القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

ملالي طهران.. من تصدير الثورة إلى المزايدة بالتراث الفارسي

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية
TT

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

عام 2010، عندما توفي شجاع الدين شفا، الكاتب والأديب ومترجم الآثار الكلاسيكية الغربية، في منفاه بالعاصمة الفرنسية باريس، كان أقرب إلى صوت وحيد في واد.
لما لا يقل عن عقدين من الزمن سبقا «الثورة الخمينية»، كان «شفا» أحد ألمع الكتاب، وكانت أعماله بين الأعمال الأكثر رواجًا. وكشخصية منفية تعيش معزولة عن بيئته وجمهور قرائه، كان أمام شفا خياران: إما كسر قلمه واعتزال الكتابة، أو الاكتفاء بصفوة قليلة من القراء الذين يحنّون إلى «أيام الشاه» الخوالي. ولكن، بعد مرور ست سنوات، يظهر أنه انضم إلى ذلك الصوت الوحيد أصوات كثيرة أخرى من الماضي والحاضر، بل من المستقبل أيضًا، مشكلة جوقة تناوئ عقيدة الملالي الإسلاموية وتشدّد «إيرانية» الهوية عند الإيرانيين.
عودة إلى عام 1984، عندما سأل صحافي فرنسي الكاتب والأديب الإيراني شجاع الدين شفا عن رأيه في «أوضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، جاء رد شفا ملمحًا إلى أنه لا وجود لشيء اسمه «(جمهورية إسلامية)، أما إيران، فهي إيران». هذا حصل عام 1984، أما ما هو مؤكد اليوم، فهو أن «القومية الإيرانية» على طريق العودة، وإن لم يكن بالضرورة بنسختها الراديكالية التي يؤمن بها شفا. وفي أي حال، المهم أن هذه العودة غير مفاجئة.
على امتداد نحو 15 قرنًا من الزمن، عانت إيران من «انفصام الشخصية»، فلا هي قادرة على نسيان «إيرانيتها»، ولا تذويبها في الإسلام الذي تعيشه وتعتنقه. وعلى سبيل المثال، هناك من يؤمن، كالكاتب محمد محيط طباطبائي، بأن «الهوية الإيرانية و(الإسلام) جناحا الطائر الأسطوري (سيمروغ)، المذكور في ملحمة (الشاهنامه)، اللذان يمكنانه من التحليق عاليًا». وفي حين يعد مفكّر كأحمد كسروي، الإسلام «عائقًا يحول دون عودة إيران إلى التاريخ على درب العظمة»، يرفض أمثال الدكتور علي شريعتي مفهوم «القومية الإيرانية»، ويعد أنه كمفهوم «قومي مستورد من أوروبا»، هو العائق الحقيقي، ولذا ينادي بـ«الانغماس الكلّي في الإسلام الشيعي».
مؤشر احتفالات «النوروز»
منذ عهد رضا شاه بهلوي، حاولت الغالبية العلمانية في مؤسسة السلطة والمجتمع، التخفيف من الهوية الدينية وانتماء إيران إلى «أمة إسلامية عريضة»، والعمل على تعزيز الشعور بالانتماء إلى أمة إيرانية. غير أن هذا المنحى انقلب رأسًا على عقب في عصر آية الله روح الله الخميني، على الرغم من أن التطبيق لم يكن متناسقًا، وهدف الملالي إلى «عودة الأسلمة» إلى إيران. غير أن ما يلفت بعض المراقبين أن الأمور تبدو مائلة من جديد إلى شيء من التحوّل باتجاه استنهاض الهوية «القومية الإيرانية»، مما قد يخلّف تبعات بالغة الأهمية على سياسات طهران الداخلية والخارجية على حد سواء. وكان من أبرز المؤشرات التي ظهرت خلال مارس (آذار) الماضي خلال احتفال الإيرانيين بـ«النوروز» (رأس السنة الجديدة)، بصورة غير مسبوقة.
