لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب

قلّص الصراع على الزعامة بين «القوات» وعون.. وعمّق الخلاف بين جعجع وفرنجية

لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب
TT

لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب

لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب

أيقظت الخلافات على أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية في لبنان، أخيرًا، ذاكرة الحرب اللبنانية التي انتهت في العام 1990. وأيقظت معها الانقسامات المسيحية المعنية بالملف الرئاسي، وذلك على ضوء الخصومة بين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع والمرشح الرئاسي النائب سليمان فرنجية، الذي يرفضه جعجع، ما دفع الأخير لترشيح رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون للانتخابات الرئاسية. وفي تلك الخطوة المفاجئة، قفز جعجع أيضًا فوق أحداث الماضي، وحرب «الإلغاء» التي قادها عون ضد جعجع في العام 1990، والخصومة السياسية مع عون التي استمرت حتى وقت مبكر من العام 2015، وبدأت تتقلص الفوارق، حين بدأ الحوار بين الطرفين، وأنتج في الثاني من يونيو (حزيران) الماضي، ورقة إعلان نوايا بينهما.

شكل إعلان الدكتور سمير جعجع، رئيس حزب «القوات اللبنانية»، ترشيحه غريمه السياسي اللدود في الشارع المسيحي رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون لمنصب رئيس الجمهورية صدمة في لبنان. وهدد هذا الترشيح أيضًا التحالفات السياسية القائمة بين فريقي 8 و14 آذار، وحمل بذور تحالفات أخرى، إذ أفرز «تحالفًا مسيحيًا قويًا»، بالنظر إلى حجم تمثيل عون وجعجع في الشارع المسيحي، في مقابل تلاقٍ سياسي مستمر بين رئيس البرلمان نبيه برّي، ورئيس تيار «المستقبل» ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
التطور الأخير حرّك جمود الملف الرئاسي اللبناني المستمر منذ 25 مايو (أيار) 2014، تم خلالها تداول أسماء كثيرة للمقعد الأول في لبنان، من غير أن يكون لأحد من تلك الأسماء التي ناهزت الثمانية، حظ وافر في المعركة الرئاسية. بدأ التداول أولاً في أربعة أسماء تمثل أربعة رؤساء لأحزاب سياسية فاعلة في البلاد، هي عون وجعجع وفرنجية، إضافة إلى الرئيس السابق لحزب «الكتائب» والرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل. تلك الأسماء، وردت بعد لقاءات جمعت الأربعة في مقر البطريركية المارونية في بكركي، ليبدأ تداول أسماء أخرى من خارج الاصطفافات، أطلق عليها اسم «مرشحون توافقيون»، مثل الوزير الأسبق جان عبيد، وقائد الجيش العماد جان قهوجي، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والوزير الأسبق دميانوس قطار.
لكن خطوة الرئيس سعد الحريري، وهو حليف جعجع في قوى 14 آذار، بتبني ترشيح فرنجية للرئاسة، رغم أنه ترشيح غير رسمي، خلط الأوراق السياسية في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وهو ما دفع - حسب البعض - جعجع للرد، بترشيح عون، رسميًا، مطلع الأسبوع الحالي. وأعادت هذه الخطوة السجالات المسيحية المنبعثة من ذاكرة الحرب اللبنانية، إلى المربع الأول.

