سلام لـ «الشرق الأوسط»: المواقف العربية بشأن إيران و«حزب الله» مشروعة

رئيس الحكومة اللبنانية كشف أنه كتب استقالته مرة ولوح بها 5 مرات لكنه تراجع خوفًا من انهيار البلد

سلام لـ «الشرق الأوسط»: المواقف العربية بشأن إيران و«حزب الله» مشروعة
TT

سلام لـ «الشرق الأوسط»: المواقف العربية بشأن إيران و«حزب الله» مشروعة

سلام لـ «الشرق الأوسط»: المواقف العربية بشأن إيران و«حزب الله» مشروعة

اعترف رئيس الحكومة اللبنانية بأن لبنان أخطأ وقصر بحق دول الخليج العربي والعرب، مؤكدا أنه سيتم إصلاح هذا الخطأ، متعهدا بالتزام الإجماع العربي في كل الاستحقاقات المقبلة، وآملا ألا يذهب «الغضب الخليجي» إلى حد التخلي عن لبنان.
وأكد الرئيس سلام في حوار مع «الشرق الأوسط» أن الحل الوحيد لمواجهة نفوذ «حزب الله» هو خيار الدولة، رافضا أن يتخذ الحزب من لبنان منصة لمحاربة الدول العربية. وقال الرئيس سلام تعليقا على وثائق «11 سبتمبر» التي نشرتها «الشرق الأوسط» نقلا عن القضاء الأميركي والتي تظهر صلات للحزب وإيران بمنفذي الهجوم: «إذا برر الحزب تدخله في سوريا بقتال الإرهابيين، فما الدور الذي يبرر تدخله في دول أخرى».
وإذ اعترف سلام بوجود تداخل بين القوة العسكرية لـ«حزب الله» ودوره السياسي، رأى أن شكوى دول الخليج العربي من تدخل إيران و«حزب الله» مشروعة، مشددا على أنه مهما تعاظم دوره وقوته فلا مفر له من العودة إلى الدولة في نهاية المطاف. وقال سلام إن وضع حكومته «ليس سليما»، مبررا عدم القدرة على فتح مواجهة مع الحزب بأنها «حكومة ائتلافية ونحرص على ألا تنهار، لأن انهيارها يعني انهيار لبنان في ظل الشغور الرئاسي وشلل البرلمان»، معتبرا أنه إذا انهار لبنان فلن يجد من ينقذه هذه المرة كما فعل العرب عام 1998 في اتفاق الطائف وعام 2008 في اتفاق الدوحة. لكن سلام كشف أنه كتب استقالته ذات مرة بعدما شعر أنه وصل إلى حائط مسدود، وقال إنه لوح بهذه الاستقالة 5 مرات من أجل تمرير بعض القرارات. وفيما يلي نص الحوار
* ما الذي يحدث على صعيد الأزمة القائمة مع دول الخليج العربي؟
- لا شك أنه حصل خطأ وتقصير في هذا الموضوع أدى إلى تشنج وإلى وضع غير مريح في علاقة لبنان مع دول الخليج العربي بشكل خاص والدول العربية بشكل عام، ونحن أدركنا هذا الأمر ونسعى بشكل متواصل للتأكيد على حرصنا على الإجماع العربي والعلاقة التاريخية اللبنانية العربية. الإجماع العربي كان حلمنا دائما، فكيف إذا تحقق هذا الإجماع ونحن لسنا جزءا منه. هذا أمر سنسعى إلى تصويبه وسنستمر في هذا المسعى، وأنا شخصيا حريص على ذلك، أخذا بعين الاعتبار كل أوضاعنا الداخلية في لبنان وتوازناتها الداخلية في المرحلة العصيبة التي نمر بها، خاصة في ظل شغور رئاسي، ومعوقات وشلل السلطة التشريعية، وتعثر العمل التنفيذي بالحكومة، ومع كل هذا لم أقصر شخصيا في إبراز حرصنا على الإجماع العربي، خصوصا فيما يدعم علاقاتنا مع دول الخليج العربي بالذات التي لها تاريخ عريق بدعم لبنان ومؤازرته واحتضانه والحرص على عدم انهياره، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في مؤتمر الطائف سنة 1998 ومؤتمر الدوحة سنة 2008، وهذه الأمور لا لبس ولا جدل فيها.
* تحدثتم عن خطأ، كيف يتم تصحيح هذا الخطأ؟
- في مناسبات قادمة يكون فيها إجماع عربي على موقف، علينا أن نلتزم بهذا الإجماع، وأن نكون جزءا منه.
* الواضح أن هناك موقفا خليجيا حادا تجاه «حزب الله»، الخليج يشكو من أن «حزب الله» يتخطى الحدود اللبنانية ويتدخل بشؤون عربية أخرى، وقد رأينا ما رأيناه في الكويت والسعودية واليمن. فكيف سيتم التعامل مع هذا الموضوع تحديدا؟
- نحن فيما يعود إلى أمن واستقرار دول الخليج العربي والدول العربية بشكل عام، ليس عندنا لبس حتى بالنسبة لأوضاع تمثلت في مواطنين لبنانيين عاملين في تلك الدول أساءوا التصرف أو تعرضوا لأمن تلك الدول، لم نراجع حتى فيما تم من إجراءات ترحيل أو غيرها بما يختص بهم، وكنا منذ سنتين عندما بدأت هذه الأمور تتجسد في بعض الحالات هنا وهناك واضحين مع كل مرجعيات تلك الدول في تأييد إجراءاتها، فكيف لا نستنكر التدخل في تلك الدول من قبل «حزب الله» أو غيره، فهذا الأمر تمت مقاربته منذ تأليف الحكومة، وحرصنا في الحكومة على بيان وزاري الكل اتفق عليه، بمن فيهم وزيرا «حزب الله» في الحكومة، بألا نتدخل بشؤون الآخرين، لدرجة أننا اعتمدنا سياسة النأي بالنفس. وأذكر أنه في أول زيارة رسمية لي للمملكة العربية السعودية منذ سنتين، سئلت في مؤتمر صحافي كيف سنتعاطى مع ما يقوم به «حزب الله» في سوريا ونحن نتحدث عن النأي بالنفس، فقلت إن بين الموقف والواقع هناك فرقا وهناك عدم تطابق، وهذا يتطلب مزيدا من الجهود لنتمكن من التطبيق الكامل لهذه السياسية، وما زلنا نجهد بهذا الاتجاه، ولم نتمكن من تحقيق خطوات كبيرة، ومع الأسف في ظل تطور الأوضاع والصدامات إقليميا، أصبح هذا الأمر يشكل تحديا كبيرا وعبئا علينا، ويجب ألا نختبئ وراء أصبعنا بهذا الأمر.
ومن هنا كانت مطالبتي مؤخرا لأمين عام «حزب الله» بألا يهاجم ولا يتعرض لدول الخليج وأصدقائنا في المملكة العربية السعودية بالتحديد، وهذا واضح أنه لن يفيدنا في لبنان، ولا نريد في يوم من الأيام أن يكون لبنان رأس حربة في إيذاء هذه الدول، فعلى صعيد الأفراد لا نقبل ذلك فكيف على صعيد منظمات أو هيئات أو قوى سياسية؟ فمن البديهي ألا نقبل في أن يتخذ لبنان منصة لمحاربة أو تشكيل حالة عداء مع دول الخليج العربي.
* كيف يمكن منع «حزب الله» من التدخل في سوريا وغيرها من الدول؟
- هذا الأمر مرتبط بقدرات وبقوى كبيرة تلعب اليوم على الساحة وتتداخل وينتج عن ذلك الكثير من الأضرار، في رأيي السبيل الوحيد للحد من ذلك هو في الرهان على الدولة في لبنان، وفي دعم الدولة في لبنان وخيار الدولة والمؤسسات الرسمية هو الذي يؤكد على بدائل هكذا توريط وبدائل هكذا متاهات، عبر التمسك بهذه الدولة. وإذا ما تم دعم مؤسساتها الأمنية كما حصل في الماضي، فيتم تعزيز هذا البديل. ونحتاج من هذه السياسة أن تستمر حتى في ظل الشغور الرئاسي والتعثر السياسي بالبلد وفي ظل كل الخلافات. دعم الحكومة وبقاؤها هو عامل وعنصر للتأكيد على خيار الدولة في مواجهة هكذا حالة، أما التخلي عن الدولة وعن الجيش والحكومة وما بقي من مؤسسات ضامنة لمستقبل وخيار الدولة فسينهار البلد. أنا أفهم أن يكون هناك وجع وألم وغضب من موقف ما، ولكن أتمنى إلا يذهب إلى درجة التخلي عن لبنان، فدول الخليج العربي بالذات كان لها وما زال لها دور كبير بدعم لبنان وبقائه رغم هذا الألم وأنا أعول على ذلك كثيرا، وأعتقد أن المسؤولين في تلك الدول مع محاولتهم الحثيثة لتنبيهنا إلى جوانب معينة، لن يتخلوا عن لبنان واستمرار وبقاء هذه الدولة. وعلاقتنا مع دول الخليج العربي ليست علاقة مادية كما يعتقد البعض، إنما هي علاقة معنوية ترتكز على التزام تاريخي من قبل دول الخليج بلبنان وقضاياه ومصيره.
* لا شك أنكم اطلعتم على الوثائق التي نشرت بالولايات المتحدة في اليومين الماضيين عن تورط «حزب الله» في مسألة أحداث 11 سبتمبر 2001، إضافة إلى الكثير من الخلايا التي تم اكتشافها في دول الخليج العربي.. وأبرزها تلك التي حصلت في الكويت، فما رأيكم بها؟
- هذه واحدة من الأمور التي يتم التداول بها لإبراز مدى ضرر تورط أي جهة وليس فقط «حزب الله» في شؤون ليست شؤونها وفي دول ليست هي دولها، فما لنا نحن في لبنان مما يحصل هنا وهناك، نحن بالكاد نحافظ على وضعنا. ربما يحاول «حزب الله» أن يقول إن تدخله في سوريا هو في مواجهة الإرهاب الذي كان يتجه نحو لبنان، ولكن ما الدور الذي يبرر تدخل «حزب الله» في دول أخرى بالمنطقة واتخاذه مواقف في قضايا أخرى بالمنطقة تخص الدول العربية. نحن نسعى إلى تمتين الدولة والجيش لمواجهة الإرهاب ونطالب «حزب الله» بأن يدرك أن خيار الدولة هو الأقوى إذا ما التقينا جميعا من حوله، ولا حاجة وقتها لأن نذهب إلى سوريا ولا أي مكان، خصوصا أنه حزب كان له دور كبير في مقاومة العدو الإسرائيلي وما زال هذا العدو يستهدف لبنان وهنا القضية الأساسية وليست في أماكن أخرى.
* المطلوب إذن من «حزب الله» التركيز على القضايا الوطنية؟
- مطلوب من كل القوى السياسية في لبنان بما فيها «حزب الله»، التركيز على ما يوحد الصفوف ويمتن المناعة الداخلية في البلد، ومن الجميع مطلوب وعي وإدراك لأهمية اتخاذ الإجراءات والمواقف التي تحد من الشرخ وتحد من التباينات وتعريض الوطن إلى خطر.
* كيف هو وضع الحكومة حاليا؟
- وضع الحكومة ليس سليما وليس مريحا، فهي جزء من الوضع السياسي المتعثر في البلد وجزء من الشغور الرئاسي الذي انعكس بشكل سلبي على مدى سنتين وجزء من شلل السلطة التشريعية في عدم التئام مجلس النواب وليس هناك مساءلة ولا محاسبة، وكونها أيضا حكومة ائتلافية، أي إن توازن القوى السياسية فيها يتحكم بكثير من أدائها. نعم نتعثر بكثير من المواجهات ونختلف في كثير من المواجهات. ومن هنا يأتي حرصي على ألا تسقط هذه الحكومة، لأن في سقوطها تمهيدا لسقوط الدولة ولكن حتى ذلك ضمن حدود، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، حتى مع إدراكي أهمية التحدي الذي يواجهني ويواجه البلد في هذا الموضوع. يجب على القوى السياسية أن تدرك أن مجال المزايدات ومجال التنافس والتباين في رؤاها السياسية يحتمل حدا معينا. لسنا في مرحلة استقرار ولا في مرحلة هدوء لنبرز كل منافساتنا السياسية بل نحن في خط النار وفي مرحلة خطرة، فعلينا أن نستوعب الكثير من تبايناتنا لنوحد كلمتنا ونوحد الموقف، من هنا كان حرصي عندما صدر البيان عن مجلس الوزراء فيما خص الموقف الذي استجد على مستوى غضب إخواننا في دول الخليج العربي، على أن يصدر بيان فيه إجماع في مجلس الوزراء وما نفع أن نصدر بيان يذهب إلى مكان يشق مجلس الوزراء ولا يعود بفائدة على أحد.
من هنا الصراع قائم ومستمر والمعاناة قائمة ومستمرة وصعبة، وهي على المحك في كل أسبوع، حمى الله لبنان واللبنانيين، إن كانوا هنا أو في الخارج، علما بأن اللبنانيين في الخارج وخاصة دول الخليج العربي يساهمون مساهمة إيجابية وبنّاءة في نهضة هذه الدول، وهم مكان إشادة وثناء لدى جميع المسؤولين، وهذا ما نسمعه في كل مناسبة.
* كم مرة فكرت بالاستقالة؟
- عدة مرات، أنا هددت بالاستقالة 5 مرات لأتمكن من العبور بأمور معينة ونجحت ببعضها ولم أنجح بالبعض الآخر، ولكن ما زال خيار الاستقالة قائما في كل وقت أجد فيه أن بقائي لم يعد فيه فائدة. لكن إلى هذه اللحظة شعوري أن اللبنانيين في ظل هذه الخلافات السياسية والوضع السياسي العاصف متمسكون أكثر ببقائي، ولا أريد أن أخطو خطوة أجعلهم يشعرون أنني تخليت عنهم أو عن الأمل الباقي عندنا جميعا. ولكن في حال وصلنا إلى لحظة أشعر فيها أنني لم أتمكن من إنجاز الأمور، فسأتصرف كما يجب، مثل موضوع أزمة النفايات، هذا الملف الداخلي الصعب والشاق، ففي الجلسة ما قبل الأخيرة لمجلس الوزراء التي استمرت 7 ساعات للتمكن من الخروج بموقف موحد وإجراء فيما يخص ملف أزمة النفايات، شعرت أنني وصلت إلى حائط مسدود. كتبت بخط يدي على البيان الذي على وزير الإعلام أن يتلوه بأننا بعد البحث والتشاور والتداول وصلنا إلى وضع فشلت فيه الحكومة في حل هذا الملف، وكنت مصمما أنه بعد أن يصدر ذلك أن اتخذ الموقف بالاعتذار من الجميع وأقول إنني لن أتمكن من حل شيء. وساهم ذلك في توصل القوى السياسية إلى حل وإخراج وأعتبر أننا اليوم على طريق تنفيذ الحل نهائيا وإزالة كل سلبيات هذا الملف من أمامنا.
* كتبت استقالتك؟
- كتبتها مرة صحيح، واستعملتها تلويحا في كذا مرة لأتمكن من تحصيل موقف يصب في مصلحة البلد.
* البلد كما وصّفته، حكومة متعثرة ومجلس نيابي مشلول ورئيس جمهورية.. غائب إلى متى ستستمر سياسة «الترقيع» التي تستعملها، إلى متى ستبقى مفيدة هذه السياسة؟
- إلى حين منع انهيار البلد، إنما إذا أصبح الانهيار حتميا وأصبحت الخلافات بين القوى السياسية والمضاعفات التي تثقل البلد داخليا وخارجيا قد نصل إلى لحظة نقول فيها إن البلد انهار، وأنا حذرت وما زلت أحذر أننا يجب ألا نكابر بهذا الموضوع، فقد حصل أن انهار لبنان قبل ذلك، وحصل أن انهار عام 1989 لولا مؤتمر الطائف وحرص المملكة العربية السعودية والإخوان العرب على انتشاله والحفاظ عليه، وحصل أن انهار أيضا عام 2008 لولا حرص مؤتمر الدوحة في قطر أيضا على رعاية عربية ونشل لبنان الذي كان ذاهبا إلى الانهيار.
واليوم في ظل الصراع القائم في المنطقة وفي ظل عدم الاستقرار القائم بالمنطقة، إذا ما ذهبنا إلى الانهيار لا سمح الله لن نجد من يسعفنا أو ينقذنا كما كان في السابق، لأن الكل عنده استحقاقاته وظروفه ومواجهاته، ومن هنا يشتد أكثر التحذير بأنه لا يمكن أن نترك الأمور تنهار ويجب ألا نتركها تنهار، وعلى القوى السياسية أن تدرك أن هذا التأخير في انتخاب رئيس الجمهورية وأن التأخير بتفعيل عمل مجلس النيابي والتأخير في إجراء استحقاقات، يكون تراكميا وهو المدخل للانهيار، لذلك نعول كثيرا في الشهرين القادمين على إجراء الانتخابات البلدية التي بحد ذاتها مؤشر على بقاء الدولة واستمرارها وإجراء ديمقراطي يخدم نظامنا الديمقراطي، وينعش الحركة في البلد على مستوى اختيار بلديات ومخاتير جدد لمرحلة جديدة.
* كيف هو حال الوضع الأمني؟
- الوضع الأمني لا يمكن الادعاء بأنه يختلف عن الوضع الأمني لكثير من الدول المحيطة لما يحصل اليوم بالمنطقة وفي سوريا بالذات. نحن في معاناة مستمرة مع الإرهاب وخلايا الإرهاب إن كان داخل البلاد أو على حدودنا، ولكن يمكنني أن أقول إنه داخليا الوضع الأمني ممسوك، وهذا عادة يجب أن يصب في تعميم الاستقرار داخل البلد، ولكن إذا كان الوضع الأمني ممسوكا وجيدا، وجهوزية وعمل الجيش والقوى الأمنية قائمين على قدم وساق، وسجل الكثير من الإنجازات وما زال يسجل في موضوع الأمن، لا بد أن أقول في المقابل إن الوضع السياسي غير مستقر، ورغم أنه عادة بالأوضاع الأمنية المستقرة يجب أن يكون هناك فسحة للوضع السياسي أن يستقر وللإنتاجية أن تتحسن خصوصا في الأنظمة الديمقراطية، ولكن في لبنان مع الأسف هناك وضع أمني ممسوك ويمنع من الذهاب إلى المخاطر، لكن هناك وضع سياسي غير مستقر بتاتا.
* من ضمن التبريرات التي أطلقت لعملية وقف الهبات للجيش والقوى الأمنية الخوف من تسرب هذا السلاح إلى «حزب الله» وأن هذه الأجهزة يسيطر «حزب الله» على بعضها بشكل مباشرة وغير مباشر، وأن «حزب الله» يسيطر على مطار بيروت ومفاصل الأمن في لبنان!
- في عدة مناسبات أوضحت أنه صحيح أن لدى «حزب الله» قوة عسكرية كبيرة وفي مكان ما قد تفوق ترسانة الجيش اللبناني، لكن هذا لا يمنع أن التخلي عن الجيش وأجهزة الدولة فيه أيضا أذى وضرر مباشر. نعرف جميعا أنه ليست أول مرة يتم تكوين فيها قوى سياسية أو عسكرية تتضخم وتلعب أدوارا كبيرة، لكن في النتيجة الكل عليه أن يعود إلى الدولة طالما أن خيار الدولة قائم، أما أن نشكك بخيار الدولة ونضعفه فسيفسح المجال أكثر وأكثر.
أنا أقول إن خيار الدولة ما زال قائما والمؤسسات الأمنية ما زالت فاعلة وعاملة وليس صحيحا ما يتم الحديث عنه من وجود اختراقات كبيرة. قد يكون هناك بعض التداخل من هنا أو هناك، وهذا من طبيعة تركيبة البلد، وفي حال «حزب الله» لأن لديه جناحا عسكريا قويا، إلى جانب وجوده السياسي، وقد يكون لهذا التداخل مظهر غير مريح ولكن ليست حالة عامة أو وضعا عاما وما زالت الدولة والأجهزة الأمنية قادرة على فرض وجودها وجهوزيتها ودورها إلى حد بعيد، والأمن المضبوط داخليا الذي تقوم به أجهزة الدولة هو خير دليل.
* ما الذي نخشاه أكثر قوة «حزب الله» العسكرية أو نفوذه السياسي؟
- هناك تداخل بين الاثنين، وهناك تداخل بين قوى إقليمية لها دور في المنطقة اليوم، وأنا كنت واضحا في ذلك، إيران تتمدد بشكل كبير في العالم العربي، فيما هذا لا يقابله تدخل عربي في إيران. بالتالي هناك تساؤلات ومواقف مشروعة للدول العربية في مواجهتها التدخل الإيراني الذي أخذ أشكالا مختلفة، ومنها ما له علاقة بحزب الله. وهذا أمر يجب تبديده والعمل على تصحيحه، ومن هنا عندما نسمع قيادات عربية وقيادات دول خليجية تشكو من ذلك، فهذه الشكوى مشروعة، ويتكون عدم ثقة في العلاقة مع إيران، وهذا لا يخدم قضايانا العربية ولا يخدم مواجهتنا جميعا لعدونا الإسرائيلي، المفترض أن نكون كلنا أن نضع حدا لهذه الحالة، من هنا كانت دعوتي لكثير من قادة دول العالم إلى الانكباب على تأمين السلام بالمنطقة من خلال حل الدولتين كمدخل لوضع حد للتطرف وللإرهاب بالمنطقة على المدى القصير ومحاولة ردع التطرف والإرهاب والتمرد بوسائل عسكرية وعنفية، ولكن المواجهة للمدى الطويل هي تأمين خيار الاعتدال والمعتدلين في المنطقة. وهذا لن يتم تأمينه إذا ما بقيت المواجهة العربية الإسرائيلية على ما هي عليه، وبقي التجبر والممارسات الإسرائيلية قائمة بالشكل التي هي فيه على شعب بأكمله، فمن هنا توطيد السلام والعمل الجدي في هذا الاتجاه يشكل واحدا من الاستقرار وواحدا من الأمان والاعتدال لتكسب على المدى الطويل على التطرف والإرهاب.
* هل عرض الإيرانيون تسليح الجيش؟
- سمعنا تصريحا على لسان أحد المسؤولين الإيرانيين يبدي رغبة في ذلك منذ سنة وأكثر. ومؤخرا كانت هناك محاولة لطرح مساعدة عسكرية، ولكن كانت متواضعة ومحدودة جدا وفي ظل العقوبات لم يكن هناك إمكانية أن تمر.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended