هدوء حذر في اليوم الأول للهدنة في سوريا.. وخروق محدودة في بعض المناطق

المعارضة تصفه بـ«المقبول» وتؤكد التزامها بوقف إطلاق النار

سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)
سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)
TT

هدوء حذر في اليوم الأول للهدنة في سوريا.. وخروق محدودة في بعض المناطق

سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)
سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)

ساد الهدوء الحذر طوال يوم أمس في معظم المناطق السورية المشمولة باتفاق وقف إطلاق النار الذي انطلق رسميا منتصف الليل، وذلك في هدنة واسعة هي الأولى من نوعها منذ بدء الأزمة قبل خمس سنوات. وخلال الساعات الأولى لانطلاقها سجّلت خروق في بعض المناطق، تبادل كل من المعارضة والنظام اللذين أعلنا الالتزام بها الاتهامات بشأنها. وقد أعلن «الائتلاف الوطني» السوري عن خرق النظام لوقف إطلاق النار بقصف قواته 15 منطقة بالرشاشات الثقيلة والمدفعية والبراميل المتفجرة، فيما أشارت وكالة «سانا» التابعة للنظام إلى سقوط قذائف من مواقع المعارضة على مدينة دمشق.
عضو «الهيئة العليا للمفاوضات» فؤاد عليكو وصف اليوم الأول للهدنة بـ«المقبول»، مشيرا إلى وقف القصف والعمليات العسكرية في معظم المناطق باستثناء بعض الخروق التي قام بها النظام. وأشار عليكو في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المعارضة «تلمس هذه المرة جدية في حلّ الأزمة السورية»، إلا أنه أبدى تخوفه في الوقت عينه من أن يعمد النظام إلى استغلال وجود «داعش» و«النصرة» في بعض المناطق التابعة للمعارضة لافتعال اشتباكات. وأضاف «هناك ضغوط أوروبية تمارس على أميركا وروسيا لحل الأزمة بعدما وصل الخطر إلى بلدان أوروبية من خلال التفجيرات، إضافة إلى زيادة عدد اللاجئين الذين بلغ عددهم في عام 2015 نحو مليون لاجئ، وهو ما قد يؤدي إلى نجاح الحل السياسي».
من جهته، أكد أمين سر الهيئة السياسية في «الائتلاف الوطني» أنس العبدة أن «الجيش السوري الحر» وفصائل الثورة لا تزال ملتزمة بالهدنة، مشيرا إلى أن «نشاط الجيش الحر بالأصل لم يكن إلا للدفاع عن المدنيين وحماية مناطق الثوار». واعتبر العبدة أن الخروق الموثقة خلال الساعات الأولى تتعمد إجهاض الهدنة، وإحباط أي مدخل للحل السياسي، مضيفا: «لا يمكن ترك نظام الأسد ليقوّض المساعي الدولية وقرار مجلس الأمن 2254 بعد كل الجهود، ومن واجب رعاة الاتفاق أن يتدخلوا لفرض الهدنة، وإجبار النظام على تنفيذ القرارات الدولية بكل تفاصيلها».
في هذه الأثناء، أعلن الجيش الروسي وقف حركة طيرانه بشكل تام ليوم واحد السبت فوق الأراضي السورية دعما لاتفاق الهدنة، بينما واصل التحالف الدولي بقيادة واشنطن شنّ غارات ضد مواقع «داعش» في محافظة الرقة (شمال وسط سوريا). وسجلت اشتباكات في مناطق عدة غير مشمولة بالاتفاق لوجود التنظيم المتطرف و«جبهة النصرة» فيها.
وتقضي الخطة الأميركية - الروسية التي قبلتها حكومة الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة السياسية والعسكرية بأن يتوقف القتال حتى يتسنى وصول المساعدات للمدنيين وبدء المحادثات لإنهاء الحرب. والهدنة تتويج لمساع دبلوماسية جديدة سلطت الضوء على ساحة القتال التي تغيرت بشدة بعد أن انضمت روسيا للحرب في سبتمبر (أيلول) بضربات جوية تهدف إلى مساعدة رئيس النظام بشار الأسد.