لقد بدأت الاحتفالات قبل يوم 20 مارس الماضي بمائة يوم مع احتفال «جشن سده» (احتفال المائة) الموغل في القدم، عندما تجمع عشرات الألوف في تشك تشك، قرب مدينة يزد على أطراف الصحراء الإيرانية الكبرى، حيث يقال إن مهربانو، كبرى بنات يزدجرد الثالث – آخر الملوك الساسانيين – في قلب جبل أجرد. وحسب المرويّات التاريخية، قادت الأميرة جماعة من المقاتلين المتحمسين لقتال جيوش الفتح الإسلامي في مناوشات ومعارك طالت لمدة 15 سنة قبل أن تختفي في الجبل الأجرد. وتذهب المرويّات إلى حد القول إن شجرتين نبتتا لتظليل قبرها، كما تفجّر نبع ليذرف الدموع عليه.
لأكثر من 1400 سنة كان هذا المكان مزارًا للزرادشتيين الآتين من كل أصقاع المعمورة. ولكن بما أنه لم يبقَ في إيران اليوم أكثر من 30 ألف زرادشتي، يفترض المرء أن السواد الأعظم من «الزوّار» – أو «الحجّاج» – من الإيرانيين المسلمين.
المناسبة الثانية كانت «احتفال النار» – أو «تشارشنبه» – في يوم الأربعاء الأخير من السنة، الذي يقفز فيه الإيرانيون فوق النار وينشدون أناشيد من مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي. ووفق تقارير وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» كانت احتفالات النار هذه السنة الأضخم في الذاكرة، مما استدعى نشر قوات كبيرة من الشرطة درءًا لأي «حوادث».
حتى مشهد والنجف
أيضًا، وفق «إرنا»، تنقل أكثر من 20 مليون إيراني – أي نحو ربع إجمالي سكان إيران – في أنحاء البلاد وخارجها في إجازة «النوروز» تماشيا مع التقاليد العتيقة. وفي حالات عدة حرص الزوّار على تمضية لحظة إطلالة السنة الجديدة، المعروفة بـ«سال تحويل»، في مقام أو مزار ديني، مما يجسد حالة «انفصام الشخصية» الإيرانية.. بل أمضى نحو مليون ونصف مليون زائر هذه المناسبة اللا إسلامية في مدينة مشهد، مرقد علي الرضا، الإمام الثامن من أئمة الشيعة. وأكثر من 30 ألفًا في النجف الأشرف بالعراق عند مرقد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، الإمام الأول. غير أن الشرطة العراقية منعت الزوار الإيرانيين من الدخول إلى المرقد، عادّة أنه لا يجوز استعمال مقام إسلامي لطقوس وثنية. وسبب الرفض العراقي غضبًا شديدًا تولى إخماده مكتب آية الله علي السيستاني.
تصاعد المدّ «القومي الإيراني» هذا ظهر كذلك في باسارغاد، إلى الشمال من مدينة شيراز، حيث قبر قورش الأكبر مؤسس الإمبراطورية الأخمينية الفارسية. جموع كبيرة جاءت إلى المكان من مختلف أنحاء إيران تحت شعارات: «لست وحدك يا قورش»، وثمة تقارير غير مؤكدة بأن عدد من وفد إلى هناك لحضور الاحتفال قارب مائة ألف زائر. وكانت هناك زيارات مماثلة قام بها ألوف الزوّار إلى معبد آناهيتا (أناهيد)، آلة الخصب والماء الوثنية، وقبر استير الزوجة اليهودية للملك الأخميني ارتحششتا في مدينة همدان، وقبر فيروز – الشهير بأبي لؤلؤة المجوسي – قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أكثر من هذا، بمناسبة هذا «النوروز»، شارك أكثر من 50 موقعًا في مسابقة وطنية على مستوى البلاد لإعداد طبق «هفت سين» (السينات السبع) الذي تعده كل العائلات الإيرانية بغض النظر عن ديانتها، ويضم سبعة أصناف؛ تبدأ أسماؤها بحرف «السين» بالفارسية. وفازت مدينة كرمنشاه بمسابقة هذه السنة.
