قصة وصول المطبخ الأفغاني إلى الهند

الفضل يعود إلى التأشيرة الحرة

قصة وصول المطبخ الأفغاني إلى الهند
TT

قصة وصول المطبخ الأفغاني إلى الهند

قصة وصول المطبخ الأفغاني إلى الهند

ترمز العاصمة الهندية دلهي لكل ما هو قديم وحديث، غير أن روحها تكمن في قدرتها الهائلة على احتضان الكثير من الثقافات، وتجلى ذلك في سرعة استساغتها للمطبخ الأفغاني.
ومن بين الأطباق الأفغانية الجديدة التي انضمت للمطبخ الهندي طبق لحم الضأن الكابلي الأوزبكي، وشوبان الكباب، واليخني، والمانتو (النسخة الأفغانية من العجائن المحشوة بلحم الضأن مع البهارات والزبادي)، وطبق سمك الماتشا مع الكرات والبصل الأخضر المنقوع في الزبادي والباذنجان المقلي، يقدم مع الزبادي وأوراق النعناع المجففة.
ونتيجة للهجرات الأفغانية التي أعقبت «حالة الاقتتال الداخلي» هناك، إضافة إلى «السياحة الطبية» في الهند، تضاعفت أعداد المطاعم الأفغانية شهرا بعد آخر.
بداية قصة المطبخ الأفغاني في الهند
تعود بداية القصة الأفغانية في دلهي لعام 2005 عندما سمحت الحكومة الهندية بدخول مواطني أفغانستان والبقاء فيها لفترات طويلة بمقتضى سياسة التأشيرة الحرة. وفي العام الماضي، وفي ظل القانون الجديد، أعلنت وزارة الداخلية الهندية السماح لمواطني أفغانستان بالبقاء لعامين بصفة إنسانية.
واليوم أصبحت مدن مثل بوغال، وماليفيا نجار، وساكت، وهواز خان، ولجبات نجار مأوى للكثير من المهاجرين الأفغان الذين استقروا هنا واتخذوا من دلهي مأوى. فعندما تدخل تلك المناطق، سوف تقابل بإشارات ترحاب في مدينة داري، ولافتات في مدينة بوشتون، والمسلسلات الأفغانية التي تعرض على شاشات التلفزيون، ورائحة شي الكباب، وخبز نانز الطازج بداخل الأفران. وبالفعل ومن دون شك فإن الطعام الأفغاني هو أفضل ما في الجالية الأفغانية الصغيرة في نيودلهي، فقد ظهرت الكثير من المطاعم الأفغانية لتقدم طعاما أفغانيا تقليديا مستمدا من الجذور. وبسبب التضاريس الجبلية، فإن المطبخ الأفغاني غني بالبروتين نظرا لما يقدمه من بقوليات، ودجاج ولحم الضأن، وكلها من أساسيات المطبخ الأفغاني، ناهيك عن مجموعة أطباق متنوعة تشمل الخبز والأرز.
الشوارع الأفغانية
«دلهي ليجبات نجار»، و«ساكت» اسمان لشارعين رئيسيين بهما الكثير من المطاعم الأفغانية مما جعل الناس يطلقون على المنطقة اسم شارع الطعام الأفغاني، بالإضافة إلى الكثير من الصيدليات ومحلات بيع الطعام المنتشرة في كل مكان. ويرجع السبب في هذا إلى أن نحو 80 في المائة من الأفغان الذين يزورون دلهي أتوا للسياحة العلاجية. وفي الوقت الذي يتوجه فيه هؤلاء السياح إلى مستشفيات مثل ماكس وأبولو، فإن أقرباءهم ومرافقيهم يقبلون على المناطق التي تكتظ بالأفغان من بني جلدتهم ويقبلون على الطعام الأفغاني الذي يقدم في المطاعم التي تملأ المنطقة. وبمجرد أن تخطو للداخل، يعود بك المكان لعدة قرون ماضية فترى رجالا بعيون فاتحة اللون يرتدون زيا أفغانيا تقليديا متراصين أمام مخابز «نانوي» الأفغانية لبيع خبز الـ«روتي» الأفغاني التقليدي ليعرضوا بضاعتهم من الخبز في مواعيد تقديم الوجبات.