لكن ثمة الكثير من الثغرات في الاتفاق الذي لم توقعه الأطراف السورية المتحاربة بشكل مباشر، كما أنه أقل إلزاما من اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار. وهو أيضا لا يشمل «داعش» و«جبهة النصرة». وفي هذا الاتجاه، قال ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة لسوريا «فلنبتهل لنجاحها لأن هذه بصراحة أفضل فرصة يمكن أن نتخيل حصول الشعب السوري عليها خلال السنوات الخمس الأخيرة كي يرى شيئا أفضل، ونأمل أن يكون شيئا له صلة بالسلام». وتوقع دي ميستورا انتهاكات للاتفاق من حين لآخر، لكنه دعا الأطراف لضبط النفس وتفادي التصعيد. ويوم أمس اجتمع في جنيف فريق العمل الخاص بوقف إطلاق النار الذي شكلته الدول الـ17 في المجموعة الدولية لدعم سوريا لتقويم مدى الالتزام الاتفاق، بحسب ما ذكر دي ميستورا.
على صعيد آخر، مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ عند منتصف الليل بالتوقيت المحلي «عمّ الهدوء غالبية الأراضي السورية» التي تنتشر فيها قوات النظام وفصائل المعارضة، بحسب «مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن. وأشارت «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) إلى هدوء لم تشهده مناطق قريبة من أطراف العاصمة، منذ وقت طويل، وإلى غياب سحب الدخان التي كانت تتصاعد عادة من جوبر والغوطة الشرقية في ريف دمشق. وحقا، في دمشق، قال عمار الراعي (22 سنة) وهو طالب جامعي في كلية الطب «تفاجأت بالهدوء الذي حصل منذ ليل أمس وحتى الآن»، مضيفا «أحد أصدقائي في ألمانيا أرسل لي رسالة في الصباح يسألني فيها مازحا: هل انتهت الحرب، ومتى تنصحني بالعودة؟». وتابع «ربما هي المرة الأولى التي نستيقظ فيها من دون أصوات قصف أو مدفعية، دمشق أجمل من دون حرب».
كذلك في مدينة حلب التي شهدت معارك شبه يومية بين النظام والفصائل المعارضة منذ صيف 2012، ساد المدينة الهدوء الكامل. وقال أبو نديم (40 سنة)، وهو عامل مطبعة يسكن في حي بستان القصر، بشرق حلب الواقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة: «أتمنى أن تنجح الهدنة وأن يستمر وقف إطلاق النار وأن يلتزم النظام بعدم القصف بسلاح الجو والمدفعية (...) لعلنا نستعيد جزءا بسيطا من حياتنا قبل الحرب».
وبحكم استثناء تنظيم داعش وجبهة النصرة من اتفاق الهدنة، فإن المناطق المعنية بالاتفاق، بحسب مصدر سوري رسمي و«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، تقتصر على الجزء الأكبر من محافظة ريف دمشق، ومحافظة درعا جنوبا، وريف محافظة حمص الشمالي (وسط البلاد) وريف محافظة حماه الشمالي (الشمال الغربي)، ومدينة حلب وبعض مناطق ريفها الغربي (الشمال). وحسب الخبير في الجغرافيا السورية فابريس بالانش فإنه توقع أن ينجح تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية على الأرجح في عشرة في المائة فقط من الأراضي السورية.
