على مصالحها، بعدما تبين بالنسبة لها أن الجميع يختبئ وراء الحل السياسي لتثبيت مصالحه، وترى أن هناك مشكلات في أفريقيا، حيث المصالح الحيوية للصين، تلوح في الأفق، لمحاصرة مصالحها، إثر ظهور مؤشرات على ترحيل أزمة الإرهاب من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا، بدل القضاء عليها هنا، بدليل ما قاله الروس الأسبوع الماضي عن طرح ورقة جديدة تتحدث عن تحالف (داعش) والقاعدة في ليبيا الذي يمكن أن يسقط أفريقيا».
* معضلة «داعش»
ومع أن «داعش» شكل نقطة التقاء بين جميع الأطراف المعنية بالأزمة السورية حول ضرورة محاربته، فإن هذا الاتحاد، لم يقد إلى اتفاق نهائي يفرض توحيد الجهود للقضاء عليه، انطلاقًا من حل سياسي وإيقاف الاستنزاف الناتج عن المعارك الجانبية. وهنا يرى سفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور رياض طبارة أن «داعش» «قرّبت المسافات لقتالها، لكنها لم تقرب التوجهات التالية وهي الحل النهائي للأزمة السورية»، مؤكدًا أن «الحل النهائي يفتح باب تصنيف المجموعات بين إرهابي وغير إرهابي، فضلاً عن أن قتال (داعش) يحتاج إلى مقاتلين في الميدان، يتطلب إما أن ينزل الأميركيون قوة ضاربة لقتال التنظيم، وإما البحث عمن يحارب التنظيم فعليًا على الأرض».
ووسط هذه التأكيدات، يضيء حطيط نقطة نزاع تجاه التنظيم، فيقول: «الإعلان عن عدو مشترك أمام التحالف الدولي، الذي يحظى بإجماع بالمنطق الإعلامي، لا يُطبق حرفيًا بالمعطى الميداني، بالنظر إلى تقارير غربية تحدثت عن أن المدد الداعشي قرب الحدود التركية لا يزال مستمرا»، مشيرًا إلى أن «أثير وسائل التواصل الاجتماعي الذي تتحكم به الإدارات الغربية، ما زال مفتوحًا بمجمله». وعليه: «فهناك تفاوت بالرؤى وبالآلية حول قتاله»، رغم أن تقارير دولية تحدثت أخيرًا عن تقويض قدرته على جذب المقاتلين، وانخفاض نسبة التجنيد والتواصل إلى مستويات تقارب الـ10 في المائة فقط، عما كانت عليه في ربيع 2015. ويضيف حطيط: «بالمعطى العام، هناك تعاون روسي أميركي، لكن بالتفاصيل ومستقبل ما بعد (داعش)، لا تزال الاختلافات قائمة».
* التدخل الروسي
بدا أن تفعيل النقاش الأميركي - الروسي حول سوريا، كان محفزًا لإطلاق الحل السياسي، وذلك بعد التدخل الروسي بغرض تحقيق توازن عسكري في الميدان، بعد تدهور القوة العسكرية للنظام السوري، وانحسار نفوذه عن رقعة كبيرة من الميدان في الشمال، وتحديدًا في إدلب وريف حلب، وصولاً إلى ريف اللاذقية الشمالي. وعليه دعا دي ميستورا إلى اجتماعات «جنيف 3» التي بدت كقطعة سكر، وضعها المبعوث الدولي على مائدة وفدي النظام والمعارضة كطعم لإحضارهم إلى الطاولة، قبل أن يتضح أنها مجرد طعم، بحسب تعبير المعارض السوري ميشال كيلو.
وبينما يجدد حطيط تأكيده أنه «حتى اللحظة لم ينضج الحل النهائي لما بعد (داعش)، يقول طبارة: «ما فعّل النقاش الأميركي - الروسي، أن بوتين وجد الوقت المناسب للتدخل، وذلك بعدما فشلت أميركا في احتواء (داعش)، واستمراره في التمدد، بالتزامن مع تفاقم أزمة اللاجئين إلى أوروبا، وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، فتدخل بذريعة محاربة (داعش)، بينما ظهر أن الأهداف تتمثل في تثبيت موطئ قدم له في سوريا». ويضيف: «التدخل الروسي، فتح باب النقاش المباشر بين واشنطن وموسكو على الشأن السوري، لكن غياب التصور النهائي للحل، لم يوصل إلى آخر النفق، لذلك فشلت محادثات جنيف مرة أخرى، وبدلا من أن نصبح في جنيف 15، أوقف دي ميستورا العد، وأعطى الجلسات أرقامًا ضمن إطار الجولة الثالثة من المحادثات».
