«حزب الله» منظمة إرهابية .. قرار تأخر ثلاثة عقود

لماذا استغرق الإعلان الخليجي والعربي كل هذا الوقت؟ ولماذا الآن؟ * اتضح أخيرا لأغلبية العالم العربي أن «حزب الله» لم يكن حركة مقاومة وطنية ولكنه مجرد دمية إيرانية * أصبح ادعاء نصر الله بالدفاع عن القضية الفلسطينية مثيرا للسخرية بعد استغلالها للفت الأنظار

«حزب الله» منظمة إرهابية .. قرار تأخر ثلاثة عقود
TT

«حزب الله» منظمة إرهابية .. قرار تأخر ثلاثة عقود

«حزب الله» منظمة إرهابية .. قرار تأخر ثلاثة عقود

في 2 مارس (آذار) 2016، اعترفت كتلة مهمة من دول العالم العربي (أخيرا) بأن حزب الله منظمة إرهابية، حيث أعلنت دول «مجلس التعاون الخليجي» – الذي يتكون من المملكة العربية السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين وقطر وعمان - عن قرارها بتصنيف الميليشيا اللبنانية الشيعية كجماعة إرهابية بناء على مشاركتها في «سلوكيات عدائية» في المنطقة وتهديدها «الأمن الوطني العربي» عبر تهريب السلاح، والحث على العنف، وتجنيد الإرهابيين.
على الرغم من أن زخم هذا القرار كان يتم الحشد له منذ بعض الوقت، إلا أنه ما زال ينظر إليه باعتباره تصعيدا للخصومة الإقليمية بين الدول العربية وخصمها الرئيسي دولة إيران.
ولكن السؤال المهم هنا هو، لماذا استغرق إعلان أن «حزب الله» هو الذئب المتنكر في ثياب الخروف كل هذا الوقت؟ والأهم من ذلك، لماذا الآن؟
تكمن الإجابة في الأزمات التي سادت العالم العربي في الفترة التالية على الانتفاضات حيث ذهبت طموحات إيران التوسعية والمقلقة أبعد من أن يغض العالم العربي الطرف عنها وأصبح الادعاء بالدفاع عن القضية الفلسطينية مثيرا للسخرية، كما دفعت الاضطرابات التي سادت الشوارع من تونس إلى صنعاء النظم العربية إلى عودتها إلى التركيز على الأمن وتضييق الخناق على كافة فصائل الإرهابيين ومموليهم.
في وقت من الأوقات، كان «حزب الله» يحظى بتأييد واسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكان ينظر إلى الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، باعتباره بطل العالم العربي إلى جانب صدام حسين وغيره. وتزايدت مكانة الحزب في عام 2006 في أعقاب الحرب التي خاضها ضد إسرائيل. إذن ما الذي حدث؟ اتضح أخيرا لأغلبية العالم العربي أن «حزب الله» لم يكن حركة مقاومة وطنية اجتماعية - سياسية تستهدف قتال إسرائيل - وهي القضية التي كان يمكن لجميع دول المنطقة أن تلتف حولها طوال القرن العشرين - ولكنه مجرد دمية إيرانية خطرة تستمد آيديولوجيتها وتمويلها وتدريبها والمواد التي تحتاجها وتوجيهاتها مباشرة من طهران. وعلى الرغم من أن دول الخليج أصبحت أخيرا تعي هذه الحقيقة جيدا في ضوء حربها المستمرة بالوكالة مع إيران، كانت تلك الحقيقة جلية طوال الوقت.
ففي بيان «حزب الله» في عام 1985، تعهد الحزب بوضوح بالولاء للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الذي كان في ذلك الوقت هو آية الله روح الله الخميني وحث على إنشاء دولة إسلامية أكبر يقودها الخميني بمقتضى فكرة ولاية الفقيه. وكان نصر الله نفسه يكرر دائما هذه الأفكار بداية من خطابه غير المؤرخ في أواخر الثمانينات وقبل أن يحتل منصبه كأمين عام لحزب الله ووصولا إلى آخر خطبه المتلفزة في 2015 في المؤتمر السنوي الثاني: «التجديد والاجتهاد عند الإمام خامنئي».
وكانت إيران تدفع «حزب الله» باتجاه هذه الأهداف منذ البداية. فعلى سبيل المثال، وخلال المؤتمر الرابع حول الفكر الإسلامي في طهران في 1986، تم عقد عدد من الاجتماعات المحورية بين رجال الدين اللبنانيين والإيرانيين للعمل على وضع دستور لما يطلق عليه جمهورية لبنان الإسلامية مشابه للدستور الإيراني. وعلى الرغم من أن هذه الجمهورية، إذا ما نجحوا في تأسيسها، كانت لتهيمن على السلطة المحلية، فإنها كانت ستخضع إلى حد كبير لطهران.