وبعدما صرح مسؤول كبير في القيادة العامة للقوات المسلحة الروسية هو الجنرال سيرغي رودسكوي بأن «الطيران الروسي لن يقوم بطلعات فوق سوريا يوم 27 فبراير (شباط)»، وذلك لتفادي «أي أخطاء ممكنة» في الأهداف ودعما لاتفاق الهدنة، قال رودسكوي إن سلاح الجو الروسي أوقف بعد بدء سريان الهدنة «بالكامل عمليات القصف في المنطقة الخضراء، أي في القطاعات التي توجد فيها مجموعات مسلحة تقدمت بطلبات لوقف إطلاق النار». وكان «المرصد» قد أشار في وقت سابق إلى أن الطيران الروسي لم يقم منذ منتصف الليل بأي طلعة في الأجواء السورية.
ومن جانبه، ذكر فارس البيوش قائد جماعة «فرسان الحق» التي تقاتل تحت لواء الجيش السوري الحر، أن قصف النظام توقف في بعض المناطق لكنه مستمر في مناطق أخرى. ووصف الأمر بأنه انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار. وتابع في حديث لـ«رويترز» بقوله: «هناك مناطق توقف القصف فيها لكن هناك مناطق أخرى حصلت فيها خروق من قبل النظام كمنطقة كفرزيتا في حماه عن طريق استهدافها بالمدفعية، وكذلك مورك في الريف الشمالي لحماه. نحن نترقب الوضع وملتزمون بالهدنة من قبل تشكيلات الجيش الحر». ولفت إلى أن استمرار الخروق قد يؤدي إلى انهيار الاتفاقية». في هذه الأثناء، قالت جماعة «جيش الإسلام» إن قوات النظام أسقطت برميلين متفجرين وفتحت النار على مواقعها اليوم ضمن انتهاكات عديدة لاتفاق وقف الأعمال القتالية في منطقة الغوطة الشرقية القريبة من دمشق.
وفي تقرير أعدّه المكتب الإعلامي في «الائتلاف الوطني»، حدّد خروقا في الساعات الأولى لوقف إطلاق النار في بعض المناطق من قبل النظام. وأشار إلى أنّه وبعد أقل من ساعة من دخول الهدنة حيز التنفيذ قصفت قوات النظام مدينة تلبيسة بمحافظة حمص والتفاحية بمحافظة اللاذقية ومدينة داريا بضواحي دمشق واللطامنة بمحافظة حماه واليادودة بمحافظة درعا وحي بني زيد بمدينة حلب.
في حي التضامن بجنوب العاصمة دمشق، قصفت أبنية سكنية في شارع دعبول بالحي برشاشات الـ14.5. وفي ريف دمشق قُصفت بلدتا نولة وحرستا القنطرة براجمات الصواريخ من مواقعها في القرية الشامية. وعلى أوتوستراد دمشق - حمص، قرب مدينة دوما، مشّطت قوات النظام الأوتوستراد بالأسلحة المتوسطة، وأيضا في دوما مشطت وقصفت القوات بالقنابل برج الشيشان. وقصفت بلدة اليادودة بدرعا بالرشاشات الثقيلة من عيار 23. وفي أقصى الشمال السوري، قصفت أيضا مدينة أعزاز بريف محافظة حلب الشمالي من قبل قوات النظام و«جيش الثوار» المنضوي تحت لواء ميليشيا «مجلس سوريا الديمقراطي» بالرشاشات الثقيلة، وكذلك تعرضت مواقع الثوار بجبل عندان لقصف مماثل. وبالنسبة لحي بني زيد بمدينة حلب فإنه تم قصفه بقذيفتي هاون. بينما قصفت مدينة تلبيسة بريف حمص بمدفعية مصدرها قرية النجمة الشيعية واستهدفت الأحياء السكنية في المدينة. وطال قصف قوات نظام مدينتي اللطامنة وكفرزيتا في ريف حماه الشمالي، الخاضعتين لكتائب الثوار.
وفي جبل التفاحية في ريف اللاذقية، ورغم سريان الهدنة، بقي القصف ليلا من قبل قوات النظام وحلفائه على الجبل، والمناطق المحررة بريف اللاذقية.
في المقابل، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر عسكري زعمه أن المعارضة أطلقت عدة قذائف صاروخية على أحياء سكنية في مدينة دمشق مصدرها جوبر ودوما. وذكر مصدر أمني سوري لوكالة الصحافة الفرنسية أن «نحو عشر قذائف سقطت في منطقة العباسيين الممتدة من ملعب العباسيين الواقع على ساحة العباسيين إلى حي الزبلطاني».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.