وينتقد طبارة ما أسماه «تسرع دي ميستورا»، قائلاً: «أتصور أن دي ميستورا على عجلة من أمره لعقد اللقاءات أكثر من اللازم، فعقد اجتماعات من غير وجود قاعدة لها، ما جعلها خطوة غير ناجعة». ويضيف: «الاجتماعات يجب أن تستند إلى أرضية ثابتة، تقوم على اتفاقات على المستوى الدولي وهي مفقودة حتى الآن، وهو ما يضع مصداقية اجتماعات جنيف على المحك، ومن شأنه أن يهدد الاتفاقات المتفرقة لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية».
بالفعل، قاد الفشل في محادثات جنيف الأخيرة، إلى انهيار جزئي للاتفاق الأميركي - الروسي لوقف إطلاق النار في سوريا، وذلك إثر تصعيد عسكري شهدته المنطقة الشمالية، دفع ثمنه المدنيون في مناطق سيطرة المعارضة والنظام في حلب الأسبوع الماضي. وبات اتفاق الهدنة على المحك، إذ انهار في الشمال، من غير الاعترافات بانهياره، بينما حافظ على مستويات مرتفعة من الصمود في الجنوب وحول دمشق، ما خلا خروقات في معارك مع أطراف لا يشملها اتفاق الهدنة.
اليوم ينتظر انعقاد الجلسات الجديدة في مايو من «جنيف 3». لكن الشكوك تحيط بإمكانية نجاحه، في حال بقيت وجهات النظر الروسية - الأميركية متباعدة، بالنظر إلى أن الدولتين تمثلان أكبر التأثيرات بالملف السوري.
* مهام دولية في سوريا خلال خمس سنوات
لم ينجح أربعة مراقبين ومبادرين للبحث عن حل سياسي في سوريا، سبقوا دي ميستورا إلى مهمته.
ففي العام 2012، وصل الفريق محمد أحمد الدابي إلى سوريا. وقبل أن يصل واجه تغطية إعلامية غير مشجعة، ورد فعل من المعارضة السورية غير مشجع أيضا. أما الثاني، فكان الجنرال النرويجي روبرت مود، الذي عين قائدا لقوات المراقبة الدولية، ثم أخذ نصيبه من الغموض: هل هي قوات مراقبة؟ أم حفظ سلام؟ هل هو قائد عسكري؟ أم مبعوث دبلوماسي أيضا؟
في البداية، طلب زيادة عدد القوات، ثم طلب تجميد طلبه، ثم أعلن تجميد عمل القوات، ثم انسحب.
وكان الثالث المناوب الجنرال السنغالي أبو بكر غاي، الذي خلف الجنرال النرويجي، لكنه، لم يكن مبعوثا شخصيا، واكتفى بمنصب ممثل الأمين العام وقائد قوات المراقبة، بعد أن انخفضت من 500 إلى 150 فقط، ثم إلى صفر.
وكان الثالث الرئيسي كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، تفاءل، وقدم خطة من 6 نقاط. وبعد 6 أشهر، بدأ يشتكي الدول الكبرى للصحافيين، في مؤتمراته الصحافية. ومما قال: «آن الأوان لتزيد الدول الكبرى الضغط على الأطراف السورية المختلفة.. آن الأوان للتحرك، أكرر: آن الأوان لنتحرك.. الآن»، وحذر من استفحال الأزمة في سوريا، و«احتمال انتشارها إلى الدول المجاورة». وتمكن أنان من عقد مؤتمر جنيف 1 الذي بات أساسًا للمحادثات السورية.
بعد أنان، كان المبعوث الرابع جزائريا، هو الأخضر الإبراهيمي. الذي راهن على الدول الكبرى، التي خيبت أمله. وراهن على مؤتمر جنيف 2 في عام 2014 لتطبيق إعلان «جنيف1» في عام 2012. وانهار «جنيف2» بعد جولتين فقط.



هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
TT

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.

المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.

الإمساك بمفاتيح هرمز

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.

النفط وصناديق الاقتراع

الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.

هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.

غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.

ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.

إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».

حسابات جبهة لبنان

بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.

هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.

بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.

ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.

أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.

بغداد تبدّل معادلة النفوذ

الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.

واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.

لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.

بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.

اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.

في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.

«عض الأصابع»

وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.

مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.

أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.

لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.

إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام
TT

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

تعهّد آندي بيرنهام، الرئيس العتيد للحكومة البريطانية، بتشكيل حكومة تمثل مختلف أجنحة الحزب، واضعاً تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي ونقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى المناطق في صدارة أولوياته. ووفقاً للـ«بي بي سي»، سيكون بيرنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين لبريطانيا، وأول سياسي يقدّم هويته الشمالية باعتبارها جزءاً مركزياً من مشروعه منذ هارولد ويلسون في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بين ليفربول ومانشستر

وُلد آندرو موراي بيرنهام يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1970 في أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، لكنه نشأ في قرية كالتشيث الهادئة في مقاطعة تشيشير، الواقعة بين ليفربول ومانشستر، في منزل شديد الارتباط بحزب العمال.

والده كان مهندساً لدى شركة الاتصالات البريطانية «بي تي»، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبيب عام. وعُرف الوالدان مؤيدَين مخلصين لحزب العمال، ما جعل السياسة حاضرة في المنزل منذ طفولته. ويقول بيرنهام إن المسلسل التلفزيوني الذي بثته الـ«بي بي سي» بعنوان «بويز فروم ذا بلاكستاف»، وتناول البطالة والفقر في ليفربول، دفعه إلى الانضمام إلى حزب العمال وهو في الرابعة عشرة. كما كان للتوترات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت ثاتشر أثرٌ مبكر في تشكيل رؤيته السياسية.

الـ«بي بي سي» تصفه أيضاً بأنه كان طفلاً شديد التنافس ومولعاً بالرياضة؛ إذ لعب الكريكيت ضمن فريق مدارس لانكشاير، وظل حتى اليوم مشجّعاً مخلصاً لنادي إيفرتون لكرة القدم. وفي مدرسته الكاثوليكية المحلية، ترشّح ممثلاً لحزب العمال في انتخابات مدرسية تجريبية وفاز بفارق كبير.

من ناحية أخرى، كان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة. ولقد درس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج العريقة، مع أنه كتب لاحقاً في كتابه «هيد نورث» أنه وجد صعوبة في الشعور بالانتماء إلى الوسط الجامعي، ولازمه إحساس بأنه «دخيل» على بيئة يغلب عليها أبناء الطبقات الأكثر ثراءً ونفوذاً. لكن فرقاً موسيقية مثل «ذا سميثس» و«ذا ستون روزز»، خلقت عنده شعوراً بالهوية والثقة داخل الجامعة، حيث تعرّف إلى زوجته المستقبلية ماري فرانس فان هيل، المولودة في هولندا.

من الصحافة المتخصصة إلى قلب وستمنستر

بعد تخرّجه في كمبريدج، انتقل بيرنهام إلى لندن وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة، فعمل لفترة وجيزة في مجلات تجارية من بينها «تانك وورلد» و«باسنجر وورلد مانجمنت». وجاءت انطلاقته السياسية عندما عمل باحثاً لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جوويل، التي أصبحت لاحقاً من أبرز وزيرات حكومتي توني بلير وغوردون براون. ثم عمل مستشاراً لوزير الثقافة كريس سميث، ما وضعه في قلب مشروع «العمال الجديد» (نيو ليبر) الذي قاده بلير في تسعينات القرن الماضي.

ثم، عام 2001، انتُخب نائباً عن دائرة لي في منطقة «مانشستر الكبرى» (طوق ضواحي المدينة). وتدرج سريعاً داخل البرلمان، قبل أن يتولى مناصب وزارية صغرى في وزارة الداخلية ووزارة الصحة إبان عهد بلير.

ومع وصول غوردون براون إلى رئاسة الحكومة عام 2007، رُقّي بيرنهام إلى مجلس الوزراء، فعُيّن كبير أمناء الخزانة، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، وأخيراً وزيراً للصحة بين عامي 2009 و2010. وبرلمانياً، ظل نائباً عن دائرة لي من عام 2001 إلى عام 2017، قبل عودته أخيراً إلى مجلس العموم نائباً عن ميكرفيلد في يونيو (حزيران) الماضي.

