هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟

أندريه كونت سبونفيل يصدر مذكراته الفلسفية

هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟
TT

هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟

هل الحياة هشة وحنونة إلى مثل هذا الحد؟

أصبحت كتب الحوارات الفلسفية «على الموضة» هذه الأيام في فرنسا. فما إن انتهينا من مذكرات لوك فيري وحواراته حتى شغلنا بمذكرات أندريه كونت سبونفيل. وهو لمن لا يعرفه أحد فلاسفة فرنسا المعدودين بالإضافة إلى فيري ذاته وريجيس دوبريه وآخرين. وفي هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن مساره الفكري على مدار ثلاثين سنة متواصلة. إنه يتحدث عن طفولته المعذبة الشقية بسبب مرض أمه وجنونها وانتحارها. وكان يحبها إلى درجة العبادة ويكره أباه كرهًا شديدًا بسببها أو بسبب معاملته القاسية لها. لم يغفر له فعلته تلك أبدًا. وظل ناقمًا عليه وحاقدًا.
وهذا الحدث الأساسي هو الذي دشن حياته وجعل منه فيلسوفًا حقيقيًا. فهو يتفلسف لكي يفهم سبب العذاب البشري ولكي يحل قصته الشخصية أيضا. «فلا أحد ينجو من طفولته مهما حاول»، كما يقول هذا الفيلسوف المهم. والحياة حلوة وحنونة دون شك، ولكنها قد تكون هشة أيضًا بل وخطرة جدًا. والفلسفة علاج أو عزاء لمن لا عزاء له في هذا العالم. وكذلك الشعر.. ولكن الدين أيضًا يمكن أن يكون عزاء ودواء مهدئًا ومسكنًا لمن يؤمن به. وهو إيمان فقده فيلسوف الفرنسيين كالكثير من مثقفي جيله اليساريين. وبالتالي لم يبق له إلا الفلسفة. فراح يغوص في جنباتها وأعماقها ويطلع على نظريات كبار الفلاسفة منذ أفلاطون وأرسطو وحتى اليوم مرورًا بمونتيني وديكارت وسبينوزا وكانط وهيغل ونيتشه وهيدغر وعشرات غيرهم. فالرجل مطلع على تاريخ الفلسفة من أوله إلى آخره. والحق أنه لا يمكن أن تصبح فيلسوفًا حقيقيًا قبل أن تطلع على نظريات كبار الفلاسفة. كما لا يمكن أن تصبح شاعرا قبل أن تطلع على أعظم القصائد وتنجبل بها وتهضمها ثم تنساها! والشيء الممتع هنا هو أنه يعطينا رأيه في فلاسفة عصره وفلاسفة العصور الغابرة. ونفهم منه أنه يفضل سبينوزا على نيتشه. لكن ما قراءاته الفلسفية الأولى؟ بمن تأثر في بداية شبابه؟ على هذا السؤال يجيب أندريه كونت سبونفيل قائلا إن أولى كتب الفلسفة التي قرأها وحتى قبل البكالوريا هي كتاب «الأفكار» الشهير لباسكال، و«الخشية والارتعاش» لكيركيغارد، و«أسطورة سيزيف» لألبير كامو. ثم تلاها «الوجود والعدم» لسارتر و«علم ظاهريات الإدراك والتصور» لميرلو بونتي.. ولكن الفلسفة الوجودية أضجرته بسرعة فانصرف عنها. وغطس عندئذ في كتب أبيقور وسبينوزا وماركس وفرويد وألتوسير وكلود ليفي ستروس. فقد بدت له أكثر إضاءة وأكثر قوة وأكثر صحة وإنقاذا أو علاجا! والشيء الذي أعجبه لدى باسكال وكيركيغارد وألبير كامو هو رفضهم التعزي بسرعة أو بسهولة من ضربات الحياة، وميلهم للألم والعذاب والقلق والشقاء: أي إلى كل ما نتحاشاه في حياتنا ولا نأمله لأحبائنا. بمعنى آخر فإن تركيزهم على البعد التراجيدي في الوجود أعطاهم قيمة كبرى في نظره، لأن طفولته كانت تراجيدية كما ذكرنا. والبعد التراجيدي أو المأساوي للحياة ليس قمة الفرح على عكس ما يزعم نيتشه. وإنما هو الشعور المخيف باللاعزاء في هذا العالم أو قل الأخذ بعين الاعتبار كل ما هو بشع ومرعب ومخيب في الشرط البشري. ولكن ألا تكمن هنا تعاسة الإنسان دون الله أو دون الإيمان بالله؟ السؤال يطرحه أندريه كونت سبونفيل على نفسه وبحق. ولكنه مطروح على كل الفلسفة الإلحادية والتراجيدية الغربية المعاصرة. بل ومطروح حتى على أدب العبث ومسرح اللامعقول وبانتظار غودو إلخ.. ويعترف المؤلف بأنه حاول أن يهرب من هذا التراث الفلسفي التراجيدي عن طريق تبني الفلسفة المادية على طريقة أبيقور وماركس، أو الفلسفة العقلانية المحضة على طريقة سبينوزا ولكنه لم يستطع أن ينجو بجلده من القلق التراجيدي للوجود. وبالتالي فحياته كلها تذبذب بين باسكال وسبينوزا. سبينوزا أكبر فلسفيا في رأيه ولكن باسكال أعمق سيكولوجيا.
ثم ينتقل المؤلف إلى فكرة أخرى تخص العلاقة بين الفلسفة والأدب. ويقيم هنا مقارنة بين فلاسفة فرنسا والفلاسفة الألمان. ويرى أن خصوصية الفلاسفة الفرنسيين هي أنهم كانوا جميعا تقريبا كتابا كبارا. فديكارت لم يكن فيلسوفًا كبيرًا فقط وإنما كان كاتبا كبيرا أيضا.عندما تقرأ كتابه «التأملات الميتافيزيقية» تشعر بأنه عبارة عن قصة روح، قصة شخص يبحث عن الحقيقة والنجاة والحكمة بوسائل العقل الخاصة.
إنه شخص حائر ولكنه أصبح واثقا من نفسه بعد أن توصل إلى المنهج الموثوق والحقيقة الراسخة. ولكنه لم يتوصل إلى بر الأمان قبل المرور بمرحلة الشك والقلق والعذاب. بل ووصل به الشك في لحظة ما إلى حافة الجنون. ولكن الفلسفة كانت بالنسبة له خشبة الخلاص. ويمكن القول إن معظم الفلاسفة الفرنسيين الآخرين كانوا كتابا كبارا. يكفي أن نذكر اسم جان جاك روسو هنا أو فولتير أو مونتسكيو أو ديدرو. وفي المعاصرين أضف إليهم بيرغسون وجان بول سارتر وألبير كامو إلخ.. أما فلاسفة الإنجليز والألمان فقد كانوا عباقرة من دون، شك ولكنهم ليسوا كتابًا بالمعنى الأدبي للكلمة. هذه خصوصية فرنسية. لا ريب في أن هوبز ولوك وهيوم ولايبنتز وكانط وهيغل هم من أضخم الفلاسفة. ولكنهم على المستوى الأدبي لا شيء تقريبًا. بمعنى أنهم يكتبون بلغة عادية جدا، بل ونثرية وعرة مملة في معظم الأحيان. ثم يردف المؤلف: «أقول ذلك على الرغم من أني أعتبر كانط أكبر فيلسوف في الأزمنة الحديثة كلها. والله يعلم أني لست كانطيًا! ولكن الحق أحق بأن يقال. وأعتبر أرسطو أعظم فيلسوف في العصور القديمة كلها (بين قوسين قال لي كاستورياديس عندما قابلته في منزله بباريس قبل ربع قرن لصالح مجلة (الكرمل) بأن أفلاطون هو أعظم عبقرية فلسفية ظهرت في تاريخ البشرية. وهو يوناني الأصل ويعرف عما يتحدث..).
