لندن العظيمة.. مدينة بلا طبق

عرَّفها الرومان على البصل والثوم وأخذت من بلاد الشام السكر والبهارات

لندن العظيمة.. مدينة بلا طبق
TT

لندن العظيمة.. مدينة بلا طبق

لندن العظيمة.. مدينة بلا طبق

على عظمتها ورغم تاريخها العريق والمديد، فإن مدينة لندن التي تضم نخبة المطاعم في العالم وتجمع مئات من مطابخ الأقليات القادمة من آسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأوروبا بشكل عام، لا تملك مطبخها الخاص بها أو طبقها المتميز الذي يحظى به الفرد.
تاريخيا يعتبر الرومان المسؤول الأول عن جلب الكثير من الخيرات إلى المدينة وخصوصا البصل والثوم والزعتر وإكليل الجبل وغيره، وقد نشروا المآكل التي ترتبط بمآكلهم والتي كانت تستهلك الكثير من الدجاج ولحم الأرانب الذي كانوا يجلبونه من إسبانيا. وفي هذه الفترة الرومانية الأولى بدأت تنتشر ظاهرة المطاعم والحانات المعنية بخدمة الرومان وجنرالاتهم وجنودهم.
ويقال: إنه لم يتغير الكثير على المدينة في القرون الوسطى باستثناء الاستخدام المكثف للبيض والجبن والزبدة والشوربة وإضافة أنواع جديدة من الخضار واللحوم والخبز بعض أنواع اليخني (المطبوخة على نار هادئة). ومع الحروب الصليبية، أحضر البريطانيون من سوريا وفلسطين السكر وشتى أنواع البهارات ليضيفوا مذاقات جديدة.
وفي أحد النصوص الشهيرة التي وضعت بعد القرن الثاني عشر عن لندن، يثني ويليام فيتزستيفان على المدينة وعلى ما كانت تتمتع به من خيرات نهاية القرن الثاني، ويقول: إن المدينة كانت غنية بجنودها الشجعان ونخبها الذكية ومآكلها المتميزة. ويصف فيتزستيفان صفوف الأكشاك (البسطات) والمحلات التجارية التي تبيع الطعام للمسافرين على طول ضفتي نهر التيمز. وكان الناس يجدون على جانبي النهر ما لذ وطاب وما يقدم بشكل سريع وما يدل على فن الحياة المدنية.
وتقول الكاتبة ربيكا سليت بهذا الخصوص، وفي مجال الحديث عن الفرق بين طعام الريف وطعام المدن في أوروبا وبريطانيا، بأن الانتشار الدراماتيكي للتجارة والمدن في أوروبا في القرن الثاني عشر، فتح أبوابا كثيرة لسكان المدن على الأكل وعالم الطعام، إذ إن الحملة الصليبية الأولى مكنت من الاتصال والتواصل بين أهل الشرق أو بلاد الشام والأوروبيين، وبالتالي تمكن الإنجليز والفرنسيون من تطوير مذاقاتهم وتنويع استخدامهم للبهارات والمطيبات المتوفرة في بلاد الشام، كما فتحت طرقا تجارية جديدة يمكن من خلالها وصول الطعام من فلسطين وسوريا ولبنان إلى أوروبا.
كما كانت مآكل أهل الريف تختلف عن مآكل أهل المدن آنذاك، إذ كان أهل المدن يأكلون أكثر مما ينتجون مقارنة بأهل الريف. كما كان أهل المدن يشترون أكثر من أبناء الريف وكان لديهم الكثير مما يمكن لهم أن يختاروه من المآكل والخيرات. ويمكن العثور على شواهد التنوع الكبير والهائل للمآكل والخيرات آنذاك في المدن الإيطالية المعروفة كالبندقية وجنوة وغيرها. وهذا التنوع انطبق على مدينة لندن رغم بعدها عن المتوسط وخيراته. وقد ساعد على التنوع انتشار المناطق الخضراء والحدائق في المدينة كما كان الحال في باريس حيث درج أهل المدن على زرع وإنتاج ما يحلو لهم من الخضار والفاكهة.