هيلزبورو... «نقطة التحوّل»

يربط بيرنهام تحوّله السياسي الأعمق بحادثة وقعت في أبريل (نيسان) 2009، عندما حضر بصفته وزيراً للثقافة مراسم الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبورو في مدينة شفيلد، التي أودت بحياة 97 من مشجّعي نادي ليفربول عام 1989؛ إذ قوبلت كلمته في ملعب «آنفيلد» (معقل نادي ليفربول) بصيحات غاضبة من عائلات الضحايا والمشجعين المطالبين بتحقيق العدالة وكشف مسؤولية الشرطة والمؤسسات الرسمية عن الكارثة، بعدما تبنّت السلطات لسنوات رواية تلقي باللوم على الجماهير.

وبالفعل، ظل ملف هيلزبورو ملازماً لمسيرته. وبعد عودته إلى البرلمان هذا الصيف، شارك في الدفع نحو إقرار قانون يفرض واجباً قانونياً على المسؤولين والمؤسسات العامة بالإفصاح الصادق والتعاون مع التحقيقات، بهدف منع تكرار عمليات التستر الرسمية.

هزيمتان قبل انتزاع زعامة الحزب

بعد خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول محاولة لقيادة الحزب، دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين إعادة توزيع الثروة وتشجيع الطموح الفردي. لكنه حلّ رابعاً بين خمسة مرشحين، وفاز إد ميليباند يومذاك بالزعامة. وأمضى بيرنهام السنوات التالية في «حكومة الظل»، خصوصاً في ملف الصحة، وعمل على تعزيز العلاقة بين أعضاء الحزب والنقابات.

وعام 2015، جرّب حظّه مجدداً، وهذه المرة قدّم نفسه مرشحاً وسطياً وصديقاً لقطاع الأعمال. بل أطلق حملته من مقر شركة «إرنست آند يونغ»، معتبراً إن رجال الأعمال ينبغي أن يُعاملوا باعتبارهم من أبطال المجتمع، إلى جانب العاملين في التمريض. بيد أن حملته لم تصمد أمام موجة التأييد الواسع للقيادي اليساري جيريمي كوربن، وبالتالي، حلّ ثانياً بفارق كبير. ولكن، بعكس عدد كبير من شخصيات الجناحين الوسطي واليميني، قبل بيرنهام العمل تحت قيادة كوربن وتولّى منصب «وزير داخلية الظل». ورفض المشاركة في موجة الاستقالات التي استهدفت إسقاط كوربن عام 2016، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» (البريكست).

عمدة «مانشستر الكبرى»

عام 2017، ترك آندي بيرنهام مقعده البرلماني ليترشّح لمنصب أول عمدة منتخب لـ«مانشستر الكبرى» - إحدى التجمّعات الحضرية الثلاثة الأكبر في إنجلترا، مع «لندن الكبرى» والـ«ويست ميدلاندز» (قلبها مدينة برمنغهام)، عندما كانت تجربة قادة الحكم المحلي الإقليميين لا تزال جديدة وغير مضمونة النتائج. ويومذاك، فاز بيرنهام بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بهوامش أكبر. وساعد نجاحه في الانتخابات المحلية على ترسيخ سمعته بوصفه أحد أكثر السياسيين العماليين «قدرة على الفوز».

ومع أن المنصب لم يكن يتمتع بالصلاحيات التنفيذية الواسعة المتاحة لرئيس الحكومة أو حتى لرئيس بلدية لندن، فإن بيرنهام استثمر سلطته السياسية والشعبية لتحويله إلى مركز قوة، طارحاً نفسه مدافعاً عن المدن والمناطق التي يرى أن الحكومات المتعاقبة أهملتها. وكان أبرز إنجازاته إعادة الحافلات إلى الإدارة العامة، لتصبح «مانشستر الكبرى» أول منطقة في إنجلترا - خارج لندن - تستعيد التحكم في خدمات الحافلات بعد عقود من الخصخصة؛ إذ جُمعت خدمات الحافلات والترام ووسائل النقل الأخرى تحت هوية موحّدة باسم «بي نتوورك».

