الشعر.. في العاصفة

عزمي عبد الوهاب اتخذ منها رمزية فنية تمتزج فيها مشاعر من الخوف والقلق

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

الشعر.. في العاصفة

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

أي عاصفة يقصدها الشاعر عزمي عبد الوهاب في ديوانه «يمشي في العاصفة» الصادر حديثا عن دار «آفاق» بالقاهرة، ثم «هل يعني ذلك أن العاصفة هي سؤال الشاعر وقدره الذي يصعب الفكاك منه، سواء داخليا على المستوى النفسي، أو خارجيا في مواجهة عالم اهتزت فيه ثقة الشعر والشاعر معا؟».
تومض هذه الأسئلة بخفة في نصوص الديوان، ويستعير الشاعر دلالة العاصفة وزخمها في الطبيعة، ناسجا منها رمزية فنية موحية، تمتزج فيها مشاعر من الخوف والقلق، والبحث عن خلاص وملجأ، وفي الوقت نفسه الرغبة في البوح والهتك والمساءلة، وكأن العاصفة مثير سري، يستفز الحواس للذهاب إلى ما هو أبعد من اعتيادية الصورة والمشهد الشعري، حيث يحتمي الشاعر بنصه، بذاته العارية وصراخه في مواجهة عبث الواقع، متأملا مشهد حياته على مسرح أحلامه المنكسرة، المهزومة والمؤجلة، وكأنها خيوط متشابكة في لوحة شعرية سردية، لا انقطاع فيها بين الماضي والحاضر، بين الخيال والواقع، بين العاصفة والنص الشعري نفسه.
مائة صفحة من القطع المتوسط، وأربعة عناوين رئيسية، في ظلالها يحاور الشاعر نفسه، يعتصرها بحدة، فيما تبدو النصوص وكأنها مرايا مهشمة، يصارع وسط شظاياها كابوسا قاتلا من الوحدة والفقد، والشعور الدائم بالإحباط والفشل، واللاجدوى.
تراوح هذه المفاتيح بين القصيدة ذات النفس الطويل، والقصيدة القصيرة ذات النفس الخاطف، مما يمنح عالم الرؤية في الديوان زوايا ومساقط اكتشاف وتكشُّف متنوعة. ويتحرك النفَسَان في خط درامي متشابك الأبعاد والرؤى، مشدودا دائما إلى نقطة البداية، وهي نقطة نائية وجارحة معا، يتناوب عليها إيقاع الحلم والذاكرة، ويختلط فيها الحنين بالألم.
تتراءى هذه النقطة أحيانا في مناخات الطفولة، طفولة القلب والعشق والطبيعة، وتبدو أليفة ودافئة في صورة الأب والأم، لكنها تصبح أكثر حدة وقسوة في صورة الحبيبة العشيقة والتي يقارنها الشاعر بالرصاصة الغادرة قائلا: «الرصاصةُ التي قد تأتي في الظهر/ لأسباب غير منطقية/ أكثر رحمةً/ من انسحابك المقررِ سلفًا/ فلا تبحثي عن مبررات للغضب»، وعل العكس من ذلك يحنو الشاعر على المرأة ويتعاطف مع آلامها، موجها اللوم إلى القصيدة، قائلا «فلتذهب القصيدةُ إلى الجحيم / ما دامت لم تدفئ غرفة امرأة في الشتاء / هذه القصيدة سيعذبها الله كثيرا / لأنها نامت في أوراق شاعر / وتركت امرأة تتعذب في برد الوحدة».
هذه المسافة التي تفصل بين ما يخص الذات والأشياء، إحدى العلامات الفنية المهمة في الديوان، وبيقظة حواس طازجة استطاع الشاعر أن يحفظ لهذه المسافة قدرا عاليا من الشفافية، فأصبحت بمثابة جسر يربط ويفرق بين الاثنين معا، كاشفا عن جدلية خاصة بهما، فلا الذات تخفي الأشياء في حراكها واشتباكها مع العالم ولا الأشياء تخفي الذات، وإنما كلاهما نافذة مفتوحة بحيوية على الآخر، تملك حرية الذهاب والإياب منه وإليه، بقوة النص نفسه، وما يفرزه في نسيجه من اشتباكات وتقاطعات ودلالات وتجاوزات على مستويي الشكل والمضمون.
