هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام

عارض التفسير الوضعي للقانون وأكد ضرورة النظر إليه من زاوية أخلاقية معيارية

هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام
TT

هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام

هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام

كتب الباحث ماتيو دوفلام، مقالا مكثفا باللغة الفرنسية، تحت عنوان: «مفهوم الحق في نظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس»، في مجلة «الانحراف والمجتمع»، العدد 18 سنة 1994.
وحسب دوفلام، يتحدد مفهوم الحق عند يورغن هابرماس، في العلاقة الموجودة بين «النسق» و«العالم المعيش». ففي السنوات الأخيرة التي سيعمل فيها هابرماس على تطوير نظريته في الحق، نجده يربط بشكل وثيق بين سوسيولوجية الحق وسوسيولوجية الأخلاق. على هذا الأساس، سيصير ممكنا مناقشة الانتقادات الرئيسة، ونقاط النقاش المرتبطة بالمقاربة الهابرماسية للحق، من هذا المنظور. وسينصب الاهتمام على النقاط التالية:
حسب الباحث ماتيو دوفلام، افتراضات نظرية الفعل التواصلي، يجب فهمها في ضوء سوسيولوجية الحق عند هابرماس، وكذلك إمكانات وحدود الوضعية المثالية للكلام في العلاقة الموجودة بين الحق والأخلاق. وفي الأخير، يقول دوفلام: «نؤكد في البداية أن هذه المساهمة لا تهدف إلى إعطاء مقدمة مفصلة حول نظرية الفعل التواصلي. ما سأقوم به هنا، هو عرض مختصر للمبادئ الأساسية لنظرية هابرماس، مع إيلاء الاهتمام بشكل خاص، لمكانة الحق في أعماله الأخيرة، وأخص بالذكر الحق والديمقراطية».
يجب التذكير بأن نقطة الانطلاق بالنسبة لدوفلام، في نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس، يتأسس على التمييز بين:
أولا، مفهوم عقلانية الفعل. العقلانية المعرفية - الأداتية الموجهة نحو النجاح.
ثانيا: العقلانية التواصلية للنشاط الموجه نحو التفاهم.
العقلانية المعرفية - الأداتية، تقتصر على مناقشة حالة الأشياء في العالم الموضوعي. الفعل العقلاني يحيل إلى استخدام عقلاني لوسائل محددة، من أجل الوصول إلى أهداف محددة. ومع ذلك يعتبر هابرماس أن الواقع يكون هدفا متضمنا، على نحو داخلي، في علاقة بجماعة الفاعلين التواصليين. فالنشاط العقلاني لا يكون مفهوما إلا في علاقته بواقع معطى في مجتمع معين. والإجماع لا يتم تحصيله إلا عن طريق التشارك، أي الأفعال الكلامية. فالعقلانية التشاركية تراهن على النقاش، وتسلم بأن التفاهم المتبادل ممكن بين الفاعلين، من طريق أفعال اللغة، ما يعني أن الأفعال اللغوية يجب أن تكون موضع مناقشة.
إن اللغة حسب هابرماس، مرتبطة بالاستعمال العقلاني المقترن بالوضوح والابتعاد عن الآيديولوجية، حتى لا يكون هناك حكم مسبق يؤثر في تحقيق التفاهم والاتفاق، من خلال النقاش الذي يدور بين الذوات – الجماعات - الفرقاء، في الفضاء العمومي. كما يحدد هابرماس مجموعة من الشروط التي تجعل إخضاع الأفعال الكلامية قابلة للشك ومتفهمة، وهو ما تشترطه الحقيقة الموضوعية. فالصدق المعياري يجب أن يميز الفاعلين التواصليين، عندما تتحقق، حسب هابرماس، ادعاءات الصلاحية في الأفعال الكلامية، يمكن، حينها، للفاعلين التواصليين أن يستدخلوا في الخطاب الحجج القوية.
من الناحية العقلانية، فهابرماس يميز بين نوعين من الخطاب، حسب دوفلام: الخطاب النظري الذي ينظر للحقيقة بوصفها ملفوظات، والخطاب الأخلاقي – العملي، الذي ينظر للحقيقة من حيث صحة الأفعال الكلامية. ما يؤكد عليه هابرماس، هو أن تكون الحجة الأقوى هي محط اهتمام الذوات في الوضعية المثالية للكلام. ومع ذلك يلح هابرماس على أنه لا يمكن الطعن في أفعال الكلام فقط؛ لأنها تغترف تعريفاتها من سياق العالم المعيش Mond Vécu للذوات، الذي يشكل الإطار الذي تتكون فيه خبراتهم وتجاربهم. فمثل هذا الادعاء قد يجعل الذوات ترفض اشتراط الصدق في أفعال الكلام الذي تتلفظ به الذوات الأخرى. وهو ما سيؤثر في العملية التواصلية بين الذوات. لذلك يجب الوعي بالفروقات التي تحيل عليها الأفعال الكلامية وتتأسس عليها الحقيقة في كل من العوالم التالية، (العلوم تأخذ بالمواقف الموضوعية)، (الحق والأخلاق يأخذان بالمواقف المعيارية)، و(الفن يأخذ بالمعايير الجمالية) حسب دوفلام.
إن عقلنة العالم المعيش يمكن أن تقود النسق؛ لأن العالم المعيش في حاجة ماسة إلى إعادة إنتاج وتجريد الموارد المادية، لتنظيم علاقته مع البيئة التي ينهل منها موارده. في هذا الصدد، نجد هابرماس يركز، بشكل أساسي، على نسقي السلطة والاقتصاد. فتاريخيا، تم تفكيك العالم المعيش من طرف هذين النسقين، وهما نسقا السلطة والاقتصاد. والآن يشتغلان في استقلالية تامة. فالنسق السياسي يرتكز على السلطة، بينما النسق الاقتصادي يرتكز على المال، ما يجعلهما يتمايزان عن العالم المعيش. فهابرماس يركز على ضرورة تنسيق الأفعال الداخلية والإجراءات المتخذة من طرف النسق السياسي والاقتصادي، في إطار نوع من التفاهم المتبادل. فالأفعال الداخلية للنسقين السياسي والاقتصادي، اللذين يمتلكان السلطة والمال، يمكنهما التغلغل في العالم المعيش، والتأثير فيه. وهذا ما يرفضه هابرماس؛ لأنه سيؤدي إلى استعمار العالم المعيش. لذلك يجب استبدال الأفعال التي تقود نحو النجاح، بإعطاء أولوية للتفاهم، أي للفعل التفاهمي.
يجب أن نستحضر في هذا السياق، حسب الباحث ماتيو دوفلام، مفهوم القانون عند هابرماس الذي يلعب دورا مهما في تنظيم العلاقة بين العالم المعيش والنسق. فهو يؤكد على قدرة القانون على تنظيم المواقف المعيارية المعقدة للجماعة التواصلية، وتنظيمها بعيدا عن أي تأويل أخلاقي. وهو ما سيجعل هابرماس يركز على سوسيولوجيا القانون عند فيبر، الذي يحتل عنده القانون أساس الحداثة وميسما لها.
ويرجع ذلك بالنسبة لماتيو دوفلام، إلى تميز المؤسسات القانونية، بقدرتها على تقديم بدائل جديدة للشرعية في العالم الحديث. وهي بدائل مختلفة جدا عن الشرعيات التي تقدمها المعتقدات الدينية.