«ملك الشمال»

بلغت صورة بيرنهام الإقليمية ذروتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، عندما دخل في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون المحافظة بشأن القيود المفروضة على «مانشستر الكبرى»، وحجم الدعم المالي المقدّم للشركات والعاملين. واتّهم بيرنهام تلك الحكومة آنذاك بمعاملة شمال إنجلترا بـ«ازدراء»، ورفض قبول قيود صحية إضافية من دون تمويل كافٍ لحماية المتضررين. وظهر في مؤتمر صحافي متحدياً سياسات لندن، في مشهد أكسبه لقب «ملك الشمال»، المستوحى من مسلسل «صراع العروش».

ومنذ ذلك الوقت، بنى بيرنهام هويته على ثنائية واضحة: السياسي الذي يعرف وستمنستر من الداخل، لكنه يدّعي أنه تحرّر من ثقافتها؛ والرجل الذي شغل أعلى المناصب الوزارية، لكنه يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً للأماكن التي لا يكترث لها المركز.

من «البليرية» إلى اليسار

يصعب وضع آندي بيرنهام داخل خانة آيديولوجية محدّدة؛ إذ بدأ حياته السياسية داخل منظومة «العمال الجديد»، وعمل مع شخصيات بارزة مقرّبة من توني بلير، وتولى منصباً وزارياً في حكومته. وفي تلك المرحلة، كان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الوسط أو يمين الوسط داخل الحزب.

وبعدها ارتبط صعوده الوزاري بغوردون براون، الذي أدخله مجلس الوزراء ومنحه ثلاثة مناصب كبرى. وجمعت حملته عام 2010 بين إرث براون القائم على العدالة الاجتماعية، ولغة الطموح الفردي التي اشتهر بها بلير.

ثم عام 2015، عاد إلى طرح وسطي مؤيد للأعمال، قبل أن يقبل العمل تحت قيادة كوربن بعد هزيمته. وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «متقلّب» تتأرجح مواقفه مع اتجاه الرياح السياسية. لكن سنوات مانشستر منحته قاعدة سياسية أكثر اتساقاً. فقد تبنى الرقابة العامة على النقل، ودافع عن تأميم شركات المياه المتعثرة، وأيّد زيادة السيطرة العامة على الطاقة والمرافق الأساسية.

وبالتالي، يُصنّف بيرنهام اليوم غالباً ضمن «اليسار الناعم» للحزب: أكثر تدخلاً في الاقتصاد من ستارمر، وأقل راديكالية من يسار كوربن، مع نزعة محلية تركز على الخدمات والملكية العامة الجزئية أكثر مما تركز على الصراع الآيديولوجي.

تعميم «المانشسترية»

يقول بيرنهام إن أجندته في رئاسة الحكومة ستقوم على نقل ما يسميه «المانشسترية» إلى البلاد بأكملها؛ أي الجمع بين الاستثمار العام والخاص، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أكبر، ووضع الاحتياجات الإقليمية قبل حسابات المركز والحزب.

ولقد تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن التابعة للمجالس المحلية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإصلاح ضرائب الأعمال لإنعاش التجارة، ووضع التعليم التقني والأكاديمي على قدم المساواة، وتوسيع السيطرة العامة على المياه والطاقة والنقل والإسكان لتقليل تكاليف المعيشة. وتضم أولوياته أيضاً خفض فواتير الطاقة وأسعار القطارات، وتوفير وظائف وتدريب مهني أفضل للشباب، وإعادة بناء قطاعات صناعية في مجالات الدفاع والطاقة والغذاء والزراعة، إلى جانب استخدام الإنفاق العام لتحفيز استثمارات خاصة طويلة الأجل.

الاختبار الأكبر

لم يُقدّم بيرنهام بعدُ تفاصيل كاملة عن كيفية تمويل برنامجه، خصوصاً أنه وعد بتوسيع الاستثمار العام مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم رفع الضرائب الأساسية على العاملين. وبالتالي، سيجد نفسه أمام ملفات لم تختبرها تجربته المحلية، من الإنفاق الدفاعي والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحرب أوكرانيا والتوترات الشرق الأوسط. بعد خسارة العمال انتخابات عام 2010 ترشح بيرنهام لأول مرة لقيادة الحزب دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»


«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)
TT

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما مع تحول «10 داونينغ ستريت» إلى «باب دوّار» في مرحلة ما بعد مغادرة «الاتحاد الأوروبي» (البريكست). وفي ما يلي نظرة على رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على بريطانيا منذ استفتاء عام 2016.

