خالد خوجة لـ «الشرق الأوسط»: نعاني من ميوعة الدور الأميركي.. وواشنطن تركت فراغا ملأته روسيا

الرئيس السابق لـ«الائتلاف» السوري المعارض تحدث عن تسويق موسكو وواشنطن لـ«الفيدرالية»

خالد خوجة
خالد خوجة
TT

خالد خوجة لـ «الشرق الأوسط»: نعاني من ميوعة الدور الأميركي.. وواشنطن تركت فراغا ملأته روسيا

خالد خوجة
خالد خوجة

قال الدكتور خالد خوجة، عضو «الهيئة العليا للمفاوضات» والرئيس السابق لـ«الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»: إن وفد «الهيئة» يصر في موضوع العملية السياسية على البدء بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي أولا، قبل النظر في كتابة دستور جديد، أو البحث في موضوع الانتخابات، وأن هذا التسلسل موجود في قرارات مجلس الأمن الدولي.
وأشار خوجة، الذي التقته «الشرق الأوسط» في جنيف، إلى أن «الهيئة» تمتلك تصورا واضحا لآليات الهيئة الانتقالية وتفاصيل مهماتها، وأن هناك نماذج عدة يمكن الاهتداء بها، رافضا بعض «الانزلاقات» التي تحول الهيئة إلى «حكم» انتقالي ثم إلى حكومة انتقالية. وأعرب خوجة عن تمسك المعارضة برحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يتعارض مع التسريبات المتواترة حول تفاهمات روسية - أميركية تبقي الأسد في السلطة لمرحلة معينة.
الرئيس السابق لـ«الائتلاف» انتقد بقوة «اللامبالاة» الأميركية التي تركت «فراغا» في الأزمة السورية والمنطقة وسلّمت المفاتيح لموسكو التي أمسكت بزمام المبادرة. كذلك رأى أن ما يحصل في سوريا من تحويلها إلى «كانتونات أمر واقع» مقدمة لتغييرات في رسم خريطة المنطقة بأملها. وفي ما يلي نص الحديث:
* ما أهداف «الهيئة العليا للمفاوضات» وخططها من هذه الجولة من المحادثات في جنيف؟ وما سقف توقعات؟
- نحن هنا لنركز على تشكيل الهيئة الحاكمة للمرحلة الانتقالية. المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لا ينفك يكرر سعيه للبدء في بحث مرحلة الانتقال السياسي، وأساسها إنشاء «هيئة الحكم»، كما هو وارد في بيان جنيف وفي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2218 والقرارات الأخرى. وأود أن أضيف أننا تلقينا تفويضا من قوى المعارضة للبحث في تحقيق هذه الأهداف، ولا يمكن أن نحيد عنها. وأعتقد أن المفاوضات اليوم يجب أن تنطلق من حيث توقفت مفاوضات جنيف 2 برعاية الأخضر الإبراهيمي. وتصوّرنا هو البدء بتشكيل الهيئة المذكورة، ثم نبحث بعد ذلك موضوع الدستور والانتخابات وغيرها من الأمور التي ستكون من اختصاصات الهيئة. وبالطبع، لدينا تصورات واضحة لكل هذه المسائل وسنكشف عنها في الوقت المناسب. ولكن ما أريد قوله هو أننا نرفض «الانزلاقات» اللغوية من مثل الاستعاضة عن تعبير الهيئة الحاكمة الانتقالية بالحكم الانتقالي أو الحكومة الانتقالية. وباختصار، نحن متمسكون بالهيئة الحاكمة للمرحلة الانتقالية بكل ما تعنيه من انتقال جدي للسلطة وصلاحيات كاملة.
* هل يحظى هذا الطرح بمساندة كاملة من الأسرة الدولية ومن «مجموعة الدعم لسوريا»، وخصوصا من الولايات المتحدة الأميركية؟
- هناك «ميوعة» في الموقف الدولي، خصوصا الأميركي، لجهة دعم المعارضة السورية. والمؤسف في الأمر أن الأسد، رغم كل الوثائق التي تدينه كـ«مجرم حرب»، ورغم عديد من التصريحات الرسمية الأميركية التي تجعله مسؤولا عن عمليات القتل واستمرار المجازر، فإنه ما زالت المواقف الحقيقية تجاهه مائعة وغير حاسمة. وأضيف إلى ذلك، أن غياب الإرادة السياسية الدولية للدفع نحو مباشرة عملية الانتقال السياسي في سوريا، وفّر للأسد وللأطراف الداعمة له، أكانت إيرانية أم روسية، هامشا من التحرك والاستمرار على رأس السلطة، بحيث يبقى عاملا لإثارة الفوضى في المنطقة، وتأزيم موضوع اللاجئين واستخدامه ورقة ضغط على بلدان الجوار وعلى أوروبا، فضلا عن تصدير «داعش» والإرهاب. وأود أن أنبّه هنا إلى أن حصار حلب واستمرار العمليات العسكرية الواسعة النطاق التي تقوم بها قوات النظام ومن يدعمها ستتسبب في أزمة تهجير كبرى. وخلاصتي أن بقاء الأسد في السلطة سيبقي سوريا «ثقبا أسود» يجرّ المنطقة بأكملها إلى حالة من الفوضى.
* هل فهمتم ما خطة الطرف الروسي .. وما الأهداف التي تسعى إليها موسكو في سوريا، ولا سيما أنك زرتها رسميا، وكان لك بصفتك رئيسا للائتلاف السوري المعارض تواصل معها؟ كذلك ما شروطها للدفع بعملية الانتقال السياسي؟
- لو أخذنا الواقع معيارا، لا يمكن أن نرى في الروس إلا قوة احتلال أجنبية تساعد النظام وتمكّنه من الاستمرار وتنزل الخسائر بالمدنيين. أما ما يقال عن أن موسكو غير متمسكة بالأسد أو أنها ستعمد، بطريقة أو بأخرى، إلى التخلص منه في مرحلة ما، فهذا في رأيي ليس سوى مناورات... لأن لروسيا أجندة خاصة بها في سوريا والمنطقة، أكان ذلك مع بشار الأسد أو من دونه. الأخير استدعى الإيرانيين، وبعد فشلهم (في تمكينه من التغلب على المعارضة) استدعى الروس الذين يسعون إلى تأسيس محور يكون ركيزة لهم في المنطقة والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. هذا هو الواقع كما نراه اليوم، وللأسف نجح الروس في فرض أجندتهم الخاصة، كما يحاول الإيرانيون فرض أجندتهم الخاصة أيضا.
* ما سر التناغم بين كيري ولافروف إذا كان الموقف الروسي على ما تصفه؟
- من الواضح أن هناك لامبالاة أميركية في الشرق الأوسط، وهناك مجال مفتوح بالكامل لروسيا لتشغل الفراغ الذي تركه الأميركيون.
* نسمع كلاما لمسؤولين غربيين يشككون فيه بالموقف الأميركي، ويطرحون تساؤلات حول ما تسعى إليه واشنطن، وخصوصا الوزير جون كيري بشأن الملف السوري...
- طبعا. عندما نتحدث نحن عن عمليات إبادة جماعية للشعب السوري والتهجير، واستخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب، ووجود توثيق لجرائم النظام في المعتقلات والتغييب القسري وحالات قتل ممنهج، وعن خطوط حمراء تحوّلت إلى ضوء أخضر... كل ذلك يدفع المراقب إلى أن يفقد ثقته بالموقف الأميركي. ما يحصل اليوم هو «طبخة» تحدد مصير الشرق الأوسط كله. ويتعين علينا عدم الاستهانة بما يجري في سوريا. إن ما نشاهده في سوريا مقدمة لتغيير شامل في الشرق الأوسط وإعادة رسم خريطة المنطقة بأسرها.
* المقدمات ثم المجريات الحاصلة هنا في جنيف على المستوى الرسمي لا تؤشر لحصول اختراقات. هل هذا هو شعورك؟
- أريد أن أذكر هنا أنه عندما توافق الروس والأميركيون على هدنة في سوريا.. حصلت هذه الهدنة. ولذا؛ يمكن للطرف الأميركي، إذا توافرت الإرادة السياسية، أن يفرض التغيير في سوريا.
* كيف ذلك؟ عن طريق الضغط على الطرف الروسي؟ عبر توفير دعم إضافي متعدد للمعارضة؟
- ليس فقط عن طريق الضغط على الطرف الروسي. هناك حالة من إفساح المجال للروس لملء الفراغ في سوريا.. ولو لم يتسبب الأميركيون في هذا الفراغ لما كنا في الوضع الذي نعرفه اليوم، ولما كانت روسيا قد أصبحت اللاعب الأول في الأزمة، وهي التي تمتلك زمام المبادرة.
* في لقاء سابق لنا في باريس وبمناسبة رجوعك من واشنطن، أتذكر أنه كانت لك رؤية مختلفة إزاء الخطط الأميركية ونوايا الإدارة تجاهكم لجهة توفير أعلى درجات الدعم لكم. ما الذي حصل بعد ذلك وبرر الابتعاد الأميركي؟
- من الناحية السياسية، أعتقد أن الموقف الأميركي لم يتغير كثيرا منذ بدء الثورة السورية والرغبة في التغيير في بلدنا، بمعنى أنه لم يكن هناك دعم أميركي باتجاه التغيير. كانوا يقولون ويسألون: مَن البديل إذا سقط النظام؟ أظهرنا أن البديل هو نموذج تعددي ديمقراطي وأسّسنا «المجلس الوطني» الذي يضم مختلف مكونات الشعب السوري، وكذلك أطلقنا «الائتلاف» الذي انضم إليه المجلس الوطني الكردي وأصبحت الصورة مكتملة. وهناك من طالب بوجود «معارضة الداخل». واليوم، هذه المعارضة ممثلة في «الهيئة العليا للمفاوضات» التي تضم أعضاء من «هيئة التنسيق» ومن «مجموعة موسكو» وفيها عسكريون ومدنيون... هذا هو البديل، وهذا ما يمثل الشعب السوري. لذلك؛ نلحظ وجود عملية «تعجيز» والبحث عن حجج للامتناع عن التحرك بسبب غياب إرادة التغيير في سوريا. ولو وجدت هذه الإرادة لكان التغيير حصل من زمان. إن كل ما يمكن للشعب السوري أن يقدمه بديلا قدمه حتى دخول الجماعات المتشددة وقمنا بمحاربتها «داعش» و«جبهة النصرة». حاربنا «داعش»، لكن الدعم العسكري الذي وصلنا لا يقارن بما وصل من دعم إلى حزب الاتحاد الكردستاني وميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية. ونرى أن هذا الدعم للأكراد غرضه التأسيس لـ«كانتون» كردي جديد وفرض حالة أمر واقع جديدة. والآن، اللامبالاة الأميركية حولت سوريا إلى مجموعة من «الكانتونات». «كانتون الجنوب» المختلف عن «كانتون الشمال»، «الكانتون الكردي»، «الكانتون العلوي»... ولا أستبعد أن نجد حالة تعزيز لهذه «الكانتونات» ضمن العملية السياسية، وهذا لن نقبل به. وهنا أريد أن أخبركم بأنه جرى الحديث في الجولة الثانية عن حل فيدرالي...
* ممن جاء الطرح؟
- جرى التسويق من قبل الأميركيين والروس والمبعوث الدولي دي ميستورا، الذي أفصح في إحدى ندواته الصحافية عن مناقشة الموضوع الفيدرالي. والحال أنه لم يناقش هذا الأمر معنا، أي أنه ناقشه مع أطراف أخرى. والروس لم يخفوا دعمهم للحل الفيدرالي. وفي رأيي أن هناك محاولة لإيجاد أمر واقع جدي في سوريا مبني على تعزيز حالة «الكانتونات»...
* هل تعتقد أنه ما زالت هناك فرصة لمنع تحقق مثل هذه السيناريوهات الكارثية؟
- لا يمكن لقرار دولي، مهما كانت الأطراف المروجة له، أن يفرض حالة لا يقبلها الشعب السوري. أعتقد أنه خلال المرحلة القادمة، ربما يستمر الوضع الراهن، ولكن على المديين المتوسط والبعيد لن يحصل هذا الأمر. وأورد دليلا على ذلك أن الفرنسيين في العشرينات من القرن الماضي حاولوا إقامة 4 دويلات في سوريا، لكن هذه الدويلات لم تصمد إلا سنوات قليلة. فضلا عن ذلك، فإن التركيبة الديموغرافية وطبيعة التداخل البشري والتعددي لا تساعد على فرض «الكانتونات» بسبب التمازج البشري.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.