الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

تطور النظام الرأسمالي العالمي أفضى إلى أداة تحكم عالمية

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي
TT

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

كتب عبد الله العروي حول مفهوم التاريخ والدولة والحريّة، ونحت مفهوم الأُدلُوجة والتاريخانيّة. وكتب في العقد الأخير، عن السيّاسة والدّين والإصلاح والتحديث. وترجم نصوصًا فلسفيّة وتاريخيّة، بالنظر إلى ضرورتها لرفع الوعي العربي إلى مستوى أرقى، يمكّننا من التحاور مع الحضارة البشريّة الأخرى. ويستحضر في تأصيله لهذه المفاهيم، المقاربة الفلسفيّة والتاريخيّة والقانونيّة. وذلك بهدف استقراء التداول العربي القديم والمعاصر، لفهم ميكانيزمات حضورها في فكرنا الراهن.
تمثل لحظة هيغل، نقطة مِفصليّة في تاريخ الفكر الفلسفي في نظر العروي؛ لأنه يمثل أحسن من لخّص أقوال أفلاطون ومكيافيلي في الدولة، وأحسن من فند أقوال أوغسطين وروسو وكانط. فعند هيغل: «تتوحد كل الجداول القديمة، ومنه تتفرع المذاهب العصريّة». أي «نقطة الوصل بين الفلسفة الكلاسيكيّة والفلسفة العصريّة». ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا لفهم اللحظة الانتقاليّة.
يشدِّدُ العروي على مكانة مفهوم الحريّة عند هيغل، لجهة أن الدولة هي من يقرر حريّة الفرد بما هي حرية الذات. ولا تقف أمام تلك الحريّة التي تُمنح للفرد: «يمكن أن نعتبر أن الدولة عامة، تزداد كمالاً كلما كان ما يترك لمبادرة الفرد، لكي يعمل فيه حسب رأيه الخاص، أقل أهميّة مما ينجز جماعيًّا» (هيغل). لا تقوم الدولة على التضحيّة، وليست في خدمة الفرد، لأنه لا يمكن تصور أخلاق فوق الدولة أو مجتمع فوق الدولة. وفي الوقت عينه، وإن كانت الدولة غير مبنيّة على المصلحة، فإنها لا تقف في وجه هذه المصلحة. لكنها لا تتعداها بالنظر إلى احتضانها منظمات مكلفة بالسهر عليها.
بدأ سؤال الدولة عند هيغل، في كتابه: «دستور ألمانيا». وفيه قارن بين الدولة الألمانيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، واصفا ألمانيا بأنها مجرد مجموعة إنسانيّة لا تملك تصورًا عقليًّا (الدفاع عن الحدود مثلا)، وبالتالي ليست دولة. وتطور في كتبه اللاحقة، وخاصة، في «مبادئ فلسفة الحق» حيث يعرف الدولة بقوله: «الدولة هي الفكرة الأخلاقيّة الموضوعيّة إذ تتحقق، هي الروح الأخلاقيّة بصفتها إرادة جوهريّة تتجلى واضحة لذاتها، تعرف ذاتها وتفكر بذاتها وتنجز ما تعرف لأنها تعرفه». وهو تعريف مجرد لا يتعلق بدولة ما، بل بمفهوم الدولة كما تطور عبر التاريخ من البداية إلى النهاية. ينتقل من خلاله هيغل من الاجتماعيات والتاريخ والقانون إلى الفلسفة. يختزل هذا التعريف، تصورًا مثاليًا ومطلقًا للدولة. حيث التطابق بيّن بين فكرة الدولة بوصفها تصورا، والتجسيد العقلي للدولة، بما هي دولة في ذاتها. وهذا ما دفع العروي إلى التساؤل: هل هذا التصور الذي يختزل الدولة «في الدولة في ذاتها»، ينظر إلى الدولة بوصفها دولة عقليّة علميّة أم أن الدولة خرافيّة، أسطوريّة؟
يعود العروي إلى أرنست كاسيرر، لإبراز أطروحة أعداء «الدولة في ذاتها». لأن دولة هيغل هي الدولة العقلانيّة التي لا تستسلم للنزوات الفرديّة. تربي الناشئة حسب آرائها. توحد التنظيمات وتجسد الروح القوميّة، أو حقيقة الجنس وليس روح الفرد. كما يعود إلى تأويل إريك فايل، الذي حكم على هيغل حكمًا مغايرًا للذين يصنفونه، في مقابل كانط، ويجعل من هيغل، لا موقفا أسطوريًا، بل نظريّة علميّة حول الدولة، كما هي الآن، وكما ستكون باستمرار، ما دامت ضروريّة للإنسان: «إن نظرية هيغل في الدولة صحيحة، لأنها تحلل بكيفية صحيحة، الدولة القائمة في عصره وفي عصرنا. يمكن تجاوزها ولا يمكن بتاتا تنفيذها» (مفهوم الدولة، 28)، لكن كيف يمكن تجاوز الدولة حسب فايل؟
أولا، يرى فايل أن الدولة يمكن تجاوزها أولاً، داخل الجدل التاريخي ذاته: عن طريق الحرب. فالمجتمع العام بالنسبة للدولة المستقلة، هو الذي سيؤدي إلى ظهور منتظم دولي عالمي، بعد أن تسأم المجتمعات المستقلة من الحروب الطاحنة المتواليّة.
ثانيا، يمكن تجاوز الدولة بسبب جدلها الداخلي ذاته: فالدولة العاقلة في رأي فايل، لا تمثل الدولة المطلقة عند هيغل؛ لأن الروح المطلق لا يتحقق إلا في دولة كاملة الإنسانيّة لا تعرف التناقض.
تحيلنا انتقادات فايل لهيغل إلى مسألتين أساسيتين:
1 – في مفهوم الدولة العالميّة: إن الفكر عامة، ليس فكرًا مجردًا، وتأملات الفلاسفة ليست تأملات من فراغ. بل تظل محكومة بمنطق ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وعلى الرغم من أن ما ينبغي أن يكون قد يكون مصبوغًا بيوتوبيا، فإنه من الصعوبة التكهن بتحققها. وهي في واقع الأمر، تأملات تستوجب الوعي سابقا بنتائجها. وهذا لا يعني أننا أمام تفكير مستقبلي سابق لأوانه. بل العكس، يعني ذلك عدم تبخيس التأملات التي لا تلزم في نهاية المطاف إلا من يجعلها اعتقادًا إلى جانب صاحبها. والجدل حول الدولة العالميّة، ليس فقط متجاوزًا آنذاك، وإنما يصعب حتى الحديث عن الفكرة بشكل ملموس. وما يقع الآن في العالم من جدل حول نهاية الدولة المحليّة وولادة الدولة القوميّة «الاتحاد الأوروبي مثلا»، ومختلف الاتحادات الجهوية، تسير في طريق توحيد أمة تحت تنظيم واحد، في تراتبية متعددة في مشاربها وانحداراتها الوطنيّة. ولكن ينبغي ألا نغفل هنا، أن المؤسسات يجمعها دوما رابط آيديولوجي، أو بلغة غي روشي، لا وجود لحركة اجتماعيّة كتنظيم ومؤسسة إلا بوجود مبدأي الهويّة وقوة ضغط. فالهويّة تجسد الأرضيّة التي في ضوئها يتعين الهدف ويتحدد الانتماء الاجتماعي وترسم المطالب. وفي القوة تتجسد المقاومة والسعي نحو شرعنة المطالب. والمخاض الأوروبي الحالي، جنين لم يتحدد شكله بعد، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بمصيره. وما يصدق على الدولة القوميّة – الجهويّة، يصدق أيضًا على الدولة العالميّة. فالسؤال اليوم، لم يعد سؤالاً حول دور الدولة المحليّة (الوطنية)، على الرغم من وجود اتفاقات تجاريّة تحاول إماطة اللّثام عن السلطة المحليّة، وتسعى إلى التدخل في الشؤون المحليّة. وهنا يطرح علينا السؤال حول الدولة العالمية: هل لدينا حكومة عالميّة، وتنظيمات ومؤسسات أمميّة تنظم تدخلها كاملاً، ولها مشروعيّة سيّاسيّة حقيقية؟
إن سيرورة تطور النظام الرأسمالي العالمي، أفضى إلى أداة تحكم عالميّة، حيث وجود منظمات دوليّة لها اليد الطولى في كل السيّاسات المحليّة. وعلى الرغم من التشكيك في مكانة الدولة الوطنيّة، فإن مصير الدولة العالميّة مهم للغاية بالنظر إلى اللّبس الذي يكتنف هذا المفهوم. لقد تجاوز هيغل التناقض المحلي إلى المؤسسة العالميّة. كما تجاوز التاريخ إلى التاريخ الكوني أو تاريخ العالم. وهذا ما يقتضيه منطقه التركيبي. فالتناقض بين القضيّة ونقيضها يولد الجديد. ففي «العقل في التاريخ» ينظر منظورًا جديدًا يتجاوز بكثير أطروحة «فلسفة الحق». وإن صح القول، فإن للعروي الحق كاملاً في عدِّه تأويل فايل تأويلاً يطابق بين هيغل وماركس. فكل الانتقادات ما هي إلا الخيوط الأولى التي رسمها هيغل، على الرغم من أن فهم ماركس لمفهوم الدولة، سيصبح متجاوزًا مع الربع الأول من القرن العشرين، بعد صدور كتاب لينين «الدولة والثورة»، الذي رسم فيه أفق الدولة الاشتراكيّة التي ينبغي أن تسير نحو الاضمحلال.
2 – يشير العروي إلى الفكرة الفوضويّة حول الدولة، وهي تحتاج إلى توضيح. لقد ارتبطت الفوضويّة أو التحرريّة، بالفرنسي بيير جوزيف برودون (1809 - 1865). وعلى الرغم من أن ماركس وإنجلز وقفا أمام أطروحات برودون في الاقتصاد السيّاسي وفي الفلسفة، فإن فكرة الفوضويّة تتمثل أساسًا في نكران الدولة، وعدم الحاجة إليها. فإذا كانت الدولة في نظر الفوضويّة سلطة للقمع الطبقي، فإن الحاجة إليها لم تنشأ إلا لأداء وظيفة القمع، وإن نقيض البرجوازيّة لا يستطيع أن يشتغل بجهاز تكمن وظيفته في القمع، فتلك الوظيفة، الحاجة التي جعلت فكرة الدولة تظهر تاريخيًّا، يستغني عنها المجتمع الاشتراكي النّقيض، ولعل النقاش الذي أثارته التجربة السوفياتيّة حول «ديكتاتوريّة البروليتاريا»، أعمق، ويعيد أفكار ماركس إلى المحك. ونقف هنا عند فكرة الفوضويين لبيان الاختلاف القائم بين الاتجاهات المتعددة في الفكر الماركسي. فإن كانت أغلب التيارات الماركسيّة تنهل من «أصلٍ واحد» وهو كتابات ماركس وإنجلز، فإن وجهات النّظر تختلف حتى في أكثر المسائِل وضوحًا لدى المؤسسين. فالدولة ينبغي أن تكون من وجهة نظر الحزب اللّينيني دولة تسير نحو الاضمحلال، لأن الأسُس التي تجعلها قائمة أول الأمر، بعد الثورة المضادة، لم تعد مبررة بعد تسلم الحكم. هكذا تم تبرير وجود الدولة لعامة السوفياتات في عهد لينين. إلا أن التجربة أبانت عن نقاش آخر، سيمتد طويلاً منذ منتصف العشرينات إلى اليوم والذي سُمّي بالنقاش حول «البيروقراطيّة».
إن الغاية كل الغاية حول هاتين المسألتين المهمتين ليست قراءة العروي بما لا يحتمل، ولا تحايلا على القراءة، بل، فقط، لإبراز أهميّة هذا النقاش حول مفهوم يبدو مجردًا، فلسفيًا، لكنه في حقيقة الأمر، يظل حاضرًا وملازمًا للواقع الراهن.
يلخص العروي مجمل قوله في الفصل الأول، ببيان ثلاثة اتجاهات رئيسيّة في نظريّة الدولة:
1 - الاتجاه الديني الميتافيزيقي: أوغسطين
2 - الاتجاه اللّيبرالي. الأخلاقي مع كانط
3 - الاتجاه اللاديني ـ اللأخلاقي مع هيغل
فهيغل عمل على نقد اليوتوبيا، أي نقد الآيديولوجيا السّابقة. ولذلك يمثل في نظر العروي، نقطة الالتقاء والتحول بين القديم والحديث. وهنا أهميته. فنكران هذا الموقف لن يكون إلا عودة إلى الطوبى حيث يقول: «إذا قررنا أن نظريّة هيغل مبنيّة على التمثل بالواقع، مهما كان حكمنا على نتائجه، وجب القول: إن رفضها يعني بالضرورة عودة إلى الطوبى» (نفسه، 32).
تأخذ نظرية الدولة عند هيغل طابعًا تعميميًا، وكأننا نسعى فقط إلى تبرير، لماذا ينبغي الحديث عن الدولة بوصفها واقعا إنسانيا، أو ظاهرة سياسيّة لا يصح مناقشتها من الخارج؟ لأنه لا يمكن تجاوزها. بل هي نابعة من ضرورة كونها متطلبة تاريخيًا، وتجاوزها لا يستقيم وغايتَها في ذاتها، مع عدم إغفال أن الدولة - حسب هيغل - ليست – فقط - فكرة عقليّة أخلاقيّة خارجيّة، بل تتطور من خلال تجارب الإنسانيّة. وما تتبُع هيغل للقانون ولفلسفة القانون في التشريعات الأوروبيّة وخاصة تشريعات الرومان، منذ البندكت - المدونة، مرورًا بروح القوانين لمونتسكيو، إلا تبريرا لعقلانيّة وإطلاقيّة وتعالي فكرة الدولة.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».