أتى والي سلطاني للهند من مدينة مزار شريف الأفغانية ليدير مطعم «أفغان داربار» المعروف بتقديمه أسياخ الكباب المشوي من لحم الماعز والخضراوات «باربكيو» مع الحرص على النكهة الأفغانية الأصلية.
فبمجرد دخولك مطعم «أفغان دربار» فإن شاشات عرض تلفزيون الباشتون وسماع الحديث الدائر بين الأفغان من حولك يخلق موسيقى تنعم فيها بدفء الوطن، ثم تأتي قائمة الطعام لتكمل السيمفونية. ويعتبر الخبز الأفغاني التقليدي «نان» الذي يقدم مع الفاصوليا والبيض ذا مذاق خاص في الفم، في حين أن طبق الزبادي الحار المضاف إليه التوابل يعتبر طبقا شرق أوسطي المذاق والنكهة. ومن النادر أن ترى مثل تلك الأطباق النباتية الشهية في بيئة معروف عنها وفرة أطباقها من اللحوم. هنا على المائدة الأفغانية تجد أيضا طبق الداشي من لحم الضأن المطهو مع البصل والتوابل التقليدية، وإذا أردت تذوق طبق محترم من دجاج التندوري، أنصحك بتجربته في مطاعمهم حيث تضاف التوابل باعتدال، لكن خليط التوابل مع الزبادي يعطي نكهة مميزة تتغلغل داخل اللحم. لكن الجميل في المطعم الأفغاني هو أنه يشتمل على أسماء معروفة لأطباق لكن بمذاقات مختلفة.
أفاد سلطاني «عندما بدأنا في تقديم كباب تشوبان، بدأ الكثير من الأفغان في التوافد لتذوقه، وقالوا: إن مذاقه يجعلهم يشعرون كأنهم في بلدهم». والآن انتشر الخبر وأصبح للكباب الأفغاني زبائنه من الهنود أيضا. كذلك جعل الطبق الأفغاني الكابلي التقليدي «بولاو» من مطعم إسماعيل بريزاد ملتقى للأفغان في نفس الشارع. وكان بيرزاد قد حضر لمدينة دلهي كسائح عام 2007 غير أنه مكث هنا كي يزاول نشاطه الجديد. وأفاد بيرزاد بكثير من الفخر أن هذا «الطبق أصبح شهيرا في كابل فقد جعل الأفغان ممن يعيشون في الخارج يشعرون بحنين للماضي في وطنهم».
الديكورات الداخلية للمطعم متسعة ونفذت بعناية، غير أن الطعام هو البطل في هذا المكان.
ويواجه الأفغان الذين عاشوا في دلهي لفترات طويلة وكونوا أسرا معضلة الهوية؛ فقد نشأ أبناؤهم في دلهي ويشعرون بالاغتراب عن أفغانستان بسبب حالة الاقتتال الدائر في بلادهم، الأمر الذي منعهم من العودة. فكلامهم وملبسهم أصبح هنديا خالصا شأن أصدقائهم الهنود ومن المستحيل أن تفرق بين هذا وذاك.
ولد أطفال بيرزاد في الهند ويتحدثون اللغة الهندية بطلاقة. أفاد بيرزاد: «اصطحبتهم إلى كابل العام الماضي، بيد أنهم بعد يومين فقط أصرا على العودة إلى الهند التي يعتبرونها وطنهم». لكن الأب يتوق للعودة لبلاده وينتظر أن يحل السلام هناك. أضاف: «أتطلع إلى العودة يوما ما وأفتتح مطعمي هناك».
بعد الكفاح لسنوات، استطاع علي خان بناء فرن من الطين في الهواء الطلق في الشارع. وكان قد حل في دلهي من دون أن يتحدث كلمة واحدة من لغة أهلها. وقال خان «كنت أشعر بالغربة، لكن بالتدريج بدأت أرى نفسي جزءا من الجالية، وأصبح هناك زبائن دائمون للخبز الأفغاني الذي أصنعه».
مهرجان الطعام الأفغاني في الهند
قال الطباخ الأفغاني سيد محمد «يأتي إلى هنا زبائن من أفغانستان، واليمن، والعراق، وكذلك من الغرب لتذوق الأطباق الأفغانية. كذلك يتوافد الزبائن الهنود إلى هذا المكان بانتظام، فالكل أصبح يحب الأطباق الأفغانية بسبب عدم استخدام التوابل الحارة بكثرة ولمذاقها اللذيذ».
