انسحاب موسكو من سوريا: «صفعة».. أم خطوة نحو الحل؟

6 أشهر من التدخل منعت سقوط النظام وجعلت من روسيا لاعبًا دوليًا أساسيًا

طيارون روس  لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
طيارون روس لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
TT

انسحاب موسكو من سوريا: «صفعة».. أم خطوة نحو الحل؟

طيارون روس  لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
طيارون روس لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)

كما دخلت موسكو إلى سوريا بشكل مفاجئ تحت عنوان محاربة «داعش» بدأت بالانسحاب منها بعد نحو ستة أشهر من دون سابق إنذار، معلنة أنها أنجزت مهمّتها، رغم أن ضرباتها كانت قد تركزت بشكل أساسي على فصائل في المعارضة بدلا من أن تستهدف التنظيم. لكن وخلف هذا الهدف المعلن وفي وقت وجد البعض في هذه الخطوة تخلي موسكو عن حليفها، رأى فيها البعض الآخر خطوة إيجابية قد تمهّد الطريق أمام التسوية السياسية انطلاقا من مفاوضات جنيف، بعدما ساهمت في منع سقوط النظام السوري، وأثبتت نفسها في الوقت عينه لاعبا دوليا أساسيا، عسكريا وسياسيا. وأمام كل التحليلات التي رافقت هذا القرار، تعمّد بوتين وبعد ثلاثة أيام من بدء الانسحاب الجزئي، أن يرسل رسالة تهديد وطمأنة في الوقت عينه، الأولى للمجتمع الدولي، والثانية لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بقوله: «نستطيع العودة خلال ساعات إذا استدعت الظروف»، مؤكدا كذلك أنه يدعم الحل السياسي.

وكان لافتا في تصريحات الرئيس الروسي إعلانه أن «الأسلحة الروسية الحديثة اختبرت بنجاح في ظروف القتال الحقيقي»، مشيرا إلى «أن هذه التجربة ستسمح لروسيا برفع فعالية وقدرات أسلحتها»، وهو ما سبق لمعارضين سوريين أن أشاروا إليه منذ بدء التدخل الروسي، معتبرين أن سوريا باتت «حقل تجارب» للأسلحة الروسية النوعية، لا سيما من القاذفات والصواريخ المجنحة إلى دبابات «تي 90 أ» والمدرعة «الروبوت».
وقد أوجز الكاتب الصحافي الروسي، يفجيني سيدروف، أسباب الانسحاب بقوله إن القرار الروسي يعود إلى أمور عدّة بينها «خلاف بين روسيا والنظام بسبب العملية السلمية خصوصًا بعد تصريحات الأسد بشأن رغبته في مواصلة الحرب، وهو ما لا تريده موسكو ووجود اتفاق سري روسي أميركي بشأن التسوية في سوريا، بالإضافة إلى نفقات الحرب التي لا يتحملها الاقتصاد الروسي، فضلا عن عدم التزام الأسد بتعهداته أمام بوتين».
وفي هذا الإطار، لفتت مصادر في المعارضة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، زار موسكو بعد تصريحات المعلم الأخيرة التي رفض خلالها البحث في الانتقال السياسي، ونقل حينها رسالة من موسكو إلى الأسد، طالبة فيها بإقالة وزير الخارجية السوري وليد المعلم من منصبه، فكانت نصيحة طهران بعدم الاستماع للطلبات الروسية. مع العلم أن المعلم كان قد رفض عشية انطلاق مفاوضات جنيف البحث في المرحلة الانتقالية، واعتبر أن الرئيس بشار الأسد «خط أحمر».