وتذكر ربيكا سليت بشكل خاص انتشار الأفران في المدن والخبز الممتاز وانتشار شتى أنواع اللحوم والاعتماد الكبير على الأسماك، إذ إن بريطانيا ولندن بشكل خاص غنية بالسواحل والأنهار - فقد كانت المدينة قريبة من البحر ومن جميع الطرق التجارية المتوفرة. ويمكن القول: إن التنوع في أنواع الأسماك المتوفرة في لندن في القرن الثاني عشر هو أكبر بكثير مما نجده في السنوات الأخيرة أو ما توفر خلال القرن العشرين لعامة الناس.
وقد ساهمت الحروب الصليبية كما ذكرنا في انتشار البهارات والمطيبات الغالية الثمن وقد ساهم ذلك في التنافس وتنوع الأطباق التي تستخدمها، كما ساهم تباهي الطبقات الغنية بامتلاكها وخصوصا الزنجبيل والقرنفل والفلفل الأسود والزعفران والسكر بتنوع المطابخ الملكية وبعض المطاعم.
ومع هذا ظل الناس بشكل عام في بريطانيا بعد القرون الوسطى يأكلون ما يزرعون، ولم تظهر بعض الأطباق المتميزة والتي تحمل هويتها الخاصة بها إلا لاحقا في القرنين الثامن والتاسع عشر.
بالطبع هناك الكثير من الأطباق البريطانية والإنجليزية التقليدية والكلاسيكية كالغنم بالفرن - والفطور الإنجليزي والسمك والبطاطس (فيش اند تشيبس)، لكن لندن المدينة التي تضم حاليا نحو ستة آلاف مطعم لا تملك ما يميزها عن غيرها ولا تتغنى بأي من وصفاتها أو أطباقها التي لا تعوض كما ذكرنا.
ومع هذا فإن البعض يذكر بعض الأطباق البسيطة التي درج أهل لندن وبشكل خاص أهل المناطق الشرقية الفقيرة على تناولها، مثل شوربة البازلاء المجروشة (خضراء أو صفراء) وطبق الحنكليس وكعكة تشيلسي الشهيرة.
وفيما يطلق البعض على طبق البازلاء اسم عصيدة البازلاء يطلق عليه البعض الآخر اسم شوربة البازلاء المجروشة. وبينما يتناول البعض الطبق باردا يفضله البعض الآخر ساخنا وحارا أيام الشتاء والبرد. بأي حال فإن الطبق يعتبر من الأطباق المغذية والصحية والتي تتمتع بمذاق طيب، إذ إن البازلاء لذيذة ويرغب فيها الكثير من الناس ويتمتع بها الكثير من الأذواق. تاريخيا كجميع أطباق الحبوب والبقول، كان الطبق من أطباق الفلاحين قبل أن ينتقل إلى المدينة ويصبح من أطباق الطبقة العاملة ولاحقا الطبقات المتوسطة والعليا.
وكان الفلاحون في إنجلترا وفي مدينة لندن بشكل خاص يغلون البازلاء في قدر كبير فوق النار مع بعض ما توفر من الخضار للحصول على العصيدة، وفيما كان يغلي في الليل يصبح باردا في اليوم التالي مع انطفاء النار. ويعاد إشعال النار من جديد وإضافة المزيد من الخضار إلى نفس القدر، وتتم العملية لمدة تسعة أيام - وكان البعض يفضل الشوربة أو العصيدة بعد تسعة أيام من الطبخ وإعادة الطبخ كما يرغب البعض في إعادة غلي الشاي عدة مرات ولعدة أيام.