ويزور حاليا الشيف محمد هاشم شيراز مدينة دلهي لحضور مهرجان الطعام الأفغاني هناك، وهاشم عمل في السابق كطباخ في فندق إنتركونتيننتال كابل الذي شهد الحروب التي شنها السوفيات والأميركان ومحاكم التفتيش التي نصبتها حكومة طالبان.
قال شيراز من الصعب أن تحضر إلى هنا من دون الحديث عن السينما الهندية «بوليوود»، وتذكر ضاحكا قول أصدقائه في كابل «إن لم تقابل شاه راخ، فلا تعد إلينا»، مضيفا أنه بعد أن بدأت الحرب تضع أوزارها، بدأت الذكريات تمر وبدت طالبان كذكرى سيئة. لكن بعد أن هدأت الحرب، أخذت شهية الناس تنفتح للطعام أكثر من ذي قبل، فلم تعد النساء ممنوعات من الذهاب للمطاعم كما كان الحال في عهد طالبان.
وبالعودة للمذاق الأفغاني، قال راخ «يحبذ الأفغان نوعا معينا من الطهي يسمح للمتذوق أن يستمتع بالمذاق الأصلي للحم، فهم ينقعون اللحم في الملح، وأحيانا يضيفون البصل والكمون وورق الكزبرة. فالطعام الأفغاني قليل التوابل وليس حارا، ولذلك فهو مناسب للجميع، وطريقة الطهي تحتفظ بنكهة اللحم الطبيعية».
أضاف شيرزاد: «تعتمد النكهة الأساسية للمطعم الأفغاني على الشواء سواء على الخشب أو الفحم. وفي الحقيقة فإن أغلب البيوت الأفغانية لم يصلها الغاز وغيرها من المشتقات البترولية المستخدمة في الطبخ بعد، ولذ يلجأ الناس للوقود التقليدي الذي يعتمد على الخشب والفحم. ولا يعنى ذلك عدم تطور الحياة في أفغانستان، فما شاء الله، شهدت أفغانستان تقدما عظيما خلال العقد الأخير، فنظام طالبان عندما كان في الحكم بدا مصمما على إزالة تراثنا الثقافي. والآن تعمل الحكومة الجديدة المنتخبة ديمقراطيا على إعادة إحياء ثقافتنا. ففي الماضي لم يكن لدينا كهرباء ولا أي بنية تحتية، واليوم لدينا الكثير من المشروعات في الطريق لتحسن من أسلوب حياتنا. وفي ظل مشروعات من هذا النوع نستطيع أن نتعلم من جيراننا وربما نعلم الآخرين شيئا ما».
ومؤخرا شاركت أربع سيدات أفغانيات ممن يعيشن كلاجئات في الهند في معرض «ونتر ميلا» الذي أقيم في الهند وأقمن قسما للأطعمة المنزلية الأفغانية الشهية.
وقدم هؤلاء النساء أطباقا أفغانية تقليدية مثل بولا، وعجائن مانتو، وكفتة الشالو، وأسياخ الكباب، وشاي الأعشاب. وتأمل زيغول التي تعيش في دلهي كلاجئة منذ خمس سنوات في أن تحيا حياة أفضل من تلك التي عاشتها في بلادها.
تستطيع من خلال هذا المعرض أن تستشعر رد فعل الذواقة، وتتمنى لو أنها استطاعت أن تقدم المزيد من أطباق المطبخ الأفغاني في الهند.
أضافت اللاجئة الأفغانية زيغال: «نحن سعداء برد الفعل الذي نلقاه في المرض، فأطباقنا تعتبر جديدة هنا، ولقيت إعجابا من الناس، ولذلك نشعر بسعادة كبيرة».
لدى الأفغان تنوع كبير في أنواع الخبز، ولأن الخبز الأفغاني لا يصنع إلا في أفران التندور (نوع من الأفران الأفقية على عكس تصميم نظيرتها الهندية الرأسية)، ولذا فإن أغلب البيوت في الهند لا تتسع لمساحة تستوعب التصميم الأفغاني الأفقي المستخدم في صنع هذا النوع من الخبز، ولذا تلجأ أغلب العائلات لشراء الخبز من السوق.

