مصادر غربية تحمل دي ميستورا مسؤولية التخبط

كلام عن أن تعجل المبعوث الدولي عقد المؤتمر راجع لرغبة أميركية

جانب من اجتماعات جنيف بين وفدي المعارضة والنظام بحضور مبعوث الامم المتحدة ستيفان دي ميستورا أمس (أ.ف.ب)
جانب من اجتماعات جنيف بين وفدي المعارضة والنظام بحضور مبعوث الامم المتحدة ستيفان دي ميستورا أمس (أ.ف.ب)
TT

مصادر غربية تحمل دي ميستورا مسؤولية التخبط

جانب من اجتماعات جنيف بين وفدي المعارضة والنظام بحضور مبعوث الامم المتحدة ستيفان دي ميستورا أمس (أ.ف.ب)
جانب من اجتماعات جنيف بين وفدي المعارضة والنظام بحضور مبعوث الامم المتحدة ستيفان دي ميستورا أمس (أ.ف.ب)

لم يكن الطقس «الربيعي» الذي خيم على مدينة جنيف السويسرية أمس هو الذي عرقل انطلاق مفاوضات جنيف3، بل كان السبب المطبات الهوائية السياسية التي أضفت أمس على مقر الأمم المتحدة شيئا من «السوريالية السياسية». فالناطق باسم الأمم المتحدة، أحمد فوزي، قال قبيل ظهر أمس للصحافيين الذين تدفقوا بالعشرات منذ الصباح الباكر على المقر، إن «المفاوضات ستبدأ كما هو مقرر، ولكن ليس لدي أي توقيت وليس لدي مكان ولا أستطيع أن أخبركم بشيء عن الوفود (المشاركة)، ولكن سيتوفر لدينا المزيد من الأخبار في وقت لاحق هذا الصباح». بيد أن هذه «التفاصيل» لم تأتِ. والتعويل كان على خولة مطر، الناطقة باسم المبعوث الدولي الخاص بسوريا التي أصدرت بيانا لم يحمل أي بجديد، بل ضاعف من الغموض والبلبلة. والأمر الوحيد الذي أكدت عليه هو أن المحادثات ستنطلق الجمعة، وذلك بلقاء مع وفد الحكومة السورية الذي وصل صباحا إلى جنيف برئاسة مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، الذي كان نفسه على رأس الوفد الحكومي في جنيف2.
وجاء في بيان خولة مطر أن ستيفان دي ميستورا «سيواصل الاجتماعات مع المشاركين الآخرين في المحادثات ومع ممثلي المجتمع المدني تباعا» في إطار محادثات غير مباشرة، ما يعني أن «جميع الأطراف سوف تجتمع معه كل على حدة». لكن هنا أيضًا، لا معلومات عن الجهات المشاركة ولا هويتها ولا عددها.
إزاء هذا الوضع المتذبذب، قالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، إن جنيف3 «بدأ بداية سيئة لا تحمل أية تباشير بتحقيق شيء ما». وترى هذه المصادر أن اللوم «يقع على المبعوث الدولي» ستيفان دي ميستورا الذي «لم يجب بشكل مرضٍ عن التساؤلات والاستفهامات» التي طرحتها المعارضة عليه وعلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في رسالتين منفصلتين. وجاء الجواب الأول من دي ميستورا «مقتضبا ولا يرد على كل التساؤلات». لذا، أصرت المعارضة على انتظار جواب من بان كي مون شخصيا للحصول على الضمانات التي تريدها. إلا أن دي ميستورا تدخل مجددا ليقول للهيئة العليا للمفاوضات، في رسالة شفهية، إنها «لن تحصل على شيء إضافي أكثر من الذي قبله هو شخصيا».
حتى عصر أمس، كانت الوفد المعارض «ينتظر أن يحصل شيء ما» ليبرر مجيئه أو مجيء أشخاص من الهيئة إلى جنيف لتجنب الاتهامات بأنه «أفشل» المفاوضات بينما هو لا يستطيع أن يقدم على خطوة كهذه وأن يبررها إزاء جمهوره من غير أن يقدم له إنجازا مسبقا مثل وقف القصف على المدنيين أو رفع الحصار عن محلة أو قرية أو إيصال مساعدات إنسانية.. لكن المصادر الغربية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنه «من الواضح» أن النظام ومعه الجانب الروسي «لا يريدان إعطاء المعارضة أي شيء»، لا بل إنه من المرجح أنهما تريدان دفع المعارضة والهيئة العليا للمفاوضات إلى عدم المجيء إلى جنيف من أجل إجهاض المؤتمر وكسب الوقت وتلافي الأسئلة المحرجة.
هذا، وكان وفد النظام الذي يضم 16 شخصا يرأسه المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة قد وصل إلى جنيف بداية بعد ظهر أمس والتقى المبعوث الدولي ومساعديه الساعة الخامسة لمدة تزيد على الساعة. وبحسب أوساط دي ميستورا، فإنه كان من المقرر أن يلتقي الأخير ممثلين عن «المجموعة الثالثة» أي المعارضة المدعومة روسيا. لكن المصادر الغربية كشفت لـ«الشرق الأوسط» أن المبعوث الدولي وعد الهيئة العليا للمفاوضات شفهيا أنه لن يلتقيها قبل أن تبدأ المحادثات أو المفاوضات في جنيف. ووفق ما تعتقده، فإن إقدامه على خطوة من هذا النوع من شأنها أن تؤلب الهيئة ضده علما أنها تعتبره «ينفذ أجنده روسية أميركية ولا يأخذ مواقف المعارضة بعين الاعتبار بما فيه الكفاية».
وقالت مصادر من المعارضة، إن دي ميستورا وجه رسالة إضافية إلى «الهيئة العليا» يحثها فيها على المجيء إلى جنيف. لكن لم يفهم ما إذا كانت قد أجابت عن تساؤلاتها ومطالبها. وأفادت مصادر دبلوماسية وأخرى من المعارضة أن الأخيرة «تتعرض أكثر فأكثر لضغوط» خصوصا من الطرف الأميركي. إلا أنه تجد نفسها في وضع «غير مريح إن قبلت المجيء كوفد مفاوض أو فضلت الانتظار حتى تتبين الأمور. ويوجد في جنيف مجموعة من ممثلي الدول الغربية والعربية الذين يشكلون «الحلقة الضيقة» من الداعمين للمعارضة بهدف التشاور ومواكبة التطورات وتقديم النصح و«تذليل» العقبات. وقد عقدت هذه المجموعة لقاء مطولا ظهر أمس وكان من المنتظر أن تلتقي المجموعة المبعوث الدولي عقب انتهاء اجتماعه مع وفد النظام.
من جهة ثانية، كان لافتا أن الهيئة العليا للمفاوضات، بعد ثلاثة أيام من المناقشات المكثفة في الرياض، ظهرت بعض التشققات والاتهامات بين أعضائها. فقد اعتبر حسن عبد العظيم، رئيس هيئة التنسيق الوطنية، أن رياض حجاب، المنسق العام للمفاوضات «لا يعبر عن رأي الأكثرية في الهيئة» التي تريد الذهاب إلى جنيف، بل إنه «يتأثر» بمواقف خارجية وأضاف أن «الاتجاه العام هو الذهاب إلى جنيف» من أجل تحقيق شيء ما في الملف الإنساني ووقف النار.. لكن أوساط المعارضة في جنيف عزت تصريحات عبد العظيم لوجوده في دمشق مشيرة إلى أنه «دأب» على هذه الممارسات منذ فترة ليست بالقصيرة وأن همه «عدم إغضاب النظام».
وما بين «وفد لوزان» الموجود في سويسرا منذ عدة أيام الذي سينظر إليه ليس على أنه وفد مستقل، بل لجنة استشارية، وبينهم هيثم المناع وقدري جميل ورندة قسيس وآخرون، وممثلي المجتمع المدني ووفد الحكومة ووفد الهيئة العليا الذي تأرجحت أخباره حتى المساء ما بين «سيصل» أو لن يتحرك، ظهر للكثيرين، أن جنيف3 «استنفد قبل أن يبدأ». وقالت المصادر الغربية إن دي ميستورا «غامر بإصراره على الدعوة إلى المفاوضات وإلى ضرورة أن تبدأ قبل نهاية شهر يناير (كانون الثاني) وفق ما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي قبل أن يوفر لها الشروط التي تكفل بأن تخرج بنتيجة إيجابية ما لا تنتهي قبل أن تبدأ». وأخذت عليه هذه المصادر «استعجاله». وفي أي حال، ترى هذه المصادر في استعجال دي ميستورا «استجابة لرغبة أميركية» بالدرجة الأولى لأن الوزير جون كيري «يؤمن بفضيلة وضع الناس وجها لوجه»، وهو يعتبر أنه رغم الخلافات فإن وجود الفرقاء المتقاتلين وإن في غرف منفصلة «يمكن أن يفضي إلى إحداث تقدم في حائط الأزمة السورية». وعلمت «الشرق الأوسط» أن المعارضة طلبت من دي ميستورا مفاوضات «وجها لوجه» لطن الأخير فضل أن يقوم بدور الوسيط بين الوفد مخافة الفشل السريع. لكن مصادر أخرى أفادت بأن النظام هو من كان وراء طلب المفاوضات غير المباشرة «لأنه لا يريد أن يوجد وفده وجها لوجه مع إرهابيين» باعتبار أن وفد المعارضة يضم عسكريين وهو ما أرادته الأمم المتحدة نفسها لكي تحصل على ضمانة بأن ما سيتقرر يمكن تنفيذه ميدانيا.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.