وبالطبع كان البعض يفضل البازلاء الخضراء رغم طعمها الخشن، ويفضل البعض الآخر البازلاء الصفراء المجروشة لمذاقها الحلو نسبيا، وقد درج الكثير من أهل لندن على تناول الأصفر منها لهذا السبب بالذات. ولطالما ارتبط اسم العصيدة أو الشوربة الصفراء باسم «شوربة البازلاء الخاصة بلندن - London Particular Pea Soup» لتشابه كثافتها واصفرار لونها بضباب لندن في الخمسينات والذي كان يطلق عليه اسم «London Particular».
يتم تحضير النسخة الحديثة من شوربة البازلاء عبر قلي بعض الثوم والبصل بزيت الزيتون على نار هادئة لمدة ثلاث دقائق، قبل أن يضاف إلى القدر بعض البطاطا والجزر المقطع قطعا صغيرة ويقلب الخليط معا لمدة دقيقتين.
بعد ذلك تتم إضافة البازلاء واللحم وإضافة الماء والغلي لمدة أربعين دقيقة مع بعض الملح والفلفل الأسود المطحون.
أما طبق الحنكليس اللزج - Jellied eels الذي يعتبره البعض من أطباق لندن الأصلية، فهو من الأطباق التي تنتشر في الدنمارك وألمانيا وفرنسا ويقدم مع خل البلساميك والفلفل الحار. ومع هذا فهو يرتبط بالمدينة بشكل عضوي إذ إن انتشاره في القرن التاسع عشر جاء نتيجة التلوث في نهر التيمس الشهير الذي كان يعتبر الشريان الحيوي تجاريا وغذائيا للمدينة منذ قرون طويلة. فقد كان الحنكليس من أنواع السمك القليلة التي كانت قادرة على العيش في النهر الملوث بشكل لا يوصف. كما كان هذا الطبق من الأطباق المغذية والمفيدة والرخيصة للطبقات الدنيا. وكان يتم تناول الحنكليس على حدة وأحيانا في فطائر الفرن وأحيانا أخرى إلى جانب البطاطا المهروسة.
بأي حال، فإن الحنكليس اللزج من أطباق إنجلترا القديمة والتقليدية التي انتشرت في القرن الثامن عشر وبشكل خاص في الأحياء الشرقية الفقيرة. ويضم الطبق قطعا من الحنكليس المغلية في مرق مبهر والتي تترك لتبرد وتشكل قطعا لزجة، قبل تناولها. وقد انتشرت مطاعم تقديمه أو الحانات الخاصة به في لندن في منذ القرن الثامن عشر كما سبق وذكرنا، وكان هناك ما لا يقل عن مائة مطعم خاص بالحنكليس اللزج في لندن عند نهاية الحرب العالمية الثانية ولا يزال مطعم «منزي- Manze» الذي افتتح في العام 1902 شاهدا على هذا النوع من المطاعم والأطباق النادرة والغريبة. يتم تحضير الطبق عبر غلي قطع الحنكليس في الماء والخل لتحضير المرق، ويضاف إليه جوز الطيب وعصير الحامض قبل أن يترك ليبرد.
وفي المطاعم السريعة يتم بيع قطع الحنكليس إلى جانب البطاطا المهروسة وفطيرة لحم البقر مع الخل الحار والفلفل الأبيض المطحون.
أما كعكة تشيلسي فإنها من الحلويات التي انتشرت أيضا في القرن الثامن عشر في منطقة تشيلسي في لندن الغربية وبشكل خاص من «بيت الفطيرة» الشهير في المنطقة والذي كان خاصا بخدمة الأغنياء والعائلة المالكة.
وبشكل عام يتم تحضير كعكة تشيلسي، من عجينة غنية بالخميرة مع قشور الليمون والقرفة وعدد من البهارات (حسب الذوق) بالإضافة إلى الزبدة والسكر البني. وتشبه عملية تحضير الكعكة عملية تحضير لفافة القرفة الشهيرة، إذ بعد تحضيرها يتم تزجيجها أو صقلها بالماء البارد والسكر ما دامت حارة لتبخير مائها وزيادة طعمها الحلو.