* وصفة الشيف شيراز لطبق «باولو» الكابلي

* مقادير طبق باولو (تكفي شخصين)

500 غرام لحم ضأن
250 غراما أرز بسمتي
50 غراما بصل
10 غراما كمون
50 غراما طماطم
4 – 6 حبات هيل مطحون
75 غراما ملح
75 غراما من اللوز المقشر
75 غراما من الجزر المبشور
75 غراما من البصل المقلي للتزيين
الطريقة
سخن وعاء عميقا ثم أضف نصف كمية التوابل
عندما تسخن أضف البصل والطماطم، وشرائح اللحم ثم قلب
أضف الملح للقطع، اغسل الأرز وانقعه لعشر دقائق،
اغل الماء في وعاء ثم أضف باقي التوابل مع الملح وعصير الليمون
أضف الأرز ثم اطه بواقع ثلثي درجة الطهي
ضع اللحم المطهو في الإناء مع الأرز المسلوق، وزينه بالجزر المبشور المقلي في الزيت،
أضف اللوز والصلصة إلى العجين، ثم قلب لمدة 15 دقيقة على النار.



«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».


مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
TT

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن في فترة ما بعد رمضان وخلال عطلات الصيف، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى. فخلال العام الماضي، استقبلت أحياء «سوهو»، و«فيتزروفيا»، و«مايفير»، و«دالستون» سلسلة من المطاعم التي تعكس تحولاً ملموساً نحو المساحات الأكثر خصوصية والأعلى تركيزاً.

يواصل مطبخ شرق البحر المتوسط توسيع نطاق حضوره، بينما تخطف القوائم المعتمدة على المكونات الموسمية الطازجة الأنظار. كما تعيد المقاهي الهادئة التي تعتني بتفاصيل التصميم الزخم إلى ثقافة الحياة الليلية في العاصمة. وتوفر هذه الافتتاحات الأخيرة، في مجملها، صورة واضحة ومباشرة للوجهات التي تجسد نبض لندن العصري في الوقت الراهن.

فيما يلي نماذج منتقاة لأبرز المطاعم التي أُطلقت في لندن خلال العام الماضي، وهي وجهات افتُتحت مؤخراً وباتت بالفعل محور حديث النخبة في كافة أنحاء المدينة.

أطباق صغيرة في مطعم كامارا (الشرق الاوسط)

إيسز فود كرافت (Aces Food Craft)

مطعم فاخر في قلب فيتزروفيا يعكس مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»

شهد حي «فيتزروفيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، انطلاقة مطعم «إيسز فود كرافت»، وهو أول مشروع مستقل للثنائي «ألكساندرا يازيفيكا» وزوجها «أليكس كراسيوم».

يرتكز هذا المطعم الذي يتميز بأجوائه الحميمية على مفهوم الطهي القائم على جودة المكونات، حيث يقدم تجربة عشاء راقية ومبتكرة تستلهم جوهرها من أفضل المحاصيل البريطانية. وتتجلى في أطباقه خبرة «أليكس» العريضة التي اكتسبها في أرقى المطابخ العالمية، بما في ذلك مطاعم حائزة على نجمة ميشلان في طوكيو. وبعد مسيرته السابقة بوصفه رئيس الطهاة التنفيذي في مطعم «سوشارو» الشهير، يقود «أليكس» اليوم مطبخاً يقدم طهياً دقيقاً يحتفي بالمكونات الأساسية، ضمن أجواء دافئة صُممت لتمنح الزائر شعوراً بالألفة وكأنه في منزله، بعيداً عن صرامة المطاعم الرسمية التقليدية.