ولكن سبونفيل يعترف باستثناء كبير للألمان: هو نيتشه! فمن يستطيع أن يقول إن نيتشه يكتب بشكل رديء ككانط مثلا؟ يجب إعدامه فورا! نيتشه لا قبله ولا بعده من حيث قوة الأسلوب وجاذبية النص. إنه عبقري هائل لغويا وشاعر مجنون. أو قل إنه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء كما قيل سابقا عن المعري. وأما التوحيدي فهو أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء تماما كمونتيني الذي يحبه المؤلف كثيرا.. وأما الجاحظ فهو فولتير! من يكره الأسلوب الساخر الضاحك للجاحظ أو فولتير ينبغي أن نشنقه! بهجة الحياة أن تقرأ هذين الكاتبين العظيمين.. يكفي أن تقرأ أحد كتبهما لكي تنسى قلق الحياة وملل الوجود. لا داعي لأن تذهب إلى السينما أو إلى المسرح. يكفي أن تفتح على رسائل فولتير أو كتاب البخلاء للجاحظ لكي تموت من الضحك والانشراح.
أخيرا لننتقل إلى محور ثالث في هذا الكتاب القيم ولنطرح هذا السؤال: هل كان نيتشه نازيا؟ النيتشويون الفرنسيون وعلى رأسهم فوكو وديلوز وآخرون يقولون: لك والعياذ بالله! نيتشه كان ضد النازية ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد. ولكن الأمور ليست بمثل هذه البساطة كما يقول أندريه كونت سبونفيل. صحيح أن نيتشه عندما مات عام 1900 كان هتلر طفلا لما يتجاوز الحادية عشرة بعد. وبالتالي فكيف يمكن أن يكون نازيا؟ ولكن هناك حقيقة لا نستطيع أن نهرب منها: وهي أن النازيين وجدوا في فكر نيتشه غايتهم وضالتهم. ولذلك بجلوه ورفعوه إلى أعلى مقام واعتبروه زعيمهم الفكري. لماذا لم يتخذوا هيغل قائدا فكريا أو منظرا آيديولوجيا؟ لماذا لم يتخذوا كانط؟ هذا الشيء ليس مصادفة. ففي فكر نيتشه مقاطع وعبارات مخيفة تفسر لنا سبب إعجاب النازيين به. لنضرب على ذلك مثلا العبارة التالية: «ليهلك الضعفاء والفاشلون ولنساعدهم على الانقراض»! ألم يطبق هتلر هذا المبدأ عمليا عندما أمر باستئصال كل من ليس جرمانيا آريا قويا مليئا بالصحة والعافية؟ وعندما تشاهد هتلر وهو يخطب في الجماهير بكل هياج وانفعال، عندما تراه وهو يجذب كل ألمانيا إليه ويكهربها كالمغناطيس، تكاد تتذكر نيتشه و«طلعاته النارية» ذات البلاغة التي لا تضاهى: «أنا لست إنسانا، أنا الديناميت»! يضاف إلى ذلك أن هتلر زار بيت نيتشه مرتين وسلم على أخته إليزابيث، وانحنى بكل وقار أمام تمثال الفيلسوف، في حين أنه لم يفعل ذات الشيء مع كانط أو هيغل. ولا ننسى أن نيتشه صب جام غضبه على القيم التي تفتخر بها العصور الحديثة: كالديمقراطية والاشتراكية والتقدمية وحقوق المرأة والمساواة بين البشر والعدالة الاجتماعية، إلخ.. كل هذه أشياء أخذها النازيون عنه. فقد كانت كتبه إنجيلهم. هل يعني ذلك أن كل نيتشه خطأ في خطأ وأنه لم يضف شيئا يذكر إلى الفكر البشري؟ بالطبع لا، وألف لا. فهناك أفكار عميقة جدا وتحليلات عبقرية يمكن الاستفادة منها. ينبغي أن نفرز الحنطة عن الزؤان، الصالح عن الطالح.
ينبغي أن ننتهي من ذلك الموقف التبسيطي الذي يقول لك: «إما أن نأخذ من المفكر كل شيء، وإما أن نرفض كل شيء»! هذا خطأ. لا يوجد مفكر واحد يؤخذ بكليته. لا يوجد مفكر واحد إلا ويعاني من نقاط نقص أو ضعف. الكمال ليس على هذه الأرض. الكمال لله وحده.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.