الإسكندر المقدوني.. أو مبعوث الفلسفة إلى الشرق

حينما تكون الحرب وسيلة للتلاقح الحضاري

الإسكندر المقدوني
الإسكندر المقدوني
TT

الإسكندر المقدوني.. أو مبعوث الفلسفة إلى الشرق

الإسكندر المقدوني
الإسكندر المقدوني

عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل منارات فكرية كثيرة، كانت عبارة عن مراكز علمية قائمة الأركان، كأكاديمية أفلاطون التي تأسست سنة 387 ق.م، في إحدى ضواحي أثينا، وبالضبط بالقرب من حدائق البطل الإغريقي أكاديموس. وهذا ما يفسر لنا التسمية الشهيرة «الأكاديمية» التي لا تزال سائدة حتى اليوم. فهناك ألقى أفلاطون دروسه وألف كتبه. وكان لا يسمح بالدخول إليها إلا لمن كان متميزًا في الرياضيات، إلى درجة أنه قد نقش على باب الأكاديمية العبارة الشهيرة: «من لم يكن مهندسًا فلا يدخلن علينا». وانتقلت الأكاديمية من بعد أفلاطون، إلى وسط المدينة. وظلت مزدهرة حتى أمر الإمبراطور الروماني، جوستينيان، بإقفالها نهائيًا عام 529، لأنه كان يعتبرها معهدًا وثنيًا. وكذلك نجد مركزًا آخر لتلميذ أفلاطون، وهو ليسيوم أرسطو، الذي ظهر سنة 335 ق.م. ناهيك بالمراكز التي انتشرت في الشرق جراء التلاقح بين الثقافة الإغريقية والثقافة الشرقية، التي دفعت بها فتوحات الإسكندر المقدوني إلى أبعد مدى. ونذكر هنا، مركز الإسكندرية وأنطاكية وحران والرها وجنديسابور ومرو.
وسنتوقف عند مدرسة الإسكندرية، لوضعها المتميز، وتأثيرها العميق في توجيه الدراسات الفلسفية والعلمية، قبل مجيء الإسلام وبعده.
مدرسة الإسكندرية:
يرجع تأسيس مدينة الإسكندرية إلى الإسكندر المقدوني سنة 331 ق.م. وعندما مات ببابل سنة 323 ق.م، تولى حكم مصر أحد رفاقه، وكان مقدونيًا، وهو بطليموس. وللذكر، فإن بطليموس هذا، ليس هو عالم الفلك الشهير الذي عاش في القرن الثاني للميلاد، وصاحب كتاب المجسطي، بل المقصود هو الحاكم المنتمي إلى البطالمة الذين تعاقبوا على الإسكندرية، وكان له الفضل في تأسيس متحف الإسكندرية، أي معهدها العلمي. كان الإسكندر المقدوني وهو ينشئ مدينة الإسكندرية، يؤسس لمشروع حضاري هائل. فغزوه للشرق ككل، كان إعدادًا لحكمة جديدة، هي الحكمة الإسكندرية التي دامت سبعة قرون، أي من القرن الـ4 ق.م، إلى حدود القرن الـ3 الميلادي. وٳن كان هناك بعض الباحثين، ممن يؤكدون أن مدرسة الإسكندرية استمرت مدة أطول من ذلك، أي حتى بعد ظهور الإسلام.
وقد غلب على حياة الإسكندر الأكبر وبطولاته في الحرب، في كثير من الأحيان، روايات خرافية. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يمكن إنكار أن شخصيته وقوته الفكرية والروحية، كانت المسؤولة عن ذلك التحول العميق الذي حدث في الإسكندرية. ففتوحات الإسكندر المقدوني الواسعة لكثير من بلاد آسيا وأفريقيا، في القرن الرابع قبل الميلاد، كانت سببًا رئيسيًا في انتشار الثقافة اليونانية في الشرق انتشار النار في الهشيم. فالإسكندر الأكبر، كان قائدًا عسكريًا شجاعًا، بحكم تربيته العسكرية الفذة، التي سمحت له بتحقيق طموح والده، فيليب، السياسية. وهي جمع شمل اليونانيين واسترجاع المستعمرات اليونانية. وهذا ما تحقق وأكثر، حين وصل الإسكندر حتى الهند، كما هو معروف. لقد كان يقتدي بنموذج المحارب المثالي، الذي ما هو إلا أخيل بطل ملحمة الإلياذة وأشجع رجال اليونان في زمنه، وبطل حرب طروادة، وهرقل بطل الإغريق ابن إله الآلهة زيوس من الفانية ألكمين، الذي اشتهر بقدرته الفائقة في القضاء على أفظع الأهوال.
تلقى الإسكندر المقدوني منذ حداثة سنه، دروسًا في الإلياذة، على يد أستاذه أرسطو الفيلسوف. وهذا ما جعله يستلهم أبطال الإلياذة، ويتصرف كأنه على صلة بالآلهة. وما زاد من هذا الإيمان، أن المصريين اعتبروه فرعونًا، ومنحوه ألقابًا من قبيل «هورس»، أو الأمير القوي حامي البلاد من هجوم الأعداء، «صديق آمون»، «ابن رع». إضافة إلى هذا، كان الإسكندر رجلاً له حكمة الفيلسوف، بحكم أنه كان تلميذًا لأرسطو فيلسوف اليونان بامتياز، وصاحب مدرسة الليسيوم في أثينا، الذي وطد في نفس تلميذه إرادة نشر الفكر اليوناني في البلاد التي يفتحها. ناهيك بأن تربية أرسطو للإسكندر، جعلته يصطحب معه، في فتوحاته الآسيوية، العلماء والأدباء، بل حتى الفلاسفة، ومن بينهم «بيرون»، الفيلسوف المشهور. الأمر الذي سيجعل الشعب اليوناني يختلط مع الوقت، بالشعب الآسيوي. فغزوات الإسكندر، جعلت العادات والتقاليد الإغريقية تذاع على نطاق واسع. فهي صبغت آسيا بالصبغة الهيلينية. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن المؤرخين، عادة ما يقسمون الحضارة اليونانية إلى عصرين: عصر «هيليني» وعصر «هيلينستي». الأول، هو عصر الحضارة اليونانية في نشأتها وتطورها ونضجها في بلاد اليونان ومستعمراتها بوجه عام، وحول أثينا بوجه خاص. وبدأ قبل القرن السادس، وامتد حتى انتصار الدولة المقدونية على بلاد اليونان. أما العصر الثاني، فبدأ عند الإسكندر، وامتد قرونًا عدة بعده. وامتاز بانتشار الحضارة «الهيلينية» ذاتها، لا في بلاد اليونان ومستعمراتها وحسب، وإنما في حوض البحر المتوسط بين مصر وإيطاليا، وفي الشرق الأدنى، وفي شرقها الأقصى أيضًا، إلى درجة أنه يحكى أن الإسكندر أرسل آلافًا من أبناء ضباط الجيش الفارسي، ليتعلموا اللغة اليونانية. الأمر الذي يبرر كيف أصبحت اليونانية لغة عالمية ومسيطرة آنذاك. ففي هذا العصر السكندري، وفي مدينة الإسكندرية بالضبط، تمت ترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية.
كان أغلب سكان الإسكندرية مصريين. لكن الطبقة الحاكمة كانت مقدونية أو إغريقية. وعندما كثر ثراء المدينة، شد الرحال إليها كثير من الإثيوبيين والأحباش والأفريقيين، الذين انحدروا مع النيل، والسوريين والفرس والعرب والهندوس. وسرعان ما صارت الإسكندرية أكثر مدن الدنيا اصطباغًا بالطابع العالمي.