أغرودولتشي (Agrodolce)

بصمة روما الكلاسيكية تحط الرحال في لندن

مطعم أغرودولتشي من الخارج (الشرق الاوسط)

افتتح مطعم «أغرودولتشي» أبوابه في شارع «شارلوت» بحي فيتزروفيا في مارس (آذار) 2025، لينقل تقاليد الطهي الرومانية الأصيلة إلى قلب لندن. يصب المطعم جُل اهتمامه على المعكرونة المحضرة يدويا والأطباق الكلاسيكية العريقة، مثل «كاريبونارا» و«أماتريشيانا» و«توناريلي بالزعفران»، إلى جانب قائمة مختارة بعناية من المقبلات والحلويات. ويعكس تصميم المكان روح نظيره في روما، حيث تزدان المساحات بطاولاته الرخامية، وأواني الخزف الإيطالية العتيقة، مع توفير خيارات لتناول الطعام في قاعات خاصة. ويحافظ «أغرودولتشي» على التزام صارم بالوصفات التقليدية، والمكونات عالية الجودة، وأصول الضيافة الإيطالية البسيطة وغير المتكلفة.

أوتومات (Automat)

جوهرة أميركية خفية في قلب «مايفير»

افتتح مطعم «أوتومات» أبوابه في شارع «ماونت» بحي مايفير في نوفمبر 2025، ليقدم مفهوماً راقياً ومجدداً للمطبخ الأميركي في المنطقة.

وبإشراف من مجموعة «وان لوكشري غروب» وبإدارة «كريس سيدون» بوصفه مديراً للعلامة التجارية، يعيد المطعم صياغة كلاسيكيات المائدة الأميركية من أوائل ومنتصف القرن العشرين برؤية عصرية حديثة. ويتميز الوصول إلى المطعم بخصوصية تامة عبر متجر الجلود الفاخرة «تانر كرول»، حيث تبرز المساحة التي تتسع لـ58 ضيفاً كوجهة حميمية تحاكي نمط «البارات السرية»، ويقدم أطباقاً أميركية كلاسيكية بلمسات مخملية راقية. وتجمع الديكورات الداخلية من تصميم استوديو «توميف» بين سحر الأصالة القديمة والبراعة الحديثة، لتقديم أصول الضيافة الأميركية بروح «مايفير» المتميزة.

براذر ماركوس (Brother Marcus)

مطعم شرق المتوسط المفضل يتوسع في «سوهو»

مأكولات براذر ماركوس (الشرق الاوسط)

في سبتمبر (أيلول) 2025، حطَّ مطعم «براذر ماركوس» رحاله في شارع «بولاند» بحي سوهو، ناقلاً نكهات شرق البحر المتوسط إلى قلب وسط لندن. يشتهر المطعم - الذي أسسه «تاسوس غايتانوس» و«أليكس لارج» - بأطباقه السخية الشهية المفعمة بالنكهات المستوحاة من تقاليد الطهي العريقة في شرق المتوسط، والتي تُقدم في أجواء مريحة تُعنى بأدق تفاصيل التصميم. يمتد فرع «سوهو» على طابقين، ويقدم خدماته على مدار اليوم؛ بدءاً من أطباق الفطور المتأخر الراقية وصولاً إلى أطباق «المزة» المخصصة للمشاركة. وتعكس قائمة الطعام عقداً من التطوير، مرتكِزة على لمسات مستوحاة من جزيرة كريت وأسلوب الطهي التشاركي الودود.

كراست بروس (Crust Bros)

بيتزا نابولي الحائزة على الجوائز تتألق في «كوفنت غاردن»

بيتزا "كراست بروس" الحائزة على عدة جوائز (الشرق الاوسط)

تُعد «كراست بروس» علامة لندنية مرموقة حائزة على «جائزة البيتزا الوطنية» لمرتين متتاليتين؛ وتشتهر بعجينتها ذات الحواف المحمرة والمميزة بنقشة «جلد النمر»، وبيتزا نابولي المُخصصة حسب طلبات الضيوف، حيث تمزج بين التقنيات التقليدية واللمسات العصرية المبتكرة.