«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».


«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
TT

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمَّ إعلان هذا الفوز خلال حفل «أفضل 50 مطعماً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» السنوي، برعاية «سان بيلليغرينو وأكوا بانا».

وتُوِّج بالفوز مطعم «Khufu’s»، الذي يترأس مطبخه الشيف المصري مصطفى سيف، الذي عبَّر عن سعادته العارمة بعد إعلان هذا الفوز المستحق.

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» قال الشيف مصطفى سيف إنه سعيد جداً بهذا الفوز؛ لأنه استطاع من خلاله وضع المطبخ المصري، ولأول مرة، على خريطة الطعام العالمية، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتبوأ فيها مطعم مصري المرتبة الأولى في حفل جوائز على هذا القدر من الأهمية.

الشيف طارق علم الدين من مطعم "بايروت" (الشرق الاوسط)

ووصف سيف مطبخه وطعامه بأنه يحتفي بنكهات وطقوس وادي النيل، مع إضافة لمساته العصرية، وإعادة صياغته بطريقة تناسب ذائقة الأجانب والسياح وأهل البلد، على حد سواء.

ويعكس صعود «Khufu’s» اللافت إلى المرتبة الأولى قدرته الاستثنائية على إعادة ابتكار الأطباق المصرية بأسلوب راقٍ ومُتقن، مع عناية دقيقة باختيار أجود المكوّنات وصياغة سردٍ معاصر يستمدّ وحيه من التراث المصري.

وقال الشيف مصطفى إن موقع المطعم على مقربة من الأهرامات، يحتِّم على الأطباق أن تكون مناسبةً للجميع لأن المنطقة سياحية جداً، وأضاف: «أستخدم في أطباقي المنتجات المصرية المحلية، ولكني قمت باستبدال بعض المكونات الثقيلة مثل السمن ليحل محلها زيت الزيتون؛ لأجعل الطعام خفيفاً على المعدة من دون التغيير الجذري بالوصفات التاريخية المصرية الأصيلة».

الفائزون من المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط)

«خوفو» يجمع في أجوائه بين فن الطهي المصري الحديث وإحدى أشهر الوجهات في العالم. ومن هذا الموقع الاستثنائي، يقدّم «Khufu’s» تجربةً تُجسِّد الملامح المعاصرة للمطبخ المصري.

تَصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى كان مفاجأةً حقيقيةً للحضور وللشيف مصطفى نفسه، فهذه هي المرّة الأولى التي يتصدَّر فيها مطعم من مصر هذه القائمة المرموقة، إذ تعكس فلسفة الطهي التي يتّبعها، والمُستلهَمة من عمق الثقافة المصرية والغنية بتقاليدها، والمُنفَّذة برؤية عصرية متقنة، أرقى ما يمكن أن تقدِّمه المنطقة العربية للعالم. تُبرز قائمة هذا العام اتّساع أفق الإبداع في مجال الطهي ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع صعود لافت لوجهاتٍ تشهد زخماً متجدّداً، من السعودية والقاهرة ومراكش إلى عمّان وبيروت.

هذا العام سجَّلت مصر إنجازاً لافتاً، فإلى جانب تصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى، جاء مطعم «Reif Kushiyaki Cairo» في المرتبة الـ20، مسجِّلاً قفزةً كبيرةً من العام الماضي، بالاضافة إلى «Kazoku»، و«Zooba»، و«Sachi Cairo»، ما يعكس تقدُّم مصر المستمرّ بوصفها وجهةً بارزةً لتجارب الطعام.

ضمت القائمة 16 اسماً جديداً هذا العام، إلى جانب مطاعم فائزة من 14 مدينة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصد مطعم «Beihouse» في بيروت جائزة «Highest New Entry Awards»، بعد ظهوره الأوّل بالقائمة في المرتبة الخامسة.

