كلاوس شواب لـ («الشرق الأوسط») : الثورة الصناعية الرابعة سلاح ذو حدين

مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي أكد أن منطقة الشرق الأوسط تواجه تحديًا مزدوجًا خطيرًا

البروفسور كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي
البروفسور كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي
TT

كلاوس شواب لـ («الشرق الأوسط») : الثورة الصناعية الرابعة سلاح ذو حدين

البروفسور كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي
البروفسور كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي

قال كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، إن التقنيات الجريئة والجديدة وما تعرف بـ«الثورة الصناعية الرابعة»، هي ثورة ذات حدّين تحمل فرص ومخاطر من خلال ما يمكن أن تمدّ المجتمع من قدرات وتحمل له المخاطر الجسيمة.
وبين البروفسور شواب، أن التقنيات الحديثة، بدءًا من الذكاء الاصطناعي والمركبات الذاتية، وحتى التكنولوجيا الحيويّة وبروتوكولات التجارة الإلكترونية (بلوك تشين Blockchain)، تؤدي إلى حدوث تغييرات كبيرة، وذلك على غرار ما أحدثته «الثورات» السابقة في مجالات البخار، والطاقة الكهربائية، والإلكترونيات.
وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على هامش انطلاق القمة العالمية للحكومات في دبي اليوم، والتي تستمر على مدى ثلاثة أيام، أنه على الرغم من بعض المزايا المحتملة لهذه الثورة، بما في ذلك ما تقدمه من منافع بيئية، فإن مكامن القلق تتلخص فيما تشمل زيادة مستوى عدم المساواة، والتأثير على الحروب، وطريقة تفاعل المجتمعات فيما بينها.
وتابع شواب: «ستكون الحكومات، في واقع الأمر، من بين أكثر المتأثرين بهذه الثورة الناشئة وما تحمله من تحديات، إذ ستحدث هذه التقنيات الحديثة تحولات في ميزان القوى بين القطاعات الصناعية، والجهات الحكوميّة وغير الحكوميّة، والبلدان، مع تقديمها فرصا جديدة للتواصل مع المواطنين، كذلك فإن أمور مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثيّة سوف تثير معضلات أخلاقيّة وتنظيمية جديدة».
وأشار مؤسس منتدى الاقتصاد العالمي إلى أنه على الحكومات إدراك ما يقع من تغيّرات، وأن تستعد للعمل المشترك عبر جميع القطاعات لضمان الحصول على الفرص التي توفرها «الثورة الصناعية الرابعة» وتقلّل من المخاطر المتعلقة بها، وقال إنه «من المستحيل أن نعرف تحديدًا مسار الثورة الصناعيّة الرابعة، لكن يمكننا الآن أن نرى ثلاثة مصادر للقلق. أولاً، عدم المساواة حيث أصدرت منظّمة أوكسفام تقريرًا عن اجتماعنا السنوي في دافوس الشهر الماضي، والذي وجد أنّ هناك 62 شخصًا يسيطرون على أصول تزيد عن تلك التي يملكها نصف سكان العالم الأكثر فقرًا، أي ما يقرب من 3.6 مليار شخص.
وتابع شواب: «في الوقت الذي سيستفيد فيه الكثير من المستهلكين والمنتجين والمستثمرين من التقنيات الجديدة، فإنها قد تتسبب في زيادة مستوى عدم المساواة جرّاء ديناميكيّات المنصّات الرقميّة، وارتفاع معدلات البطالة، والانحياز للمهارات الذي يكافئ أصحاب المهارات العالية والمحظوظين. ومن واجبنا أن نمنع وقوع ذلك».
وحول المصدر الثاني للقلق، حدده مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي أنه يكمن في الأمن، حيث إن التقنيات الحديثة تزيد من حجم الأساليب التي تستخدمها الحكومات، وكذلك الجهات التي لا تتبع دول بعينها، في شنّ الحروب. وأضاف: «إننا بحاجة ماسّة إلى العمل المشترك بين الدول من أجل وضع معايير عالميّة تحدّ من مخاطر استخدام التقنيات الحديثة في أعمال تهدّد الأمن البشريّ».
واختتم مصادر القلق الثلاث في التأثير على الهويّات الفرديّة، وعلى المجتمعات، وعلى القدرة بالعيش معًا في سلام، ولفت إلى أنه لا تؤدي الزيادة في التواصل والترابط بالضرورة إلى وجهات نظر عالمية أكثر تنوّعًا واتساعًا، كذلك يشير التقدّم الذي تشهده الهندسة الوراثيّة إلى أن التطورات الجذرية للقدرات البشرية قد لا تكون متاحة إلا لهؤلاء القادرين على تحمّل التكلفة، الأمر الذي يهدد بزيادة المستويات الحالية من عدم المساواة وعدم الثقة والنزاعات، واستحداث أشكال جديدة.
وزاد شواب: «يجب عدم النظر إلى التكنولوجيا أو ما يصاحبها من مشكلات باعتبارها قوى خارجيّة لا يمكن للإنسان التحكم بها، فكلّنا مسؤولون عن توجيه تطور هذه التقنيات من خلال ما نتخذه يوميًا من قرارات بصفتنا مواطنين، ومستهلكين ومستثمرين، وبالتالي يجب أن نستغل الفرصة والقوّة التي نملكها في رسم ملامح الثورة الصناعية الرابعة، وتوجيهها نحو مستقبل يعكس أهدافنا وقيمنا المشتركة».
وحول الإضرار البيئية للثورة الصناعية الرابعة كتلك التي سببتها الثورتان الأولى والثانية، قال شواب: «لديّ أمل كبير في أن تكون الثورة الصناعية الرابعة هي الثورة الصناعية الأولى من نوعها التي تساهم في إحياء البيئة بدلاً من الإضرار بها، حيث إنه هو أحد أهم الوعود الكبيرة التي تقدمها التقنيات الحديثة، والمتمثل في أن وجود المزيد من أدوات المراقبة المتطورة والطرق الجديدة في التواصل والتحقق من البيانات وتبادلها بشفافية سيساعد الشركات والحكومات على الوصول إلى عالم (خالٍ من النفايات) بما يفسح المجال أمام تكاثر أنواع جديدة من الكائنات الحية».
وعما يمكن أن تحدثه الثورة الصناعية الرابعة في مجال البطالة من خلال انتشار أجهزة الروبوت، قال مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي إن جميع الثورات الصناعية نجحت في توفير بعض الوظائف وتدمير البعض الآخر، لكن السؤال الأهم يتعلق بسرعة حدوث ذلك، وهناك الكثير من المؤشرات على قدرة الخوارزميات الحديثة على استبدال عدد كبير من الوظائف التي يعتقد أنها في مأمن من الأتمتة. وأضاف: «على سبيل المثال، تشير بعض الدراسات إلى أن الوظائف التي تواجه مخاطر تتعلق بالأتمتة خلال العقد أو العقدين المقبلين قد تشمل أكثر من 40 في المائة من العمالة الحالية في دولة مثل الولايات المتحدة، وذلك في الوقت الذي تتراجع فيه مساهمة القطاعات الصناعية الجديدة في توفير فرص العمل».
وتابع شواب: «لكن ذلك لا يعني أبدًا أن الجيل القادم سيكون عاطلاً عن العمل بشكل كامل، حتى وإن تغير تعريف مفهوم (العمل) كثيرًا خلال السنوات المقبلة. لديّ إيمان قوي بروح ريادة الأعمال لدى الأجيال الشابة، والتي أراها دومًا في كل لقاء أحضره في المنتدى الاقتصادي العالمي. في الواقع، الشباب اليوم هم الأكثر قدرة على التكيف مع عصر (الثورة الصناعية الرابعة) والازدهار فيه، لذلك يجب علينا الاستثمار فيهم والثقة في أنهم سيستغلون ما يملكون من إبداع وطاقات في ابتكار أشكال جديدة تمامًا من القيم التي تعود بالنفع على العالم بأسره».
وحول وضع منطقة الشرق الأوسط وسط الاضطرابات التي تعيشها، قال شواب إن «المنطقة تواجه تحديًا مزدوجًا خطيرًا، يتمثل في نشوب الصراعات، والهجرة القسرية واسعة النطاق، ومن المستحيل، في عالمنا المترابط، بناء اقتصادات شاملة وتحقيق نمو مستدام دون وضع الأبعاد الجيوسياسية والأمنية في الاعتبار».
وأضاف أنه «من ناحية أخرى، فإنه من دون توافر فرص للعمل، وإمكانية الحصول على التعليم، والقيام بتغييرات لتحقيق النجاح في ريادة الأعمال، ستكون المنطقة بالكامل في مواجهة تحدٍ حقيقي من أجل تحقيق الاستقرار وإيقاف هجرة العقول، وأعتقد أن أداء جميع الحكومات حول العالم سيتم تقييمه من خلال نجاحها في وضع إطار عمل يسمح بتمكين جميع فئات المجتمع من المشاركة بشكل كامل في الفرص الاقتصادية المختلفة».



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.