وفي يوليو (تموز) 2025، افتتحت العلامة أكبر فروعها حتى الآن في حي «كوفنت غاردن» وهي مساحة تمتد على طابقين، وتتسع لـ135 ضيفاً في شارع «بيدفورد» في قلب منطقة «ويست إند»، حيث تُحضر العجينة طازجة يومياً وتُترك لتتخمر ببطء لمدة تصل إلى 72 ساعة قبل خبزها في درجات حرارة عالية للحصول على قوامها الهش الفريد. ويمكن للضيوف ابتكار البيتزا الخاصة بهم أو الاختيار من قائمة الأطباق المفضلة، إلى جانب أطباق جديدة حصرية، فضلاً عن الآيس كريم «الجيلاتو» بالتعاون مع «لا جيلاتيريا».

باراسول (Parasol)

إيقاعات «الديسكو» تعيد صياغة السهرات في شرق لندن

انطلق «باراسول» في منطقة «دالستون» في مايو (أيار) 2025، بوصفه أول مشروع مشترك بين «آندي كير» و«توم غيبسون»، الثنائي الذي يقف وراء عدد من أبرز الوجهات اللندنية المرموقة، مثل «ذا صن تافرن»، و«ديسكونت سوت كومباني»، و«ذا أمبريلا ووركشوب».

ويتخذ «باراسول» موقعاً مميزاً في طابق تحت الأرض جرى تحويله بالكامل في شارع «ستوك نيوينغتون»، حيث تبرز الديكورات ذات الطابع الترابي مع لمسات مغربية ومكسيكية ناعمة. ويضفي منسقو الأغاني طابعاً خاصاً على الأمسيات التي تمتد حتى الثانية صباحاً، بمختارات موسيقية مستوحاة من حقبة «ديسكو نيويورك» في أوائل الثمانينات، مما يجعلها وجهة مثالية لمن يبحث عن تجربة ليلية مفعمة بالحيوية والزخم.


من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
TT

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص، وتشكيلات المزّة العامة. غير أن هذا المطبخ بدأ اليوم يبرز بوصفه تأثيراً طهوياً مستقلاً، يحظى بقبول متزايد بين روّاد الطعام في الهند.

في مدنٍ هندية متعددة، بات الطعام السعودي يجد موطئ قدمه تدريجياً، لا عبر تسويقٍ صاخب أو بهرجة قائمة على كونه موضة جديدة أو تجربة غريبة مؤقتة، بل من خلال إحساس عميق بالألفة لا يزال المتذوّق الهندي في طور اكتشافه.

ولم يعد هذا المطبخ حكراً على مطابخ الجاليات أو الفعاليات المؤقتة في الفنادق، بل أخذ يتجذّر بثبات في مطاعم الأحياء، وإقامات الطهاة المنسّقة، وأنماط الطعام الحضرية.

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

ويكمن جوهر هذا التحوّل في تنامي التقدير للطهي القائم على المكوّنات، وتقنيات الطهي البطيء، وثقافة الأكل الجماعي، وهي قيم راسخة منذ زمن طويل في كل من المطبخين السعودي والهندي.

وقد أسهمت عروض طهوية حديثة، في مقدمتها فعالية «المائدة السعودية» التي أشرف عليها الشيف كونال كابور، أحد أبرز رواة القصص الطهوية في الهند، في إبراز هذه القرابة الثقافية بوضوح أكبر، مقدمةً المطبخ السعودي لا باعتباره غريباً، بل قريباً ومألوفاً على نحو هادئ.

يعيد كابور تقديم أطباق مثل الكبسة والمنسف وأرز الزعفران بالمأكولات البحرية، بأسلوب يتّسم بالأناقة والتوازن اللذين اشتهر بهما. وحتى الحلويات، مثل بانا كوتا الورد والفستق، وإبداعات التمر واللوز، والبقلاوة الغنية، تحمل بصمته المميّزة: تحافظ على جوهرها التقليدي الحقيقي، وفي الوقت نفسه تقدَّم بأسلوب مهني راقٍ وتقنيات عالية دون تشويه أصلها.

السليق على الطريقة السعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف كابور، الذي لعب دوراً محورياً في تعريف الجمهور الهندي بعمق المطبخ السعودي عبر تجارب طعام منسّقة: «الطعام السعودي لا يحاول أن يبهرك، بل يطعمك. إنه صادق، قائم على المكوّنات، ومبني على المشاركة. وهذه قيم يفهمها المطبخ الهندي جيداً».