تبقى الإشارة إلى أن المتحف كان ممولاً حكوميًا، وكانت أبوابه مفتوحة لمختلف العلماء والزوار. كما كان يشرف عليه، في غالب الأحيان، يونانيون قادمون من أثينا، ومنهم تلاميذ لأرسطو. ناهيك بأنه كان به نظام «كالداخلية»، بحيث يعيش فيه العلماء عيشة مشتركة كرهبان دير من الأديرة، تتكلف الحكومة نفقاتهم.
إن البحث في مدرسة الإسكندرية وفلسفتها، يحتاج إلى دراسة كاملة. ونحن نريد فقط، إلقاء نظرة على هذا المركز، الذي سيكون تأثيره قويًا على الثقافة الإسلامية. وسنعمل الآن على ذكر بعض الأسماء اللامعة التي كتبت بالخط العريض في التاريخ، والتي ستلقى اهتمامًا واسعًا عند المسلمين ترجمة وبحثًا وإضافة، مثل إقليدس في القرن الـ3 ق.م، فهو تلقى تعليمه في أثينا، ودرس الرياضيات في أكاديمية أفلاطون. واستمد بعض معارفه من الفيثاغوريين. أما منهجه فقد كان أرسطيًا. أما نبوغه فسيكون بالإسكندرية في عهد بطليموس الثاني. إذ كان على اتصال بالمتحف والمكتبة. له كتاب مشهور اسمه «الأصول»، وهو كتاب جامع لعلم الهندسة، ومرتب بإحكام. إنه ثمرة تاريخ الرياضيات إلى زمانه. ونجد أيضًا، علمًا آخر معروفًا جدًا، هو أرخميدس، صاحب نظرية الأوزان والروافع. وقد زار الإسكندرية وأقام بها مدة طويلة في القرن الثالث قبل الميلاد. وإراتوستين، الذي عاش خلال الفترة مابين 276 ق.م و194 ق.م، ووفد إلى الإسكندرية في عام 253 ق.م، ليقضي فيها بقية عمره، وليشغل منصب أمين مكتبة متحف الإسكندرية العظيم. وبقدر ما كان فلكيًا، فهو جغرافي أكثر. وقد أصبح مشهورًا نظرًا لطريقته في حساب محيط الأرض.
لكن لا يمكن المرور على الإسكندرية من دون الوقوف على باعها الكبير في مجال الطب. وهنا نستحضر الطبيب غالينوس، المتوفى سنة 199، الذي انطلق من أعمال أبقراط الملقب بأبي الطب، المتوفى سنة 377. وهو صاحب القسم الأخلاقي للأطباء الشهير، الذي وثقه لنا ابن أبي أصيبعة، في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» ليزيد عليه. فقد كان يقوم بتشريحات للحيوان الحي والميت، لدراسة بنيته الداخلية، وعقد مقارنة بينها وبين الإنسان. كما كان أول طبيب يثبت أن الشرايين والأوردة تحملان الدم. وأعتقد أيضًا، أن المخ هو مصدر التفكير وليس القلب، كما كان يعتقد أرسطو وغيره. كما كان يشجع على العلاج بالفصد، وتطهير الأمعاء، وإعطاء أدوية تسبب القيء. إن أعمال غالينوس، ستكون منطلقًا للطب العربي - الإسلامي، الذي سيعمل على إضافة وتصحيح بعض معطياته، مع كل من الرازي المتوفى سنة 925، وله كتاب «الشكوك على غالينوس»، ومع ابن سينا المتوفى سنة 1037، بكتابه «القانون في الطب»، وأبو القاسم الزهراوي، المتوفى سنة 1013، شيخ الجراحين بالأندلس، بكتابه «التصريف».
ما أشبه ما حدث في الإسكندرية من تلاقح حضاري، بما حدث ببغداد في بيت الحكمة المأموني، وما حدث بالأندلس أيضًا. فإذا كانت اللغة القياسية في العصر السكندري هي اليونانية، فإنها أصبحت هي العربية في العصر الإسلامي. فليس هناك حضارة خالصة أبدًا بل هناك دار عالمية للفكر الإنساني.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي