منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي

ساهمت في تطوير الموسيقى الغربية بالقطع مع الغناء الكنسي والشعر الغنائي المأساوي والتراجيدي

منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي
TT

منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي

منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي

يمثل التراث الفنِّي أحد مكونات الحضارة الإنسانيّة. فالشّعب الذي لا يملِك تراثًا فنيًّا لا يملك ذاكرة ولا تاريخًا. لأن الفنّ عمومًا، والموسيقى على وجه الخصوص، يسهِمان في بناء وتنميّة وتغذيّة الذّاكِرة الجَمعيّة، فالأناشِيد والمواويل والأغاني تحفظُ تاريخًا بأكمله.
مع توسُّع الخِلافة الإسلاميّة في العصر الأموي، انفتح العرب على ألوان متنوّعة من الموسيقى: الهنديّة والفارسيّة والآشوريّة، ما ساهم في انتشار ألوان مختلفة من الموسيقى داخل قصور الخِلافة (بلاط الخليفة تحديدًا). ومع العصر العبّاسي، تطورت الموسيقى بشكل كبير لتنتقل ممارستها من العبِيد في قصور بني أميّة، إلى أشخاص لهم مكانة مرموقة داخل البلاط وخارجه. فموسيقى العود في بدايات الحكم الأموي، حظيت بعناية أبرز المغنِّين العرب، من قبيل سائب خاثر، الذي تجاوز الغناء الفارسي، واستخدم العود في الغناء. أما الزنام أو الزلام، فرسم آلة نفخٍ هوائيّة تسمى ناي زنامي أو زلامي. وأضاف زرياب إلى أوتار العود الأربعة وترًا خامسًا، ورتّب هذه الأوتار بحيث يعادل كل وترٍ ثلاثة أرباع ما فوقه، واخترع مضراب العود من قوادِم النّسر، بعد أن كان من مرهن الخشب.
وفي أواخر القرن التاسع الميلادي، وضع أبناء موسى بن شاكر، أسس وقواعد الموسيقى الميكانيكيّة، واستعملوا البريخ الموسيقي لتوزيع الألحان. وفي القرن العاشر الميلادي، ابتكر الفارابي الربابة والقانون. واشتهر العباس وأبو المجد بصناعة الأرغن. وأما صفي الدين عبد المؤمن الأرموي، فقد اخترع القانون المربع، المسمى نزهة، وآلة أخرى تسمى المغنى. وعن أصالة الموسيقى العربية، نجد المستشرق البريطاني هنري جورج فارمر، يستهل كتابه «تاريخ الموسيقى العربية حتَّى القرن الثالث الميلادي» بالقول: «علينا ألا ننظر بعد الآن إلى جزيرة العرب نظرتنا إلى الفلوات، فهي على الضد من هذا - مركزٌ تجاري للعالم القديم. والمسلمون الذين خرجوا منها ليستظهروا على المسيحيّة وليشيّدوا إمبراطوريّة، ما كانوا إلا خلفاء لأولئك الذين تركوا تأثيرًا عميقًا في مصائر الشّرق ومستقبله في عصور التاريخ الأولى».
تدلُ مدوّنات الآلات الموسيقيّة المتبقيّة في التراث الموسيقي القديم والحديث، على العناية القُصوى لعرب ما قبل الإسلام وما عده، بالسّماع والغناء الصّوتي على العزف الآلي، ليتسنى لهم بذلك تذوّق معانِي الشّعر.. حيث تصاحِب الآلة الموسيقيّة الغناء الصوتي والتمهيد. ومن الجدير بالذكر، أن الآلات التي استعملَت في العالم العربي والإسلامي كانت ثلاثة أنواع: الآلات الوتريّة (منها: العود، الماندورة Mandore، سميت، فيما بعد، بالغيتار الموريسكي Pandore، التي تطورت إلى الماندولين في الغرب، أو الرباب ذات القوس، عرف في الغرب الأوروبي بـrebeck، وتطورت إلى الكمان، الساز Saz، الشاهروز، القانون، السنطور، ومن المحتمل أنه يعود إلى الأسور asor الآشوري، القيثارة...) آلات النفخ (الأورغن، الناي، مزمار القربة Bagpepe.). آلات القرع (الأجراس، الطبول ومنها الفقارية Kettledrum، الطبلة المطوقة، والطبول المربعة).
وظهر أول تدوين موسيقي عربي مع أبو إسحاق الكندي، في رسالته: «رسالة في خبر تأليف الألحان»، حيث استعمل، لأول مرة، الحروف الأبجديّة والرموز. غير أن محمد أبي نصر الفارابي (260 - 339 هجرية)، ترك الكثير من المؤلفات في الموسيقى منها: كتاب الموسيقى الكبير، كتاب في إحصاء الإيقاع، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، كلام في النقلة، مضافًا إلى الإيقاع، وكلام في الموسيقى، وكتاب إحصاء العلوم الذي يتضمن جزءًا خاصًا بعلم الموسيقى. والواضح أن كتابه «الموسيقي الكبير»، هو المتبقي حاليًا في التراث الموسيقي العربي - والذي ترجم إلى لغات أجنبيّة عدة - كمؤلَفٍ يعطينا صورة متكاملة عن البُعد الفكري العميق لفلسفته في الموسيقى.
يشير الفارابي إلى أن كلمة موسيقى في استعمالات اللّغة العاديّة تدلُ على الألحان. واللّحن هو «كل مجموعة من النغم رُتِّبت ترتيبًا محددًا منفرِدة أو مقترِنة بالكلام». ولكن الموسيقى من حيث هي صناعة أو فن شامل، تتضمن الألحان والمبادئ التي بها تلتئِم وبها تصِيرُ أكمَل وأجوَد. وليست صناعة الموسيقى إذن صناعة ألحانٍ فحسب، بحيث تشمَل الأسُس النّظريّة التي تبنى عليها جودة الألحان وكمالها. ويلجأ الفارابي في التفريع الذي يغلب على إحصاء العلوم، إلى التمييز بين قسمين في صناعة الموسيقى: الموسيقى النظريّة كـ«هيئة تنطق عالمها بالألحان ولواحقها عن تصورات صادقة سابقة خاصة في النّفس»، والموسيقى العمليّة التي يريد بها، كما توحي التسميّة بذلك، «إحداث الألحان بأدائها أو صياغتها. والصناعة التي يقال إنها تشتمل على الألحان، منها أن توجد الألحان التي تمت صياغتها محسوسة للسَامعين، ومنها ما اشتمل عليها أن تصوغها وتركبها، وإن لم تقدر على أن توجدها محسوسة، وهذان معا، يسميان صناعة الموسيقى العمليّة».
لا يرى المعلم الثاني أي انفصال بين هاتين الصناعتين، لأن العلاقة بينهما «وثيقة ومزدوجة قوامها التحليل والتركيب، وهي تماثل الصلة التي تربط بين العلم الطبيعي وعلم النجوم، فصاحب العلم النظري، يتبين ما هو طبيعي لسمع الإنسان من خلال الألحان التي يسمعها، فإذا طولب ببرهنة قضاياها أحال على المشتغلين بالموسيقى صياغة وأداء.. ولا ينقص ذلك من عمله». وقارن بين موسيقى الإنسان وموسيقى الطبيعة قائلا: «استحدث الإنسان الموسيقى تحقيقًا وإيفاءً لفطرته. إنها الفطرة المركزّة في جبلّة الإنسان، والتي تنتظم، فيما تنتظم، الفطرة الحيوانيّة التي من خصائصها التصويت تعبيرًا عن أحوالها اللّذيذة والمؤلِمة. وتنتظم هذه الفطرة أيضا في نزوع الإنسان إلى الراحة إذا تعب. ومن شأن الموسيقى أن تنسي الإنسان تعبه لأنها تلغي إحساسه بالزمان، ذلك الزمان الذي ترتبط به الحركة والتعب يأتي منها. ولأن فطرة الإنسان تدعوه للتعبير عن أحواله وأن ينشد راحته. وكانت هذه الترانيم والألحان والنغمات، تنشأ قليلا وفي زمان بعد زمان، وفي قوم بعد قوم، حتى تزايدت. فنشوء الموسيقى من نداء الفطرة. لكن الإنسان أخذ، بعد ذلك، يتحرى ما يماثل ترنماته في أجسام أخرى طبيعيّة وصناعيّة، وما من شأنه أن يجعلها أكثر بهاء وفخامة. فاهتدى إلى الآلات الموسيقيّة، كالعود وغيره، وأخذ الناس في تطوير هذه الآلات حتى تكون أكثر طواعيّة في إنجاز الغاية منها».
يميز الفارابي في تأثير الموسيقى بالنفس بين ثلاثة أنواع: الألحان المُلِذة التي تكسب «النفس لذة وراحة فحسب»، والألحان المخيلة التي تحدث في «نفس الإنسان تخيلات وتصورات، مثل ما تفعل التماثيل المحسوسة بالبصر». أما الألحان الانفعاليّة (النوع الثالث من الموسيقى)، فتزيل «الانفعال أو تنقصه، لأن الانفعال من شأنه أن يزول إذا بلغ أقصى غاياته»، لجهة أن ثمة ارتباط بين الانفعال والنّغم، فلكلّ انفعالٍ (حزن، رحمة، قساوة، خوف، طرب، غضب، لذة وأذى...) نغمٌ يخصُه ويدلُ عليه «فصول النغم التي بها تكسب انفعالات النفس.. تشتق أصنافها من أسماء أصناف الانفعالات، فلذلك يجب أن نعدد الانفعالات ثم نجعل أسماء هذه الفصول من فصول النَّغم مأخوذة من أسماء تلك، فيسمى ما يكسب الحزن إما المحزِّن، وإما الحزني، وإمّا التحزين... وما يكسب الأسف يُسمى أسفيًا، وما يكسب الجزع جزعيًا، وما يكسب العزاء والسلوى مُعزَّيًا أو مسلي، وما يكسب المحبة أو البغضة محبيًا أو غضبيًا» (كتاب «الموسيقى الكبير»، 1179).
يجمل الفارابي هذه الأنغام الانفعاليّة في ثلاثة أصنافٍ: «منها ما يُكسب الانفعالات التي تنسب إلى قوة النفس، مثل العداوة والقساوة والغضب والتهور، وما جانس ذلك، ومنها التي تكسب الانفعالات التي تُنسَب إلى ضعف النفس، وذلك مثل الخوف والرحمة والجبن.. ومنها التي تكسب المخلوط من كل واحدٍ من هذين الصّنفين وهو التوسُّط» (نفسه، 1180، 1181). ويمجد الألحان الكاملة التي لا تتبع انفعالات النفس لأنها تحقق غايات أخلاقيّة لِما فيه خير للنّفس البشريّة. وهي في هذا تتساوى وغايات الحكمة والعلوم حيث يقول: «ولما كان كثيرٌ من الهيئات والأخلاق والأفعال تابعة لانفعالات النفس وللخيالات الواقعة فيها، على ما تبيّن في الصّناعة المدنيّة، صارت الألحان الكاملة نافعة في إفادة الهيئات والأخلاق، ونافعة في أن تبعث السّامعين على الأفعال المطلوبة منهم، وليس إنما هي نافعة في هذه وحدها، لكن وفي البعثة على اقتناء سائر الخيرات النفسانيّة مثل الحكمة والعلوم» (نفسه، ص 1181).
يضع الفارابي معايير للجمال المُوسيقي من جهة أن الذّوق الفنّي يتغير مع تعاقب الأجيال، ومن ثم فهو لا يتمتع بخاصيّة الثبات التي تجعله يخضع للبحث العقلي: «فليس سبيل الطبيعة من الألحان سبيل الشرائِع والسُّنن التي ربما حمل الناس عليها، أو أكثرهم في بعض الأزمان، فيتبع بعضهم فيها بعضًا، فيستحسن على سبيل ما تستحسن المألوف من الأمور. غير أن ما هذه سبيله من مستحسن أو مستقبح لا يراعي كيفما اتفقت».
ساهمت الموسيقى العربية بتاريخها، في فسح المجال لتطور الموسيقى الغربيّة، وللقطع مع الغناء الكنسي، ومع الشعر الغنائي المأساوي والتراجيدي الذي ورثوه عن التقليد اليوناني والروماني القديم، باعتبارها جسرًا بين الثقافات الشرقيّة والثقافة الغربيّة الحديثة. غير أن واقع الموسيقى العربية اليوم، يفرض علينا الوقوف على التردِّي الذي تخبط فيه أهل الفن. فواقعنا يستدعي إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها التنشئة في هذه المجتمعات، والدعوة إلى تربيّة موسيقيّة عالمة. فرغم وجود مؤتمر الموسيقى العربيّة منذ الثلاثينات من هذا القرن الماضي، واتساع دائرة المؤسسات الإبداعيّة والموسيقيّة، فإن موجة العولمة والتسليع دمّرت رُقي وروح الموسيقى لصالح الرداءة والتردي، تزامنا مع توالي النّزعات المعاديّة للاشتغال بالموسيقى بدعوى التحريم، نتيجة الفتاوى التي تروجها جماعات دعويّة متطرفة، وهو ما يتنافى والتراث العربي كما سردنا أعلاه، فلماذا لم تتعرض أعمال الفارابي وغيره (إخوان الصفا، ابن سينا، الكندي) للنقد من طرف الفقهاء في ذلك العصر؟ أليست الدعوة إلى تحريم الموسيقى جديدة لا تستند لأي حجة تاريخيّة ومنطقيّة؟



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.