مطبخ يبدو مألوفاً

حين وصف الشيف كابور المطبخ السعودي بأنه الأقرب إلى مطبخ ولاية بيهار شرق الهند، أثار ذلك دهشة الكثيرين، إلا أن المقارنة لم تكن مجازية؛ فكلا المدرستين الطهويتين تعتمدان بدرجة كبيرة على الحبوب والبقوليات والأرز والخضراوات واللحوم المطهوة ببطء، مع نكهات تُبنى عبر العطر لا الحدّة.

الجريش السعودي (شاترستوك)

وقال كابور خلال إطلاق «المائدة السعودية» في مطعم «ون 8 كوميون» بمدينة غورغاون: «لو طُلب مني أن أربط النكهات السعودية بأي منطقة هندية، لاخترت بيهار. التقنيات، والإحساس بالراحة، وحتى طريقة مشاركة الطعام، كلها أمور تبدو مألوفة. الفارق الأكبر هو الزيت؛ نحن نستخدم زيت الخردل، وهم يستخدمون زيت الزيتون. تغيّر الزيت يغيّر الإحساس بالنكهة، لكن بنية الطبق تبقى متشابهة بوضوح».

كما يسلّط كابور الضوء على مكوّنات سعودية مثل الباذنجان والزعفران والتمر والأعشاب، مشيراً إلى مدى انسجامها مع الذاكرة الطهوية الهندية. ويقول: «الطهي السعودي لا يُخفي المنتجات المحلية تحت طبقات متعددة من التوابل، بل يبرز نكهاتها الطبيعية من خلال تقنيات بسيطة مثل الشواء، والطهي البطيء، أو التحميص».

ويحرص كابور على كسر الفكرة الشائعة التي تختزل المطبخ السعودي في كونه مطبخاً واحداً متجانساً أو مجرد «مطبخ صحراوي». ويوضح: «السعودية تضم جبالاً وسواحل والبحر الأحمر وشِعاباً مرجانية، فضلاً عن المأكولات البحرية ولحم الضأن والحبوب، وطيف واسع من الأطباق النباتية». وهو مطبخ تشكّل بفعل الجغرافيا والتجارة، أكثر من اعتماده على كثافة التوابل. وتشكل مكوّنات مثل التمر والقمح والأرز والزعفران والهيل والليمون المجفف والأعشاب أساس الوجبات اليومية، وتُحضَّر باستخدام الشواء والطهي البطيء والتحميص، وهي أساليب مألوفة بعمق في المطابخ الهندية.

وفي إحدى أمسيات أيام الأسبوع في حي أوكلا بدلهي، لم يعد من غير المألوف رؤية روّاد يتشاركون أطباقاً كبيرة من المندي، الأرز طويل الحبة المعطّر بالهيل والقرنفل، الذي تعلوه قطع من الدجاج أو لحم الضأن المطهو ببطء. وما كانت يوماً وجبة للحنين تُطبخ بهدوء في بيوت المهاجرين، بدأت اليوم تتسلّل إلى أروقة المدن الهندية وتثبت حضورها في مشهدها الغذائي.

وغالباً ما يصف الطهاة الهنود العاملون بالمطبخ السعودي دورهم ليس كمبتكرين، بل كمترجمين؛ إذ يكمن التحدّي في الحفاظ على رصانة الطبق داخل ثقافة طعام تشتهر بالوفرة.

كبسة سعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف أنس خان، الذي يدير مطبخاً عربياً: «الطهي الهندي قائم على تعدد التوابل، بينما الطهي السعودي قائم على معرفة متى تتوقف. إذا بالغت، تفقد روح الطبق. هذا مطبخ الانضباط». ويؤكد الشيف كابور المعنى نفسه قائلاً: «لا يمكنك فرض الطابع الهندي على الطعام السعودي. إن فعلت ذلك، يفقد الطبق نزاهته. الفكرة ليست في المزج، بل في الفهم».

جذور في التجارة والهجرة

هذا التقارب ليس وليد الصدفة. فقد ربطت الهند وشبه الجزيرة العربية عبر قرون طويلة طرق تجارة بحرية، تبادلتا خلالها التوابل والأرز والمعرفة الطهوية.

