مؤتمر مراكش حول حقوق الأقليات الدينية يدعو إلى الاستفادة من التجربة التاريخية الإسلامية

ركز على المواطنة المتساوية في الواجبات والحقوق بدل صراع الأقلية والأكثرية

جانب من أشغال مؤتمر «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة» في مراكش (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
جانب من أشغال مؤتمر «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة» في مراكش (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
TT

مؤتمر مراكش حول حقوق الأقليات الدينية يدعو إلى الاستفادة من التجربة التاريخية الإسلامية

جانب من أشغال مؤتمر «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة» في مراكش (تصوير: عبد الرحمن المختاري)
جانب من أشغال مؤتمر «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة» في مراكش (تصوير: عبد الرحمن المختاري)

اتفقت المداخلات المبرمجة ضمن أشغال مؤتمر «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية.. الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة»، الذي تحتضنه مراكش، وتختتم أعماله اليوم، على أن الأديان في حقيقتها جاءت لترسيم الخير، القائم على العدل والاعتدال، والتنافس فيه على أساس كوني لا على أساس التناحر الطائفي.
وشكلت مختلف جلسات المؤتمر فرصة لرصد التحولات التي يعرفها عالم اليوم، والأزمات التي تتهدد الإنسان في ما يتعلق بمعنى الحياة والوجود، حيث لاحظ أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي، في كلمة تأطيرية أن العالم المعاصر جرب أنماط عيش وسلوك وتفكير، لكنه يواجه أزمات تهدده، وقد تدفع بالإنسان على نطاق واسع إلى الاهتمام من جديد بمعنى الحياة والوجود، مشددا على أن «الإنسان سيحتاج في اهتمامه المتجدد هذا إلى مساعدة الأديان لكي تقدم له جوابها مصحوبا ببرهان»، وأشار إلى أنه «لن يكون للأديان برهان إلا إذا ابتعدت عن التنافر والعدوان فيما بينها».
وفي ارتباط بموضوع المؤتمر، سجل الوزير المغربي أن «العلماء يعولون إلى جانب السياسيين، على استعمال قدرتهم كوعاظ لتقوية الوازع من أجل كسب الجمهور الواسع من المسلمين لاستخدام صوتهم الشرعي والمشروع لكسب رهان قضية حقوق الأقليات»، كما أن العلماء والسياسيين، يضيف التوفيق.. «يعولون على كسب تعبئة الإعلاميين حول حقيقة أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أن الدين يجيز له أن يمس بحقوق الأقليات الدينية في بلاد الأغلبية الإسلامية».
ورغم أن موضوع مؤتمر مراكش يتناول «حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية»، فقد تشعب النقاش ليلامس قضايا لها ارتباط بأشغال المؤتمر، حيث تم التنبيه إلى ما تعيشه الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، مع التشديد على أن التصور لن يتكامل إلا حين تضاف إليه معالجة حقوق الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية. وفي هذا السياق، سجل التوفيق أن الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية «تتفاوت في التمتع بالحقوق بحسب البلدان، من الإنكار التام للحقوق، إلى الحياد إلى درجات متفاوتة من التمكين حتى في إطار التساوي في الحقوق المدنية التي تكفلها المواطنة في بعض البلدان».
من جهته، دعا المطران منيب يونان، ممثل الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن وفلسطين، إلى «عدم التركيز على ثنائية (الأقلية والأكثرية)، بل على (المواطنة المتساوية في الواجبات والحقوق)، وإلى (تبني مبادرة المواطنة الكاملة في جميع دول العالم، للجواب على الإقصائيين، وتطبيقًا للمواطنة المتكافئة والحاضنة للتنوع»، محذرا من أن «تقسيم المجتمع إلى (أقلية) و(أكثرية) يعد خطرا على المجتمعات العربية»، ومشددا على أن «الوطن يبقى من مسؤولية جميع مواطنيه وليس (الأكثرية) دون (الأقلية)».
كما شكلت أشغال المؤتمر فرصة دعا من خلالها بعض المشاركين إلى توجيه نقد ذاتي لعلاقة المسلمين بعضهم بعضا، وفي هذا الصدد قال الشيخ مصطفى سريش، المفتي العام السابق لجمهورية البوسنة والهرسك إنه يتوجب «علينا أن نتبادل نحن المسلمون كيف نتسامح مع بعضنا، وأن نتعلم كيف نحترم ونقدر بعضنا»، مشيرا إلى «أننا لا نحترم بعضنا كما يفعل الآخرون».
وقال أندري أزولاي، مستشار العاهل المغربي الملك محمد السادس، إن «الوقت قد حان لقول الحقيقة، حقيقتنا وحقيقة التنوع الذي يعرفه المغرب ويعيشه»، مشددا على أن «الرسالة النابعة من المغرب، اليوم، تشكل أداة مقاومة لمن يريد تهديد قدرتنا على العيش المشترك، ونقطة انطلاق لكي يكتشف الآخرون عمق وغنى الحضارة الإسلامية، وأنا أقول هذا الأمر كمواطن مغربي من أصول يهودية، وانطلاقا من مسار طويل مشترك شاهد على حقيقتنا»،
وعن سبل تصحيح الصورة النمطية والمشوهة عن الإسلام في الغرب، قال أزولاي «يجب أن تكون لنا القدرة على التواصل مع الآخر. علينا أن نقول للآخرين إن الوقت قد حان لكي نفتح كتاب التاريخ، وأن نعود إلى أصل التعاليم وإلى القيم التي يحملها كل واحد منا في عقيدته».
وشكلت الجلسة العامة الثالثة فرصة لاستعراض «التعايش في التجربة التاريخية الإسلامية»، وذلك من خلال التجربتين العثمانية والمغربية في التعايش بين الأديان.
من جانبه، تحدث الدكتور أحمد شحلان عن حضور اليهود في تاريخ المغرب، مشيرا إلى أن تاريخ بلاده لم يعرف المسيحية في فترات قديمة، كما هو الحال في كثير من بلاد المشرق الإسلامي، بل عرفها في فترة قريبة، ارتبطت بالاستعمار الفرنسي، كان فيها أهله هم «الأكثرية المهيمن عليها». وتحدث شحلان عن نشاط اليهود داخل المجتمع، وأين كانوا يتعلمون وما أنتجوه من فكر على مدى تاريخ المغرب، مشيرا إلى أن وجود اليهود في هذا البلد قديم جدا، يعود إلى التاريخ الذي اختار فيه الأمازيغ التوحيد على الوثنية.
ويطمح مؤتمر مراكش إلى «أن يكون أول إحياء تاريخي لوثيقة المدينة المنورة في مقاصدها ومراميها العميقة على ضوء المواثيق الوطنية والدَّولية، وباستلهام التجارب المشرقة والريادية في تدبير التعددية»، لذلك ينتظر أن يؤكد إعلان مراكش، الذي يتوج اليوم، أشغال المؤتمر، على عدم توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية.
وتحدث عبد الرحيم منار السليمي، رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، لـ«الشرق الأوسط»، عن سياق تنظيم مؤتمر مراكش، فقال إنه «مرتبط بالأحداث والوقائع التي عاشتها بعض الأقليات الدينية داخل عدد من البلدان الإسلامية، أو الأقليات المسلمة داخل البلدان غير الإسلامية»؛ ورأى أن «فكرة المؤتمر تقوم على العودة إلى التاريخ، وإلى صحيفة (المدينة) لإعادة قراءتها، أولا، كتراث إسلامي من داخل الشرعية الإسلامية، وربطها، ثانيا، بمقتضيات حقوق المواطنة والدساتير، بعد أن لاحظنا حديثا متناميا عن الدساتير الوطنية، لتحديد العلاقة بين الدولة الوطنية والدين، ثم إعادة تحديد مفهوم الأمة كرابطة قائمة على وجود اعتقاد مشترك بين مجموعة أشخاص، ومحاولة إعادة صياغة هذه الفكرة والبحث عن آليات جديدة لإدماج الأقليات في كل البلدان، سواء ذات الأكثرية المسلمة أو التي تعيش فيها أقليات مسلمة».
ولاحظ السليمي أن «مؤتمر مراكش عرف نقاشا فكريا وسردا لوقائع، تم ضمنها سرد النموذج المغربي، باعتباره نموذجا للتعايش والتسامح، وختم بالتأكيد على أن مؤتمر مراكش، المرتبط بسياق اضطهاد الأقليات في مجموعة من الدول وبنزعات تطرف حاولت أن تفرض قراءة معينة للدين، هو «جواب يرى أن الشريعة الإسلامية بإمكانها أن تتعايش مع مواثيق حقوق الإنسان، وأن تكون مصدرا للدساتير إلى جانب القوانين الوضعية، داخل الدول الإسلامية، بغض النظر عن الديانة التي يحملها شخص معين».



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.