ينعكس هذا المناخ على طبيعة اللغة في الديوان، فهي لغة تتوخى النصوع، غير ملتوية، ليس بها نتوءات ولا تعرجات، تصل إلى المعنى بسلاسة، وتحيله إلى ما يخصها، تارة في شكل مفارقة فنية، أو حزمة معينة من الدلالات والرموز، وتارة أخرى بالوقوف على حافة الحكاية والإيهام بها، باعتبارها تمثل تقطيرا لعلاقة الذات بالزمن، سواء في بعده الواقعي أو المتخيل، كما أنها تتيح للذات الشاعرة مساحة رحبة إنسانيا لتفجير الأسئلة والحوار، وفي الوقت نفسه، التوغل في عتمة الحاضر عبر استحضار الغائب المهمش، ووضعه في دائرة الضوء بعلاقات وإيقاعات شعرية، تنتفي فيها الفواصل بين الحاكي والمحكي عنه، وكأنهما عجينة واحدة.
يتجسد هذا الملمح على نحو لافت في القصيدة التي وسمت عنوان الديوان، ويقول فيها الشاعر:
«ربما تعرفين معنى أن يمشي رجل في العاصفة وحيدا
دون يد، تمسح الغبار عن روحه المتسخة بالمطر
أنت الآن نائمة في دهاليزك السرية
فامنحي تلك القصيدة العجوز
فرصة أن تلوك سنوات عمرك
كوحش
يقتلع مدينة ساحلية من جذورها
ويعلقها في الهواء
بين صدره وقائمتيه الأماميتين
ليت روحه تخف
ليت الطاقة الشريرة
التي يدعيها لنفسه كانت حقيقية».
هذا التمني الذي يناوش الحقيقة بكل ثقلها وخفتها، يتبلور أحيانا عبر جمل مركزية ذات مقومات سردية، تتصدر بداية قصائد أساسية بالديوان، كتلة للتشكيل ونواة للإيقاع، مثل (سأحكي لك كثيرا / سأحكي عن الثورة.. أو: اتركيه لحاله يا حنين). تفوح من هذه الجمل رائحة الرسائل الخاصة، كما تمتزج في نجواها ودلالاتها طبيعة الحب مشرّبا بغلالة إيروسية شفيفة، أيضا يومض الواقع والحياة اليومية بأقنعتها السياسية وغيرها.
هكذا يتعامل الشاعر مع ماضيه، فهو الحاضر بقوة في علاقة عاطفية لم ينته غبارها بعد، وفي مشهد ثورة تعثرت خطاها في دروب الحرية، لكن يبقى ما يوحّد بينهما شعريا وفكريا، أن كليهما (الثورة والحبيبة) لم يستوعبا تعارضات الجسد والروح، لم يمنحاها فرصة النمو بحرية، بعيدا عن خمائر التكيف والإذعان ونصب الفخاخ، بحجة البحث عن حقيقة مضللة وكاذبة.. لذا، لم يبق أمام الشاعر سوى أن يرثي الاثنين معا، بل يسخر منهما أحيانا، وكأنهما صدى لصرخة وحلم لم يتنفسا هواءً حقيقيا.
واللافت أيضا أن الديوان يتمثل هذه العلاقة باعتبارها ظلا ليقين مبتور ومشوَّه، وصرخة عاتية، أصبحت مادة للاستهلاك والثرثرة، قائلا في قصيدته «لرجل حمل البحرَ على كتفيه»، والتي يفتتح بها الديوان:
«الأشجارُ تكره الوقوف
العصافيرُ قتلها الصمت
القطارات ماتت انتظارا في المحطات
الهواتف لا تنقل الكلامَ بين المحبين
المحبون حبسوا البهجةَ في عيونهم
المراهقون بحثوا عن حديقة مناسبة للغرام