وفي العقود الأخيرة، عمّق الشتات الهندي في السعودية، وهو من أكبر الجاليات الوافدة في المملكة، هذا التبادل. فقد سمحت المطابخ المنزلية والطهاة والموائد المشتركة بانتقال النكهات والتقنيات عبر الأجيال. والنتيجة ليست اندماجاً بمعناه الحديث، بل تداخلاً: مطبخان نشآ كل على حدة، لكنهما ظلا في حوار دائم.

ومع عقود من الهجرة إلى السعودية، دخلت كثير من الأطباق البيوت الهندية قبل أن تصل إلى المطاعم. ويقول الشيف روحان، الذي نشأ في عائلة ذات صلات وثيقة بالسعودية: «بالنسبة لنا، هذا الطعام يجسّد مشاعر الحنين؛ إذ يذكّر الناس بآباء عملوا في الخارج، وبموائد العيد، وبالأطباق المشتركة. المطاعم لا تفعل اليوم سوى اللحاق بما عرفته البيوت منذ زمن».

لماذا أصبح الذوق الهندي أكثر تقبلاً الآن؟

يكتسب توقيت بروز المطبخ السعودي في الهند أهمية خاصة. ويقول الشيف الشهير رانفير برار: «روّاد المطاعم في الهند اليوم باتوا أكثر سفراً وفضولاً، وأقل اهتماماً بالطعام الغريب أحادي البعد. فهناك شهية متزايدة للأصالة، سواء داخل الهند أو خارجها. والطعام السعودي، بتركيزه على الراحة والألفة، ينسجم طبيعياً مع هذا التحوّل».

ويرى برار أن أقوى صلة بين الثقافتين تكمن في طريقة تناول الطعام نفسه، ففي السعودية تُقدَّم الوجبات في أوعية كبيرة تُشارك بين أفراد العائلة والضيوف الجالسين معاً، وهو ما يعكس التقاليد الهندية التي ترى في الطعام تعبيراً عن الضيافة لا مجرّد عرض.

ويؤمن الشيف كابور بأن هذا القبول ينبع من الألفة لا من عنصر التجديد، فيقول: «الطعام السعودي لا يصدم الذوق الهندي، بل يطمئنه. التقنيات بسيطة، والنكهات صادقة، والطعام مُعدّ للمشاركة. وهذا أمر يفهمه الهنود بالفطرة».

فالسليق، عصيدة الأرز الكريمية الغنية بالمرق والحليب، تجد ما يقابلها في الأطعمة التي يأكلها الهنود للشعور بالراحة. والجريش المصنوع من القمح المجروش يذكّر بأطباق الحبوب الشائعة في شمال وشرق الهند. وحتى شوربات العدس المنتشرة في البيوت السعودية تبدو مألوفة على الفور للذوق الهندي في الطعام.

مدن هندية يترسّخ فيها الطعام السعودي

لم يكن نمو المطبخ السعودي في الهند متكافئاً، لكنه حمل دلالات مهمة.

فإلى جانب منطقة دلهي الكبرى، برزت بنغالورو بوصفها مركزاً مهماً، مدفوعة بجمهورها من الطلاب والعاملين في قطاع التكنولوجيا ذوي الخبرة الخليجية. وتحتضن أحياء مثل فريزر تاون وكاماناهالي مطاعم تتمحور حول المندي، حيث تُقدَّم الأطباق الكبيرة للأكل باليد، تماماً كما في البيوت السعودية.

وبالمثل، أظهرت مدينة حيدر آباد، ذات الإرث العريق المرتبط بالأرز، تقبّلاً خاصاً لهذا المطبخ. ويشير طهاة محليون إلى أن المندي يبدو مألوفاً للمدينة التي نشأ سكانها على أكل البرياني. ويقول أحد الطهاة في حيدر آباد: «الناس يفهمون منطق الطبق فوراً. الأرز يحمل نكهة اللحم؛ ولذا فهو ليس غريباً على الإطلاق».

أما كيرالا التي توصف بأنها «بلاد الله»، فإنها تتصدر القائمة.