ديفيد كاميرون: 0102 - 6102

أعلن ديفيد كاميرون استقالته في يونيو (حزيران) 2016، بعد يوم واحد من تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من «الاتحاد الأوروبي» في استفتاء مفصلي كان قد قاد حملة قوية ضد نتيجته. وكان كاميرون، الذي فاز بغالبية برلمانية في انتخابات عام 2015، قد دعا إلى إجراء الاستفتاء في محاولة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن علاقة بريطانيا بـ«الاتحاد». وانتهت ولايته بعد 6 سنوات و64 يوماً في رئاسة الحكومة.

كاميرون (آ ف ب)

تيريزا ماي: 6102 - 9102

خلفت تيريزا ماي، كاميرون، وتولّت مهمة التفاوض على صيغة خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي». وواجهت خطة ماي، التي حصلت على استحسان بروكسل، تمرّداً من بعض النواب المحافظين الذين رأوا أن مقترحها يُبقي بريطانيا داخل المجال الاقتصادي الأوروبي. وفي مايو (أيار) 2019، قدمت ماي استقالتها، واستمرت ولايتها 3 سنوات و12 يوماً.

بوريس جونسون: 9102 - 2202

وصل بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وأحد أبرز منتقدي ماي، إلى رئاسة الحكومة متعهّداً بإنجاز خروج حاسم من «الاتحاد الأوروبي». ونجح في التوصل إلى اتفاق «البريكست»، والإشراف على خروج بريطانيا رسمياً من «الاتحاد»، قبل أن يقود البلاد إبان جائحة «كوفيد - 19». لكن سلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية أطاحت به، في مقدمتها إقامة حفلات في «داونينغ ستريت» ومقار حكومية أخرى خلال فترات الإغلاق التي فرضتها حكومته على المواطنين لمكافحة الجائحة. واستمرت ولايته 3 سنوات و45 يوماً.

ليز تراس: 2202

خلفت ليز تراس، جونسون، لكنها أصبحت صاحبة أقصر ولاية في التاريخ البريطاني، واستقالت بعد 6 أسابيع فقط من تسلمها السلطة. وتراس قدّمت نفسها باعتبارها من أنصار تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخفيضات الضريبية، متعهدةً بإحداث تحوّل جذري في الاقتصاد البريطاني. لكن خطتها الاقتصادية تسببت في اضطرابات حادة في الأسواق، ودفعت الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، وأزمة حادّة في قطاع العقار. وهكذا استقالت بعد 50 يوماً فقط من دخولها «داونينغ ستريت».

ريشي سوناك: 2202 - 4202

حصل ريشي سوناك على دعم نواب حزب المحافظين لخلافة تراس، ودخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية، فضلاً عن كونه أصغر من تولى المنصب منذ نحو 200 سنة. واعتبر المحافظون سوناك أكثر كفاءة واستقراراً من تراس، لكن سنوات الاضطراب والانقسامات داخل الحزب كانت قد ألحقت أضراراً عميقة بشعبيته لدى الناخبين، وفق الـ«نيويورك تايمز». أيضاً لم ينجح سوناك في تحسين موقع الحزب في استطلاعات الرأي، ودعا بعد نحو عام ونصف العام في الحكم إلى انتخابات عامة أُجريت في يوليو (تموز) 2024. ومُني المحافظون فيها بأكبر هزيمة انتخابية عبر تاريخ حزبهم الممتد لنحو قرنين. واستمرت ولاية سوناك سنة و255 يوماً.

ستارمر (آ ف ب)

كير ستارمر: 4202 - 6202

وصل كير ستارمر إلى السلطة عقب فوز ساحق لحزب العمال في انتخابات عام 2024، متعهداً بإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة المنهكة، واستعادة ثقة البريطانيين بالسياسة. لكن فوز العمال لم يؤدِ إلى مرحلة الاستقرار التي وعد بها. إذ واجهت حكومته انقسامات داخلية متزايدة، وتراجعت شعبية العمال بصورة حادة بعد أقل من سنتين على فوزه الانتخابي الكبير، فقرر الاستقالة بعد تصاعد الضغط عليه عقب الخسائر التي تكبّدها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو (أيار) 2026.