مجموعة من الطهاة الفائزة بجوائز مختلفة (الشرق الاوسط)

وتتابع المملكة العربية السعودية مسيرتها التصاعدية في مشهد الطهي الإقليمي، مع حضور قوي لعدد من مطاعمها على القائمة. فقد حصد مطعم «Kuuru» جائزة «أفضل مطعم في المملكة العربية السعودية لعام 2026»، بينما حافظ كلّ من «Marble» على المرتبة 12 وجاء «Myazu» في المرتبة الـ45. أما لبنان، فيؤكّد من جديد صلابته وإرثه العريق في مجال الطهي من خلال مطاعم «Beihouse»، و«أم شريف»، و«بوكو»، ما يرسّخ مكانة بيروت مرجعاً أساسياً في المطبخ الشامي.

كذلك، يواصل المغرب تألّقه هذا العام، حيث تركت مدينة مراكش أثراً بارزاً عبر مطعم «La Grande Table Marocaine» الحائز جائزة «Art of Hospitality Award 2026». وفي الأردن، سجّلت العاصمة عمّان حضوراً لافتاً على القائمة من خلال مطاعم «Alee،» و«شمس البلد» و«دارا دايننغ باي سارة عقل»، في انعكاسٍ واضحٍ لمسار المدينة المتصاعد في مشهد المطبخ المعاصر.

وتُستكمل القائمة بدخول عدد من الأسماء الجديدة البارزة من الكويت، والبحرين، وتونس وقطر، من بينها «مطبخي» و«Cantina»، و«Lyra» من المنامة، إلى جانب «Le Golfe» من المرسى، و«Idam» من الدوحة، ما يُبرز تنوّع أساليب الطهي في مختلف أنحاء المنطقة.

ونالت الشيف سارة عقل جائزة «MENA's Best Female Chef Award»، كما فاز كلّ من عمر ووسيم أورفلي شيف الحلويات التنفيذي وشيف تطوير الحلويات في مطعم «Orfali Bros»، بجائزة «MENA’s Best Pastry».

نالت سلام دقام، الشيف ومؤسِّسة مطعمَي «سفرة مريم» و«بيت مريم» جائزة «Sevenrooms Icon Award». وفاز مطعم «Farmers» في المغرب بجائزة الاستدامة.

سلّطت نسخة هذا العام من الجوائز الضوء أيضاً على 3 جوائز خاصة. فقد نالت منى حداد، مؤسِّسة شركة «Baraka Destinations»، جائزة «Champions of Change Award»، تكريماً لمقاربتها الريادية والمجتمعية في قطاعَي الضيافة والسياحة في الأردن. فيما حصد «Middle Child» جائزة «One To Watch Award»، احتفاءً بروحه المجتمعية الدافئة وما يحمله من إمكانات واعدة في السنوات المقبلة.

عملية التصويت

تتولّى أكاديمية (أفضل 50 مطعما) وضع قائمة الترشيحات، وهي مجموعة مؤلفة من 250 خبيراً في قطاع المطاعم من 19 دولة في المنطقة، تم اختيارهم بفضل خبراتهم المهنية في مطاعم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تنقسم ألاكاديمية إلى 5 مناطق: الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، والمشرق، وشمال أفريقيا (شرق) وشمال أفريقيا (غرب). ولكلّ منطقة لجنة خاصة يترأسها رئيس مجلس إدارة يُسمى «رئيس الأكاديمية (Academy Chair)»، إلى جانب مؤلفين، ونقّاد، وطهاة، وأصحاب مطاعم وذوّاقة رفيعي المستوى. يصوّت كل عضو لما يصل إلى 10 مطاعم لقائمة عام 2026، شرط أن يكون ما لا يقل عن 4 منها خارج البلد الذي يوجد فيه. ولكي يتم إدراج المطعم في القائمة، يجب أن يحصل على أصوات من أكثر من دولة واحدة داخل المنطقة. ولن يكون للجهات الراعية للفعالية أي تأثير على عملية التصويت.