وقد تعكس لقطات عودة الطائرات المقاتلة الروسية من سوريا على شاشات التلفزيون انطباعا بأن الحرب التي وصفتها روسيا بـ«المقدسة» انتهت، لكن حسم هذا الأمر يبقى رهن المفاوضات التي تدور رحاها في جنيف بصعوبة بين النظام والمعارضة، في ضوء ما يحكى عن توافق أميركي - روسي قد يؤدي إلى إنهاء الأزمة. وهو ما أشار إليه بوتين أمام جنوده العائدين من سوريا بقوله: «ساعدنا الجيش السوري في تحقيق انتصارات مهمة، وشكلنا الظروف لبدء العملية السلمية، وأجرينا اتصالات إيجابية مع الولايات المتحدة ودول أخرى»، وقال في كلمة له بالكرملين بعد ثلاثة أيام من إعلان قرار الانسحاب: «متأكد من أننا سنشهد انتصارات جديدة ومهمة في القريب العاجل»، معربا عن أمله في أن تستعيد القوات الحكومية تدمر قريبا. ولفت إلى أنه إذا اقتضى الأمر ففي خلال ساعات تستطيع روسيا زيادة قوتها في المنطقة إلى حجم يتناسب مع تطورات الموقف هناك، واستخدام كل ترسانة القدرات المتاحة تحت تصرفنا.
وفي تحليله للانسحاب من سوريا، اعتبر الإعلام الروسي أن قرار بوتين هو انتصار سياسي بدل الغرق أكثر في مستنقع الحرب. وكتبت صحيفة «كومرسانت»: «موسكو لم تكن تهدف إلى تحرير كل الأراضي السورية، وهو ما يمكن أن يستغرق سنوات دون أي ضمانات بتحقيق نتيجة إيجابية»، مشيرة إلى أن موسكو وبفضل الحملة العسكرية في سوريا، نجحت في الخروج من العزلة الدولية التي فرضت عليها بسبب النزاع في أوكرانيا، مؤكدة في الوقت عينه، أنّ القرار بسحب القوات لم يكن من الممكن أن يتخذ دون اتفاق مع الولايات المتحدة. من جهتها، أوردت صحيفة «فيدوموستي» الليبرالية أن روسيا كانت بدأت حملتها ضد تنظيم داعش في سوريا، أساسا «بهدف التقارب مع الغرب أولا»، ولكن أيضا «بهدف إطلاق محادثات» السلام.
لكن واشنطن وبعدما كانت قد أعلنت أنه لم يكن لديها معرفة مسبقة بقرار بوتين، اعتبرت أنه من السابق لأوانه التنبؤ بمدى تأثير انسحاب روسيا الجزئي من سوريا على موقف النظام في مفاوضات جنيف، علما بأن مستشار بوتين، ديميتري بيسكوف، كان قد أعلن أن الانسحاب الروسي «سيعود بالفائدة على مرحلة المفاوضات بين النظام والمعارضة». وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش أرنست، إن «هناك دلائل على أن الجيش الروسي بدأ بسحب جزء من قواته في سوريا، لكن من السابق لأوانه استخلاص نتيجة واضحة بشأن مدى تأثير التغيير في الوضع العسكري في سوريا على موقف الأسد خلال المفاوضات الحالية في جنيف».
وغادرت 18 طائرة، أي ما يقدر بنحو ثلث عدد الطائرات العسكرية الروسية، خلال الأيام الثلاثة الأولى من القرار، فيما أبقت موسكو على بعثتها القتالية الدائمة التي تتألف بشكل أساسي من القوات وأنظمة الدفاع ومضادات الطائرات.
وكان مستشار الرئيس الروسي، ديميتري بيسكوف، أعلن أن «روسيا ستواصل أنشطتها العسكرية في قاعدتيها بمحافظة طرطوس، ومطار حميميم بمحافظة اللاذقية غربي سوريا»، مشددًا على أنهم سيحمون قواعدهم من البحر والبر والجو.
مع العلم بأن روسيا كانت قد فقدت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إحدى طائراتها الحربية قرب الحدود مع سوريا في عملية نفذتها القوات التركية، ردًّا على ما قالت إنه اختراق لمجالها الجوي، لكن وزارة الدفاع الروسية أكدت أن طائرتها «كانت في المجال الجوي السوري حصرا».
وفي قراءة لقرار الانسحاب العسكري الروسي من سوريا، وصف مدير مركز الشرق للبحوث، سمير التقي، الخطوة بـ«الصفعة للأسد» التي أربكت النظام وبات غير قادر حتى على إطلاق المواقف «التكيفية» مع هذا القرار المفاجئ، فيما قال المحلّل الاستراتيجي، خطار بودياب: «كما كان مفاجئا التدخّل العسكري الروسي، يحاول بوتين القول، بقرار انسحابه، إنه صانع سلام ويريد إنجاح المفاوضات مع المحافظة على مصالحه بعدما رأى نفسه أمام حليف ضعيف».
ورأى بودياب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «قرار بوتين جاء ربما لتفادي نتائج فشل الحلّ السياسي، إذ إن حصوله سيؤدي إلى تصعيد عسكري يحاول عدم الانزلاق فيه، وفي الوقت عينه قد تكون رسالة للنظام السوري ليكون أكثر جدية في تعامله مع الحل السياسي». وأضاف: «إذا أكدت موسكو جديتها في هذا القرار فهو سيفتح الطريق أمام اتفاق روسي - أميركي يمنع تصعيد الوضع واستمرار الهدنة، في وقت لن يجرؤ النظام على المغامرة العسكرية في ظل غياب الغطاء العسكري». وفي حين استبعد بودياب قبول النظام المعروف بطبيعته الفردية والشمولية المشاركة في السلطة، لفت إلى أن موسكو بقرارها ستحاول المحافظة على دورها السياسي على الأقل حتى بدء عهد الإدارة الأميركية الجديد.
من جهته، قال التقي: «انطلاقا من الوقائع يمكن القول إن الانسحاب الروسي ولو كان جزئيا جاء ليؤكد أن روسيا غير قادرة على القيام بالحملات العسكرية الواسعة النطاق لتعزيز مواقع النظام. ما جرى كان كفيلا بكسر موازين القوى التي كانت قد تكرست في المرحلة الأخيرة».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «من خلال كل المستجدات الأخيرة يبدو واضحا أن هناك استياء روسيا من النظام السوري. كان يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على الأقل، الإعلان عن وقف الضربات الجوية، لكنه ذهب فورا إلى قرار الانسحاب، ما أوجد فراغا استراتيجيا وعسكريا وأعاد اللعبة إلى أيدي السوريين، في وقت لن يجرؤ الإيراني على قلب الطاولة، وإن كان يعمل على تشجيع النظام بعدم الخضوع للطلبات الروسية».
وأشار التقي إلى أنه كان هناك بعض الأمل لدى الأسد بأن يتدخل بوتين بريا في سوريا، ما قد يؤدي إلى فرض تبدل استراتيجي، لكن ومنذ التدخل الروسي لم يتمكن النظام من تحقيق أي إنجاز عسكري لافت على الأرض، وبالتالي فإن بوتين كان حذرا من خطوة كهذه، ولم يجد من يساومه عليها، في وقت لم يكن مستعدا للوصول إلى مرحلة النزيف على حساب جيشه. مضيفا: «لكن ورغم ذلك فسيدفع ثمن تدخله في سوريا، حيث صرف مليارات الدولارات، بعدما عمل على تعبئة الرأي العام الروسي تجاه تدخله في سوريا».
واعتبر التقي أن الانسحاب الروسي لن ينعكس فقط عسكريا إنما سياسيا أيضا، موضحا: «عندما كانت موسكو داخل سوريا لم تنجح في الضغط على الأسد الذي خذلها مرات عدّة ولم تتمكن من تحويل تعهداتها إلى فعل، وبالتالي فإنه ليس هناك مجال للعودة إلى الوراء». وحول مستقبل مفاوضات جنيف، رأى أنها ستّتم بمزيد من المراوغة من قبل النظام، وهي لن تصل إلى نتيجة إلا إذا حصل تطوّر كبير في دمشق، لجهة خطوة أو تحرك ما من قبل قوى موالية للنظام.
وفي تعليقه على قرار الانسحاب الروسي من سوريا، قال فواز جرجيس، بروفسور العلاقات الدولية بكلية لندن للاقتصاد، في حديث لقناة «سي إن إن»: «كان هذا الإعلان مفاجئا، وهو صفعة قوية على وجه النظام، إلى جانب التداعيات الكبيرة على مستقبل الأسد والعملية السياسية في سوريا». وأضاف: «الإعلان الروسي سيغير قواعد اللعبة، وسنسمع بالطبع الروس والسوريين يقولون إن هذا خطوة تم تنسيقها، ونحن على الصفحة ذاتها.. لكن من وجهة نظري فإن ما حصل سيغير من ديناميكيات محادثات السلام».
وعلى الصعيد الميداني، يؤكد الخبير في الشؤون السورية في جامعة أدنبرة، توماس بييريه، أن التدخل الروسي «أوقف تقدم الفصائل المقاتلة وسمح للنظام إلى جانب القوى التي وفرها مقاتلون شيعة باستعادة مناطق استراتيجية في حلب (شمال) واللاذقية (غرب) ودرعا (جنوب) ودمشق».
وفي بداية فبراير (شباط) الماضي، حققت قوات النظام الاختراق الأكثر الأهمية في حلب منذ عام 2012. وتمكن بغطاء جوي روسي مكثف من تضييق الخناق على الفصائل المعارضة في مدينة حلب، وكسر الحصار الذي فرضه مقاتلو المعارضة على قريتين على مدى نحو سنتين، واستعاد مواقع عدة.
وهنا يبقى السؤال المطروح هو حول قدرة النظام على المحافظة على الوضع الميداني الذي أرسته «العملية الروسية» في مواجهة المعارضة إذا سقطت الهدنة.
وفي هذا الإطار، يعد آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز «كارنيغي» للأبحاث ورئيس تحرير مجلة «سوريا في أزمة»، أن الأسد «في موقف أفضل بكثير، فيما فقد أعداؤه توازنهم، إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب انتهت». ويضيف: «تمكنت روسيا خلال نحو ستة أشهر من تغيير الموازين على الأرض لصالح نظام الأسد».
ويرى مصدر ميداني سوري أن «وتيرة الهجوم الكبير في الشمال السوري قد تخف» بعد الانسحاب الروسي، «ولكن لن تعود الكفة لصالح المعارضة».
ويقول بييريه: «ستضغط الدول الغربية على الفصائل المقاتلة التي تدعمها لعدم استغلال الوضع، على الأقل طوال فترة المفاوضات» بين الحكومة والمعارضة التي بدأت في جنيف، لكن الأسئلة تطرح بقوة أكبر في مناطق التنظيمات التي لا تشملها الهدنة، مضيفا: «هؤلاء قد يسعون لـ(امتحان) الانسحاب الروسي»، بحسب تعبيره.
من جهته، يرى الخبير في الجغرافيا السورية، فابريس بالانش، أن الانسحاب الروسي قد يترك «وقعا نفسيا بالدرجة الأولى» على قوات النظام السوري، «وقد يراه البعض تخليا عن بشار الأسد». لكن عسكريا، يشير إلى أن النظام حصل على دبابات جديدة، ومن المفترض أن يحصل على طائرات ومروحيات أيضا «ما يمكنه من الحفاظ على تفوقه الجوي».
ووفق مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، فإن التدخل العسكري الروسي، قد حصّن مناطق النظام لا سيما حيث هناك احتكاك بينه وبين المعارضة، لكنها في الشمال، مكنته وحلفاءه من استعادة السيطرة على آلاف الكيلومترات وعلى أغلب المساحات في ريف اللاذقية بينها معقل المعارضة في جبلي التركمان والأكراد، فيما لا تزال المساحة المتبقية في عهدة المعارضة في اللاذقية «تقارب الـ150 كيلومترا مربعا، بينها جبل كتابة وهي المنطقة الفاصلة بين جبلي الأكراد والتركمان».
ولفت إلى أن «موسكو بدأت بالانسحاب بعد تأمين الحماية حول مدينة حلب، إثر السيطرة على مساحات في ريفها الشمالي وريفها الجنوبي، وريفها الشرقي»، واستعادت قوات النظام السيطرة على مطار كويرس وفتحت مناطق نفوذها في الريف الشمالي على الريف الشرقي الذي باتت تبعد عن أحد معاقله فيه (مدينة الباب) نحو 8 كيلومترات.
ورغم عدم تمكن النظام من التقدم في ريف حماه الشمالي وريف إدلب، فقد أدّت الضربات الروسية إلى وقف استنزاف قوات النظام. وهو الأمر الذي ينطبق على الغوطة الشرقية لدمشق، حيث «جرى تثبيت مناطق نفوذ النظام فيها، واستعادة السيطرة على مناطق محدودة على جبهة مرج السلطان»، وذلك بعد اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش.
وبينما لم تحقق قوات النظام أي تقدم استراتيجي في جنوب البلاد، باستثناء استعادة السيطرة على بلدة الشيخ مسكين في ريف درعا، منعت الضربات الروسية تنظيم داعش، في المقابل، من السيطرة على مدينة دير الزور (في شرق البلاد) إثر هجمات التنظيم، وهي المدينة الواحدة الباقية تحت سيطرة النظام في شرق البلاد.
لكن هذا الواقع الميداني، يرى مصدر في «الجيش الحر» أنه قابل للتبدّل بمجرّد سقوط الهدنة، قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «ما تبقى من قوات النظام أقصى ما يمكنها أن تفعله هو العودة إلى القرداحة، في غياب دعم الطيران الروسي».
ويقول آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز «كارنيغي» للأبحاث ورئيس تحرير مجلة «سوريا في أزمة»، إن «هناك كثيرا من المناطق التي يحتاج فيها الأسد إلى القوة الجوية الروسية حاليا، إن لم يكن في مواجهة الفصائل المقاتلة بسبب الهدنة، ففي مواجهة تنظيم داعش»، كما في تدمر مثلا في وسط البلاد. وتخوض قوات النظام معارك عنيفة مع المعارضين في محيط مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص.
ويرى بييريه بدوره أن «عملية تدمر ستكون صعبة على قوات النظام من دون الطيران الروسي» الذي كان مهد الطريق أمام قوات النظام في المنطقة، فاستعادت أراضي، وباتت على بعد ستة كيلومترات فقط من المدينة الأثرية.
أما على صعيد تكلفة الحرب الروسية في سوريا التي يشير بعض المراقبين إلى أنّها كانت أيضا حقل تجارب لبعض أنواع الأسلحة، فأعلن بوتين أن تمويل العملية العسكرية في سوريا نفذ بشكل رئيسي ضمن القدرات المالية لوزارة الدفاع الروسية. وقال: «بالطبع تطلبت العملية العسكرية في سوريا تكاليف معينة، ولكن معظمها تم توفيره من قبل وزارة الدفاع، من أموال وزارة الدفاع المدرجة في ميزانيتها لعام 2015 المخصصة لإجراء مناورات وتدريبات قتالية والبالغة نحو 33 مليار روبل (نحو 478 مليون دولار»، مؤكدا أن هذه التكاليف مبررة وضرورية.
وكانت روسيا قد أطلقت عمليتها الجوية في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، وذلك بموجب طلب رسمي تقدمت به دمشق. وانطلاقا من التكلفة التي أعلنها الرئيس الروسي فإن التكلفة اليومية للعملية العسكرية التي استمرت 167 يوما تبلغ نحو 2.87 مليون دولار. مع العلم أن صحيفة «RBK Daily» الروسية رجحت، في وقت سابق، أن إنفاق روسيا على العملية العسكرية، حتى تاريخ 16 مارس (آذار)، بلغ 38 مليار روبل (نحو 550 مليون دولار).



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.