جدير بالذكر أن بعض القوى الإسلامية الراديكالية الهامشية سعت إلى حظر احتفالات «النوروز» ومحو كل تقاليد وطقوس المرحلة السابقة لدخول الإسلام إيران. كذلك، فكر الخميني بحظر «النوروز» في أول سنة من عمر ثورته، لكنه عدل لاحقًا عن تحدّي ميول غالبية الشعب. إلا أن بعض «خُمينيي الحاضر» طلبوا فتاوى من آيات الله حول «النوروز» وطقوسه، والملاحظ أن أيًا من آيات الله لم يفتِ بالحظر، وإن كان آية الله مكارم شيرازي، وهو أحد أبرز ملالي قُم وكبار رجال الأعمال الأثرياء، كان الأقرب إلى اعتبار «بعض» احتفالات «النوروز» قريبة من الخرافات. أما المرشد علي خامنئي، فتجاوز الموضوع بـ«دبلوماسية» قائلاً في فتواه: «هذه الاحتفالات لا تحمل بعدًا دينيًا»، مثبتًا ما يعرفه الجميع. وردًا على سؤال حول ما إذا كان على النساء خلع الحجاب إبان زياراتهن لأقاربهن خلال «النوروز»، جاءت إجابته على شيء من الغموض؛ إذ قال: «يجوز ذلك، ولكن شرط ألا تحول دون التخلي عن المحظورات».
التقويم الشمسي
موضوع آخر أثار جدلاً بين «القومية الإيرانية» و«الخمينية الإسلاموية»؛ كان اقتراح الكاتب سعيد حجاريان الداعي إلى كف السلطات عن الالتزام بالتقويم القمري الهجري الذي لا تفهمه سوى قلة من الإيرانيين، وبالتالي لا تتبعه. وللعلم، بما أن الإيرانيين كانوا يعتمدون تقويمهم الشمسي («الروزنامة» الشمسية) الخاص قبل الفتح الإسلامي، تقديرًا لإلهة الشمس الأسطورية «ميثرا»، وبموجبه تضم كل سنة 365 يومًا، فإنهم لم يستخدموا التقويم القمري الذي جلبه العرب مع الفتح في القرن السابع الميلادي.
حجاريان، الذي كان كبير المخططين الاستراتيجيين في فريق رئيس الجمهورية الأسبق محمد خاتمي، رأى أنه إذا أمكن تثبيت موعد الحج وشهر رمضان في مرحلة ما وفق التقويم الشمسي، فستنتفي الحاجة إلى التقويم القمري الهجري برمّته. كذلك عدّ ريان، المحسوب من أبرز منظّري «التيار الإصلاحي»، أن الأيام الـ24 المخصّصة كل سنة لأيام مولد أو وفاة «الأئمة المعصومين الـ14» – أي علي (رضي الله عنه)، الأئمة الـ12 – يمكن ضبطها بالتحديد على التقويم الشمسي. ثم ذهب أعد من ذلك مقترحًا جعل يوم «عيد الغدير» – الذي يقول الشيعة إن الرسول (صلى الله عليه وسلّم) سمّى فيها عليًا بن أبي طالب (رضي الله عنه)، في نفس يوم «النوروز» مزجًا للتقاليد الشيعية بالقومية الإيرانية، وكتب: «نحن، الإيرانيين، صرنا مسلمين، لكننا لم نتحوّل إلى عرب، وهذا أمر مهم». اقتراح كهذا يأتي من «التيار الإصلاحي» لافت جدًا، لأنه إبان حكم الشاه لم يكن أحد يجرؤ على الكلام عن تثبيت المناسبات الدينية على التقويم الشمسي. وكان الشاه، إلى حد ما متأثرًا بنصيحة شجاع الدين شفا، أصدر مرسومًا غيّر فيه بداية التقويم الإيراني مرجعًا إياها إلى تأسيس الإمبراطورية قبل 2576 سنة، قبل صرف النظر عنه بعد ثلاث سنوات.

حتى السلطة والفن

غير أن الميل للتحوّل من الشخصية الإسلامية إلى الهوية الإيرانية، لا يقتصر على مَن هم خارج السلطة اليوم، بل يظهر عند بعض رجال النخبة الحاكمة أيضًا؛ إذ دعا بهمن نامور – مطلق، نائب وزير التراث الثقافي، إلى أن على إيران أن تروّج لها في الخارج صورة «النوروز» بدلاً من كربلائيات الشهادة الإسلامية. وتابع: «..(النوروز) إرث فريد لأجدادنا الذين رأوا في الاعتدال الربيعي علامة من علامات تجدد الطبيعة، والاحتفاء بالحياة والجمال. هذه هي الرسالة التي نستطيع حملها إلى البشرية جمعاء، وسنكون على ثقة من حسن تقبلهم إياها». وخلال الشهر الماضي قرّرت بلدية العاصمة طهران تغيير أسماء عدد من الشوارع ومحطات المترو ملغية أسماء وصفتها بـ«الأجنبية»، بأسماء إيرانية. والطريف أن بين الأسماء التي غيّرت اسم محطة «ولي العصر» (التي تعني الإمام المستور)، أما الاسم الجديد فهو «مسرح المدينة» نسبة إلى مسرح قريب من المحطة.
أضف إلى ما سبق، أنه عندما أزاحت إيران الستار عن أحدث نسخة من الإنسان الآلي (الروبوت) الذي طوّره قسم التصنيع في الحرس الثوري، كانت الاقتراحات الأولى لاسمه محصورة في أسماء عدد من كبار القادة المسلمين الأوائل. ولكن لما تبيّن أن كل أولئك القادة من العرب الذين أسهموا بفتح إيران في القرن السابع، صرف النظر عنها، واختير للروبوت اسم القائد الإيراني القديم سورنا الذي هزمت قواته الفيالق الرومانية بقيادة كراسوس في معركة حرّان (في تركيا اليوم) عام 53ق.م، وقتل كراسوس في تلك المعركة.
عودة إلى بلدية طهران، فإنها دعت مائة فنان إيراني لرسم جداريات على امتداد العاصمة الإيرانية، ومجددًا في سياق تأكيد الرجوع إلى الهوية الإيرانية، استعيض عن مشاهد الاستشهاد الدينية أو منجزات الخميني، كلّف الفنانون بالاستيحاء مما ورد في ملحمة الشاعر فردوسي «الشاهنامة»، التي تتغنى بماضي إيران قبل الإسلام. وكان بين أبرز الجداريات جداريتان للفنان محمد رضا فرزانه، تصوّران مشاهد من مرور الأمير سياواش عبر النار، وتحديات رستم السبعة، والملك الساساني بهرام وهو يتصيد حُمُر الزرد.
تأكيد «القومية» يتجلى اليوم أيضًا في الأفلام والمسرحيات والمؤلفات الموسيقية التي يبدعها الإيرانيون. فالموسيقار لوريس تشكناورايان أطلق سلسة من الإبداعات السيمفونية المستندة إلى المضامين الثقافية الإيرانية. وفي الشعر، المجال الفني الذي أبدعت فيه إيران، تكاد المضامين الإسلامية تختفي إلا من بضعة أعمال لـ«شعراء السلطة» في تمجيد الخميني وخامنئي. وفي المقابل، التوجهات القومية القوية تظهر لدى عدد كبير من الشعراء أبرزهم إسماعيل خوئي ومحمد جلالي.
ثم إن الفكرة القائلة إن تسويق إيران عالميًا سينجح أكثر إذا ركّز على هويتها «الإيرانية» وليس على دورها كـ«بطل الإسلام الراديكالي»، أخذت تشق طريقها حتى إلى الخطاب السياسي الرسمي، وإن مغلفًا بالحيطة الشديدة؛ فخلال مقابلة نشرتها صحيفة «إيران» اليومية التي تصدرها الحكومة، حث محمد سريع الكلام، أحد مستشاري الرئيس حسن روحاني على اعتماد «سياسة خارجية قائمة على المصلحة الوطنية لا الآيديولوجيا». ورأى أن على إيران أن تبيّن للعالم أنها تطوّر تفاهمًا وطنيًا عريضًا على فكرة التصرف كدولة – أمة لا كمطية للتطرف. وفي الاتجاه نفسه، دعا الأستاذ الجامعي صادق زيبا - كلام، وهو مقرّب من الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى التصرف وفق مبدأ «إيران أولاً»، وحض السلطات في طهران على النأي عن أزمات منطقة الشرق الأوسط، قائلاً: «أنا أتفهم أولئك الذين يهتفون: لا غزة ولا لبنان! حياتي فقط فداء إيران؟». وأردف: «بالنسبة لي أيضًا، إيران أولاً وثانيًا وأخيرًا!».
أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة، فهو أن علي أكبر محتشمي – بور، الملا الذي أسس الفرع اللبناني لـ«حزب الله» ونظّم قياداته، يأخذ الآن موقفًا مشابهًا؛ إذ قال محتشمي – بور أخيرًا: «هؤلاء القوم (أي جماعة حزب الله والقوى التي تموّلها طهران) يهموننا فقط ما داموا يخدمون مصالحنا القومية. ليست علينا التزامات لأحد، بل التزامنا الوحيد لإيران».
في هذه الأثناء، يقول فريدون عبد اللهيان إن «بطاقة غيران الرابحة» هي ثقافتها العريقة، مضيفًا: «صواريخنا لن تبلغ واشنطن أبدًا، لكن أطباق الـ(هفت سين) كانت في البيت الأبيض يوم (النوروز)، وحازت إعجاب الرئيس الأميركي وعائلته؛ بل إن إيران كانت الدولة الوحيدة التي تلقت رسائل معايدة وتهاني بمناسبة السنة الجديدة من أكثر من 140 ملكًا ورئيس دولة في العالم، بينهم الرئيس الأميركي».
ثم إنه في حين قد يفرّق الدين الإيرانيين، فإن مفهوم «القومية الإيرانية» يوحدهم بصرف النظر عن خلفياتهم، ومنهم مسيحيون مثل إدوارد جوزيف وهومر إبراهيميان وزافين هاكوبيان، ويهود مثل مشفق همداني وسيمون فرزمي، وزرادشتيون مثل بهرام شاهرخ وآردشير وَرجاوند.
ولكن كل هذا قد لا يقود إلى شيء، ذلك أن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد تحدّث قبل نحو عشر سنوات عن «الإسلام الإيراني»، وحاول لعب الورقة القومية عبر استعارة «أسطوانة قورش» التي يُقال إنها تحتوي أول إعلان لحقوق الإنسان، من المتحف البريطاني.. وشاهدها بالفعل أكثر من ثلاثة ملايين إيراني.
للعلم، أحمدي نجاد من أتباع حسن يعقوبي، العالِم والباحث الديني الذي يزعم أنه يطرح «إعادة قراءة» للإسلام من منطلق إيراني. ويعقوبي يعد قورش «موازيًا للأنبياء»، ويدّعي أنه «ذو القرنين» المذكور في القرآن الكريم. (طبعًا هناك من يقولون إن المقصود الإسكندر المقدوني الشهير بهذا اللقب). ومن ثم، استغل أحمدي نجاد «القومية» تكتيكا لاستعادة جزء من شرعية النظام التي كان قد فقدها في أعقاب الانتخابات الرئاسية المشكوك في نزاهتها عام 2009.
واليوم، من المحتمل أن يكون هاشمي رفسنجاني يحاول الآن تكتيكًا مشابهًا لتوسيع قاعدته الشعبية في خضم صراع النفوذ الدائر بينه وبين الخمينيين المتشددين. ولكن، مهما كانت حصيلة الفورة الحالية لـ«القومية الإيرانية»، فإن ثمة حقيقة لا جدال فيها، ألا وهي: أن محاولة نزع الهوية الإيرانية من إيران باسم الإسلام محكومة بالفشل بمقدار السعي في سالف الأيام لإلغاء الإسلام في إيران باسم القومية.
إن ما تحتاجه إيران حقًا، وما احتاجته دائمًا، طريقة ذكية وإنسانية «لإدارة» التناقض الجوهري في وجودها كأمة ودولة. إنه تناقض كان وراء معظم مشكلاتها، بالتوازي، مع كونه محفّزًا لكثير من إنجازاتها.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.