خلال العقود التي تلت نشأة تنظيم «حزب الله»، اتضح الكثير حول نشأته وطريقة عمله وصلته بإيران، بداية من تبنيه لنموذج هيكلي شبيه بنموذج الباسدران يعتمد على وجود ميليشيا ودعم اجتماعي ونشاطات ثقافية وقوة اقتصادية وصولا إلى تدريبه العسكري الأولي على يد قوات الباسدران في بعلبك قبل الانتقال إلى التدريب في إيران بالإضافة إلى تمويل إيران له ومده بالسلاح لعقود طويلة وبقيمة وصلت إلى نحو 200 مليون دولار سنويا وفقا لتقديرات البنتاغون.
ولكن جانبا كبيرا من الهالة المحيطة بنشأة «حزب الله» يرجع إلى الشرعية المزعومة لخطابه ونشاطاته ضد إسرائيل بالإضافة إلى تحالفه مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات. وقد عمل الغزو الإسرائيلي في عام 1982 لجنوب لبنان بهدف طرد منظمة التحرير الفلسيطينية على تحقيق نتائج غير مقصودة تضمنت تعزيز الشيعة اللبنانيين المهمشين الذين تحالفوا مع الفلسطينيين المهمشين أيضا وحملوا السلاح معا ضد هذا المحتل الأخير.
يعكس بيان «حزب الله» هذه الخصومة التي بزغت في أعقاب غزو إسرائيل ويحدد خصومه بوضوح: ننظر إلى إسرائيل باعتبارها شرطي الولايات المتحدة في عالمنا الإسلامي. إنها العدو المكروه الذي تجب محاربته حتى يحصل من نكرههم على ما يستحقونه. ويعد هذا العدو الخطر الأكبر على الأجيال المستقبلية وعلى مصير أرضنا خاصة وأنه يمجد فكرة الاستيطان والتوسع التي بدأت في فلسطين ويتوق إلى إقامة إسرائيل الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل. نحن نفترض في معركتنا ضد إسرائيل أن الكيان الصهيوني هو كيان عنيف منذ نشأته وبني على أرض سرقت من أصحابها وعلى حساب حقوق الشعب الإسلامي. ومن ثم فإن صراعنا لن ينتهي إلا عندما يزول هذا الكيان.
وكما يتضح من ذلك الجزء، خلق «حزب الله» بعناية منذ نشأته صورة ذهنية محددة لنفسه باعتباره جماعة مقاومة لبنانية تستهدف محو إسرائيل من الخريطة. ولكن يمكننا أن نستنتج من النظر إلى المنحنى الطويل لنشاطات حزب الله على مدار السنين أن هذا الهدف ليس محليا أو وطنيا. فعلى الرغم من أن مكانة «حزب الله» كانت مستمدة أساسا من القطاع الشيعي في لبنان الذي كان لديه تعاطف مشروع مع نظيره الفلسطيني، فمما لا شك فيه أن «حزب الله» تحول بعد نشأته مباشرة إلى صنيعة إيرانية. والأهم من ذلك، لم يمثل العنف الذي مارسه «حزب الله» ضد إسرائيل ومصالحها سوى جانب صغير من نشاطاته الإرهابية. وكما قال ديفيد كوهين نائب وزير الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية في أغسطس (آب) 2012 في تصريحات مختصرة حول تصنيف «حزب الله» إثر دعمه للنظام السوري:
قبل الهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2001، كان «حزب الله» مسؤولا عن مقتل عدد من الأميركيين في الهجمات الإرهابية يزيد على ضحايا هجمات أية جماعة إرهابية أخرى. في البداية بدأ «حزب الله» تنفيذ تفجيرات وعمليات خطف في لبنان ثم توسعت حملة العنف لتصل إلى الساحة العالمية حيث نفذ ودعم هجمات إرهابية في أميركا الجنوبية، وجنوب شرقي آسيا، وأوروبا وغيرها من الدول في الشرق الأوسط. وأخيرا، رأينا عمليات للتنظيم في أذربيجان ومصر وتايلاند وقبرص.
من جهة أخرى، تم توثيق نطاق الإرهاب العالمي الذي مارسه «حزب الله» في كتاب صدر في عام 2013 من تأليف مات ليفيت بعنوان: «حزب الله: الآثار العالمية لحزب الله اللبناني»، صور فيه ليفيت كيف مارس التنظيم العنف في جميع أنحاء العالم لأكثر من ثلاثة عقود. جدير بالذكر أن ممارسات التنظيم كانت أكثر ارتباطا بالطموحات الدولية الإيرانية من ارتباطها بقضية مقاومة إسرائيل. وبالطبع عندما ننظر إلى إرهاب «حزب الله»، لن نكون بحاجة إلى النظر أبعد من لبنان نفسها التي كانت أكثر من عانى من أنشطة التنظيم.
وحتى في ما يتعلق بالزاوية الفلسطينية وما يطلق عليه الدفاع عن قضيتهم، فإنه كان مستمدا أساسا من الخميني في إيران. جدير بالذكر أن أول بعثة خارجية تزور الخميني في إيران ما بعد الثورة كانت بقيادة ياسر عرفات وإن كان ذلك الحدث لم يحظ بالاهتمام في ذلك الوقت. كما كان الصراع ضد الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر - الولايات المتحدة وإسرائيل على التوالي - من الأولويات الأولى للمرشد الأعلى، كما سيصبح بعد ذلك بالنسبة للتنظيمات التابعة له. وكما اتضح مع الوقت – خاصة على الساحة السورية - يتلقى مقاتلو «حزب الله» تعليماتهم مباشرة من طهران لدعم نظام الأسد على حساب السوريين والعدد اللانهائي من الفلسطينيين في معسكر اليرموك بسوريا (على سبيل المثال)، أي أن «حزب الله» استغل ببساطة القضية الفلسطينية للفت الأنظار بعيدا عن أنشطته وطموحاته الأخرى.
ولم يبدأ الإرهاب الذي يمارسه «حزب الله» في منطقة الشرق الأوسط بأوامر من إيران في الحصول على جانب كبير من اهتمام زعماء الدول العربية إلا في العقد الأخير عندما اشتدت حدة حربهم بالوكالة مع إيران. ولكن في الفترة التالية على انتفاضات العالم العربي، وهي الفترة التي عملت خلالها دول الخليج على التعاون معا لتعزيز الاستقرار والسيطرة على الإرهاب، يبدو أن أنشطة «حزب الله» الأخيرة قد استفزتهم وتجاوزت الحدود. تتضمن هذه الاستفزازات كما يصوغها على نحو مثالي ديفيد بولاك مدير «منتدى فكرة»: المساعدات العسكرية المستمرة للديكتاتور السوري بشار الأسد، ودعم المعارضة الحوثية في اليمن، والعلاقات الوثيقة مع خصم دول مجلس التعاون الخليجي الرئيسي وهو إيران والمشاركة في الإرهاب وعمليات التخريب والتجسس داخل معظم دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن جهة أخرى، يبدو أن السعوديين غاضبون للغاية حتى أنهم سوف يذهبون أبعد من تصنيف «حزب الله» كتنظيم إرهابي. فمنذ مايو (أيار) 2015، كانت المملكة تفرض العقوبات على المواطنين اللبنانيين والشركات اللبنانية التي يعتقد أنها على صلة بـ«حزب الله» ومتورطة في توريد الأسلحة. وخلال الشهر الماضي ، علقت الرياض ما قيمته 4 مليارات دولار من المساعدات الأمنية لبيروت. ثم أعلنت المملكة أنها سوف تبدأ «مراجعة شاملة لعلاقتها بالجمهورية اللبنانية».
وخلال خطاب متلفز في بداية الشهر الحالي، تحدث نصر الله حول هذه التطورات بالطريقة المتوقعة وهي شن الهجوم على السعودية. وعلى نفس النحو المتوقع، أذاعت محطة «المنار» التلفزيونية تقريرا في أعقاب إعلان «حزب الله» كمنظمة إرهابية حاولت فيه الأساءة للمملكة.
ولكن هذه المحاولات البائسة سوف تذهب سدى في هذه المرحلة. وفي النهاية، تم الإقرار بأن «حزب الله» تنظيم إرهابي والنظر إليه باعتباره دمية إيرانية وجماعة لا تعترف بشرعية الدول – سواء كانت إسرائيل أو لبنان أو سوريا - وأصبح ينظر له كجماعة مهددة للعالم العربي.
ولكن تداعيات هذا الإدراك سوف تذهب أبعد من قضية «حزب الله» وتمتد إلى مشكلة دعم الميليشيات في المنطقة برمتها التي كانت تحارب ذات يوم العدو المشترك وأصبحت في اليوم التالي تحارب الداخل. لقد كان حزب الله تنظيما إرهابيا عندما كان يستهدف الغربيين، وهو تنظيم إرهابي الآن في استهدافه للبنانيين والسوريين. والشيء نفسه يمكن أن ينطبق على الكثير من الجماعات الأخرى التي تعمل حاليا. ومن ثم يجب على الأنظمة الشرق أوسطية ومواطنيها أيضًا أن يتخذوا من حالة «حزب الله» عبرة إذا كان هناك أمل في تحقيق السلام والأمن في المنطقة في الأجيال القادمة.
*مديرة برنامج الشرق الأوسط بـ«معهد أبحاث السياسة الخارجية». تركز أبحاثها الحالية على توازن القوى الإقليمية، بلاد الشام ودول مجلس التعاون الخليجي، والسياسة الأميركية في كليهما. كما أنها من المحللين بمكتب الشرق الأوسط بشركة الاستشارات الأسترالية «ويكيسترات».
* أضغط هنا لمتابعة ملف كامل بشأن تصنيف (حزب الله) منظمة إرهابية - الشقيقة مجلة « المجلة»



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.