وتجمّدوا في مقاعدهم
تركوا بينهم مسافاتٍ يجرِّب فيها الهواءُ سطوته
البردُ أكل أطراف الرجال
النساءُ استسلمن في معركة غير متكافئة مع الوحدة
حتى الأطفال شاخت براءتهم
كل شيء أصابه الخرس».
صور متلاحقة تشبه ضربات فرشاة في لوحة تشكيلية تشير إلى «طبيعة صامتة»، وصمت يتحول في النص إلى طبيعة مقموعة ومغدورة، ترفده دلالة العنوان الفرعي للنص «متحف الشمع»، وجمل اسمية لا تكف عن إثبات هذا اليقين المبتور، وفي الوقت نفسه، تشف في ظلال الصور محاولة حثيثة لـ«الأنا» و«النحن»، بحثا عن نقطة ضوء لتثبيت أقدامهما الممزقة حتى لا تنزلق في هوة النسيان، وتصبح الحكاية مجرد قشرة لحلم فارغ من المعنى، تروى من قبيل البحث عن مرثية ضائعة، لأزمة وطن، سرقوا منه ثورته في وضح النهار.
يجسد الشاعر هذا المشهد في قصيدته الطويلة بعنوان «سأحكي لك كثيرا» قائلا:
«سأحكي
عن الثورة التي سرقت من ميدان التحرير
لأن الأشجار لا تكبر في الصحراء
وأعمدة الكهرباء لا تصدق غناء الطيور
ولأن رجلًا مهزومًا
أيقن أن الأبدية شيء مستحيل
أخذ يحكي هاربًا
في أحاديث الثورة
ولماذا يكره الإخوان والسلفيين
ولأن شيئًا انطفأ في روحه
لم يعد قادرًا على الطيران
وستبقين صامتة كبحيرة مهجورة
وأنت بكامل ملابسك تمامًا
وأنا بكامل الحمى والهذيان
لا أعرف كيف أعود إلى بيتي
عاريًا هكذا!».
من ثم، يوحد عزمي عبد الوهاب بين فكرة الشعر وفكرة الحياة، سواء على مستوى الخاص والعام.. ويرى أن الوجه الأمثل للحقيقة هو الجهر بها، أيا كانت: صورة باهتة على جدار العاطفة، أو محاولة للبحث عن إغراءات أخرى للشعر والحياة، أو الفرح بالعثور على شذرات لقصيدة عصية، لا تقبل التناسخ فوق حوائط اللغة والتاريخ.. لذلك، لا مناص عن المغامرة، عن المشي في العاصفة، حتى تمارس انقلابك على ذاتك، على العالم، قبل أن ينقلب هو عليك، وتتحول دوائر الوعي واللاوعي، من محاولة للإمكان والفهم، إلى متاهة سرمدية في كون أصبح محفوفا بمخاطر لا حد لها من الوجع والاستلاب.. يعي الشاعر ذلك، ويربطه بوجه الحقيقة الهارب، ويحاول أن يجد له تفسيرا أو معادلا شعريا، وهو ما نحسه في ختام قصيدته «اتركيه.. لحاله يا حنين»، حيث يصبح الحبيبة، هو نفسه سؤال الحقيقة والحلم والوطن والحرية، قائلا:
«متى تكونين حقيقية يا حنين؟
- عندما تريدني امرأتكَ
اذهبي .. يا حنين
فالجمل التي لا محل لها من الإعراب
تباع في الدكاكين، وتصنع كتبا مصيرها الحريق
والرجال المحشوُّون بالقش مرميون على قارعة الطريق
اذهبي.. يا حنين».
يبقى أن أقول في هذه الإطلالة على عالم هذا الديوان، وبتحريض من مناخاته الثرية، «إن الشعر سيفشل دائما في أن يكتب الثورة، إن لم يعشها أولا في داخله، كما أنه من الصعب أن يشكل وعاءً لخبراتنا وتجاربنا وعواطفنا الشخصية، إن لم يعلمنا كيف نثور على أنفسنا.. حينئذ يحق لنا أن نقول، نحن شجرة الشعر، شجرة الجمال والحرية».



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.