يؤكد هابرماس على أن الخطأ الذي وقع فيه فيبر، هو تأكيده على أن القرارات القانونية تناقش ضمن نسق السلطة السياسية، وهو نسق لديه كامل السيادة والسلطة. في حين يقول هابرماس إنه في مجتمع ما بعد الدولة الوطنية والدولة الأمة، لا يمكن للشرعية إلا أن تمر عبر الفضاء العمومي الذي ينهل موارده من العالم المعيش حيث توجد الذوات. ولتكريس هذا التصور وتأصيله فلسفيا، سيعود هابرماس إلى الأخلاق لصياغة نظرية في المناقشة، باعتبارها نظرية ذات أفق سياسي تؤطر العالم المعيش والفضاء العمومي، بأخلاقيات تتيح لجميع الذوات التي تمتلك القدرة على المحاججة والفعل العقلاني، تبرير ادعاءاتها للصلاحية. وبالتالي، فهذا لن يكون إلا عبر وسيط القانون، الذي يلزم السلطة باحترامه والذوات كذلك. ما سيغلق الباب أمام التذرع بأي دعاوى دينية في بناء شرعية سياسية معينة. يتقاطع العالم المعيش والنسق في الواقع، عبر وسيط هو القانون، الذي يعمل كوسيط وكقوة تمنح العالم المعيش الشرعية التي يتأسس عليها النظام السياسي والاقتصادي، من أجل ضمان التقدم بشكل آمن. وبعبارة أخرى، يقول هابرماس، إن شرعية القانون تستمد صلاحيتها من إتاحتها الإمكانية لكي يشتغل العالم المعيش، باستقلالية تامة عن نسق السلطة والاقتصاد الذي يغترف، في نهاية المطاف، شرعيته من هذا العالم الذي لا يمكن، بأي حال من الأحوال، قبول التأثير فيه عن طريق المال أو السلطة.
يبين هابرماس أيضا، في كتابه «الحق والديمقراطية»، أن القانون بصفته وسيطا نسقيا، قادر على التأثير في بنيات التواصل داخل العالم المعيش. هابرماس يلمح هنا إلى تقنين العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات الحديثة التي تكثف من سيطرة القانون. وفي هذا السياق، ميز هابرماس بين أربعة اتجاهات تاريخية في تعاطيها مع وسيط القانون حسب دوفلام:
أ- الدولة البرجوازية التي سعت إلى تنظيم العلاقات والنظم الاجتماعية عن طريق القانون العام.
ب- دولة القانون المدني البرجوازية التي صكت دستورا يحمي المواطنين ضد تعسف السلطة السياسية.
ج- الدولة الديمقراطية التي تضمن الحريات المدنية، والتي اعترفت للأفراد بحق الممارسة الاقتصادية والسياسية بكل استقلالية، كما ضمنت الاعتراف بالآخرين.
د- دولة الرفاه: التي ضمنت الحقوق المدنية خارج الهياكل البيروقراطية للنسق.وانطلاقا من هذه التصورات يشيد هابرماس تصوره للدولة، على أساس مكتسبات دولة الرفاه التي أصبحت فيها القوانين تنظم بشكل صارم العلاقات بين الهياكل البيروقراطية داخل الدولة. وهو ما يمنع استعمال المال للتأثير في الفضاء العمومي والعالم المعيش، إلا بشروط صارمة من التأثير في القرارات أحيانا، ما يجعل منه وسيطا نسقيا لكنه قادر على ضمان الحقوق.
يضيف ماتيو دوفلام: «مباشرة، بعد عمله الشهير نظرية الفعل التواصلي، سيكرس هابرماس كتاباته التي ستلي هذا العمل، لتطوير نظريته حول القانون، بصفته مؤسسة ووسيلة وسيطة، يمكنها معيرة العلاقات بين العالم المعيش والنسق. في كتابه الحق والديمقراطية، والاندماج الجمهوري، وما بعد الدولة الأمة، نجد هابرماس منشغلا بشكل جدي، في التفكير في العلاقة بين النسق والعالم المعيش. وهو ما سيفرض على هابرماس التمييز بين تصورين أساسيين: تصور القانون كنظام، والقانون باعتباره مؤسسة. وما يشكل الرابط بينهما، هو الوظيفة التي يقومان بها، والمتمثلة في ضمان الحقوق. ما سيجعل هابرماس عرضة لانتقادات فرانك مشيلمان حول هذه الفجوة، التي يقيمها بين القانون كنظام والقانون كمؤسسة. فالحقوق غايتها ضمان وشرعنة الأهداف العليا للنظام الديمقراطي. فالقانون من وجهة النظر هذه، يحمي الأفراد ويهيئ لهم البيئة المثلى داخل العالم المعيش، حتى لا تؤثر فيه السلطة والمال.
سيعترف هابرماس، في مرحلة لاحقة، بوظيفة الوساطة التي يقوم بها القانون، وهو ما سيجعله يميز بين نوعين من القانون: القانون بصفته وسيطا بين المؤسسات والأفراد. والقانون بصفته نسقا يعطي الشرعية الأخلاقية في المؤسسات للقيام بعملها. فحين يوظف القانون في استعمار العالم المعيش، ويضفي الشرعية على نسق السياسة والاقتصاد، سيؤدي ذلك إلى العصيان المدني. غير أن العصيان المدني عند هابرماس، يجب أن يكون شرعيا، على الرغم من الإجراءات غير القانونية، فإن العصيان المدني لا يجب أن يؤدي إلى تعطيل النظام القانوني؛ لأن له طابعا رمزيا. لذلك يدعو هابرماس إلى أن تكون القرارات والإجراءات القانونية، تمنح صياغتها من العالم المعيش لكي تكون شرعية ومبررة».
إن هابرماس يعارض بشدة التفسير الوضعي للقانون، الذي ينظر إليه من منطلق الوسيلة. ويؤكد على ضرورة أن ننظر للقانون من زاوية أخلاقية معيارية؛ لأنه الكفيل بتنظيم الحياة الاجتماعية بين النسق والعالم المعيش للفاعلين. وهذه المعاير لا يحبذ هابرماس أن تجد سندها في السلطة القهرية، بل يجب أن يتأسس القانون على معايير أخلاقية. وهو ما سيتعرض بصدده هابرماس لانتقادات شديدة؛ لأنه لا يمكن بأي حال أن ترتبط القوانين بالأخلاق، وتكون في نفس الوقت ملزمة. وهو ما يرفضه هابرماس بدعوى أن المعايير الأخلاقية تسمح للذوات ببناء الإجماع، انطلاقا من عوالمهم المعيشة بناء على العقل والحجج العقلانية في التبرير.
هكذا، نجد أن الشرط الأول الذي يضعه هابرماس لضمان سيرورة عقلانية للخطاب في دولة الحق، هو أن يكون جميع الأفراد في الوضعية المثالية للكلام، مستفيدين من شروط متساوية للتعبير والتشاور حول القضايا المطروحة. ففي الوضع المثالي للكلام، تطرح الحجج الأخلاقية والقانونية والعملية للتشاور بين الذوات المعنية. وعلى أساس التشاور، يتم تعميم ما أجمعوا عليه، ويصبح ملزما أخلاقيا، بما يضمن مصالح الجميع، ويحافظ على العلاقات التذاوتية كمصدر وحيد للشرعنة في المجتمع.
وهكذا تكون مقالة ماتيو دوفلام، التي حاولنا تقريبها من القارئ العربي، قد قبضت على المتن الهابرماسي. وهي مقالة نعتبرها ضرورية وموجهة لأي باحث يرغب في الاطلاع على أعمال هذا الفيلسوف المعاصر، الذي لا يزال حاضرا في النقاش العمومي، ومتدخلا في كل قضاياه وقضايا العالم. ويكفي حدسه بالدور الذي سيلعبه الدين مستقبلا في المجتمعات «المابعد العلمانية».

* أستاذ فلسفة



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.