* نهاية خلافات عون ـ جعجع
الخلافات بين عون وجعجع، طويت، إلى حد بعيد، في ترشيح الأخير لـ«الجنرال» الذي ترأس خلال فترة الحرب حكومة عسكرية، شغلت الفراغ الرئاسي إثر انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل في العام 1988. وعلى إثرها، انقسم البلد آنذاك إلى معسكرين، وباتت هناك حكومتان، قبل أن يجتمع الأفرقاء برعاية المملكة العربية السعودية في مدينة الطائف، حيث توصلوا إلى اتفاق عُرف باسم «اتفاق الطائف» في العام 1989. وافق عليه جعجع، ورفضه عون بحجة أنه قلّص صلاحيات المسيحيين في لبنان. وكان الانقسام المسيحي على اتفاق الطائف، بمثابة الشرخ الأول بين الفريقين المسيحيين.
بعدها تفاقمت الخلافات بين الرجلين وتطورت إلى حرب عسكرية دموية دفع ثمنها المسيحيون، وأفضت إلى تدخل عسكري سوري في أكتوبر (تشرين الأول) 1990، أنهت حالة «التمرد» التي قادها عون، بحسب ما يقول خصومه والنظام السوري، وأدت إلى دخول القوات السورية إلى قصر بعبدا، ولجوء عون إلى فرنسا، حيث بقي حتى العام 2005.
المواجهة العسكرية بين عون وجعجع، كانت الأولى، ووقعت في أواخر يناير (كانون الثاني) 1990، تحت مسمى «حرب الإلغاء» حين كان عون رئيسًا للحكومة العسكرية، وقاد حربًا ضد «القوات اللبنانية»، تحت شعار «توحيد البندقية تحت لواء الشرعية». وفيها خاض الجيش اللبناني بأوامر من عون حربًا لطرد «القوات» من المناطق المسيحية في شرق بيروت، وهي المعركة التي مهّدت لدخول القوات السورية إلى بيروت الشرقية والمناطق المسيحية للمرة الأولى منذ بداية الحرب اللبنانية.
وتواصل الصراع السياسي بين جعجع وعون رغم خروج عون من بيروت إلى ملجئه الفرنسي في أكتوبر 1990. وبعد نفي عون في العام 1991. واعتقال جعجع في العام 1994. بدأت بوادر التقارب بين جمهوري الزعيمين المسيحيين اليمينيين، وتجسّد ذلك من خلال تنظيم مظاهرات مشتركة تطالب بخروج الوصاية السورية من لبنان، وتضاعف التقارب بمشاركة ممثلين عن الطرفين في لقاء «قرنة شهوان» ومن ثم لقاء «البريستول» في العام 2004، الذي سبق مرحلة التحولات الكبيرة في لبنان الناتجة عن اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري.
غير أن الوضع السياسي بين الطرفين سرعان ما عاد إلى التأزم في انتخابات العام 2005. حين خاض عون الانتخابات البرلمانية في مايو 2005 وحيدًا في الشارع المسيحي، بينما كان جعجع جزءًا من «التحالف الرباعي» الذي جمع تيار المستقبل عن السنة، والنائب وليد جنبلاط عن الدروز، وحزب القوات عن الأطراف المسيحية، وحزب الله وحركة أمل كممثلين للشيعة.
رغم ذلك، اجتمع عون وجعجع بعد إطلاق جعجع من السجن بموجب عفو خاص في صيف 2005، لأول مرة منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. لكن الخلافات عادت بينهما للظهور إثر توقيع عون «وثيقة تفاهم» مع حزب الله في فبراير (شباط) 2006. ووقوف عون إلى جانب حزب الله في حوادث 7 أيار 2008، حين اجتاح مسلحون تابعون للحزب شوارع بيروت والجبل. وبقي الصراع على حاله في انتخابات 2009 النيابية، وتضاعف على خلفية إسقاط عون وحزب الله حكومة الرئيس سعد الحريري في العام 2011. وفي ربيع العام 2014، تعمق الخلاف أكثر بين الطرفين، على خلفية ترشيح جعجع نفسه للانتخابات الرئاسية في وجه عون.
غير أن انطلاق الحوار الثنائي بين حزب الله وتيار المستقبل في دارة رئيس البرلمان نبيه بري، العام 2015، فتح باب التقارب بين عون وجعجع، حيث بدأ الطرفان بعقد لقاءات ثنائية، أفضت، في يونيو الماضي، إلى «ورقة إعلان النوايا» للتيار الوطني الحر الذي يتزعمه عون والقوات اللبنانية، بعد عقد أكثر من لقاء وبحثا أسس التفاهم فيما بينهما.
مبادرة الرئيس الحريري في ديسمبر (كانون الأول) 2015، الرامية إلى تأييد ترشيح سليمان فرنجية، حليف سوريا والخصم السياسي التقليدي لجعجع، للانتخابات الرئاسية، دفع كما يقال جعجع إلى تجاهل كل الخلافات مع غريمه عون. وفي الأسبوع الأول من العام الحالي، بدأت ثمرات التقارب بين الطرفين بالوصول إلى خواتيمها، حين حملت مؤشرات على قرب إعلان جعجع تأييده لترشيح عون للرئاسة، بذريعة أن عون «صاحب التمثيل الأوسع في الشارع المسيحي»، لتتحول واقعًا، في 18 يناير، حين أعلن جعجع تأييد عون كمرشح للانتخابات الرئاسية اللبنانية.

* جعجع ـ فرنجية خصومة مستمرة
في هذه الخطوة، قطع جعجع على فرنجية طريق الوصول إلى الرئاسة، من جهة المسيحيين، علما بأن التحالف الذي يؤيد فرنجية، وجله من المسلمين وبعض حلفائهم المسيحيين، قادر على إيصال فرنجية إلى الرئاسة، إذا ما أجريت انتخابات وفق نظام التصويت الأكثري في البرلمان.
ورغم أن عون وفرنجية من قوى 8 آذار، فإن جعجع برر لخطوته، بالقول: إن عون «نسخة مقلدة» من 8 آذار، بينما فرنجية نسخة أصلية. وأوضح أن الأخير هو من الشخصيات المسيحية الحليفة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ بداية الحرب اللبنانية، وصديق شخصي للأسد، ويعد من أبرز المتخاصمين مع قوى 14 آذار، فضلاً عن حسابات شخصية، مرتبطة بالعداوة بين جعجع وفرنجية، على ضوء اتهامات الأخير لجعجع بأنه مسؤول عن مقتل والده الوزير الأسبق طوني فرنجية وزوجته وولدين له ضمن ما عُرف بـ«مجزرة اهدن» في العام 1978. وهي الحادثة التي يكرر جعجع نفي مسؤوليته عن ارتكابها، مؤكدًا أنه كان مصابًا في المستشفى حين علم بوقوعها، كما ورد في تصريحات له وُثقت في كتب تؤرخ للحادثة.
قبل حادثة اهدن (شمال لبنان)، كانت الزعامات التقليدية في المنطقة، عائلية، إلى حين وصول الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية، جدّ زعيم المردة الحالي سليمان فرنجية، إلى سدة الرئاسة في العام 1970. وتحوّل الصراع على الزعامة إلى صراع الأحزاب، مع بدء حزب الكتائب، الذي كان ينتمي إليه جعجع، بالتمدد، واستقطاب المناصرين في معقل فرنجية الجد، بالنظر إلى أن «الكتائب» كان من أقوى الأحزاب المسيحية اللبنانية، وذلك بعد سنتين على اندلاع الحرب الأهلية.
بدأ «الكتائب» بالتمدد إلى الشمال الذي يعد الخزان البشري للقوى المسيحية، بحسب ما ذكر الرئيس الأسبق للحزب كريم بقرادوني في أكثر من مناسبة، علما بأن منطقة زعرتا واهدن، كانت بمثابة متنفس اقتصادي أيضًا لحزب المردة الذي يتزعمه فرنجية، المعروف بقربه من النظام السوري، والداعم لوجود قوات الردع العربية في لبنان. وإثر حوادث أمنية، كان أبرزها مقتل قيادي في حزب «الكتائب» اسمه جود البايع، شن الأخير هجومًا على معقل فرنجية في اهدن، أسفر عن مقتل طوني فرنجية وعدد من أفراد عائلته وقياديين في الحزب، وتلا الحادثة، دخول القوات السورية إلى المنطقة.
وتفاقم الصراع بين فرنجية و«الكتائب»، وخصوصًا جعجع الذي اتهمت مجموعته بقتل فرنجية، واستمر حتى هذا الوقت. وتواصلت الخصومة بين الطرفين، وتضاعفت أيضًا على خلفيات سياسية، بالنظر إلى أن جعجع من أبرز قياديي 14 آذار المسيحيين، بينما يوالي فرنجية دمشق، وهو ما أظهر أن ترشيح جعجع لعون، محاولة لإعاقة وصول فرنجية إلى الحكم، علما بأن عون يعتبر المرشح التقليدي لرئاسة الجمهورية منذ عودته من باريس، وحصد خلال دورتين انتخابيتين في 2005 و2009 أكبر حصة تمثيلية بين الأفرقاء المسيحيين في البرلمان، ولو أنه استفاد كثيرًا في الانتخابات الأخيرة من أصوات حزب الله الشيعية.

* تحالف مسيحي
يقول المسيحيون بأن انقساماتهم، منذ توقيع «اتفاق الطائف» ونهاية الحرب اللبنانية، أدت إلى تضعضعهم، وبالتالي خسارة فرصة أن يكونوا مؤثرين في السلطة، على ضوء انقسام الولاءات الداخلية بين الأحزاب والشخصيات من جهة، وانقسام القوة بين فريقي 8 و14 آذار. ومن هنا، تأتي محاولة جعجع لرأب الصدع عبر إيصال عون، الثمانيني، إلى الرئاسة، وإظهار حرصه على لم الشمل المسيحي.
يقول الباحث السياسي جورج علم لـ«الشرق الأوسط»: «جعجع يلعب بذكاء ليرث الزعامة المسيحية من خلال المصالحة مع عون، وإظهار حرصه على المسيحيين». لكن ذلك: «لا يبدو مثاليًا بالنسبة لجعجع الذي سيجد نفسه بعد عون، في داخل معركة الزعامة على جبهات ثلاث»، موضحًا أن تلك الجبهات تتمثل في «قيادات مارونية شابة هي رئيس حزب الكتائب الحالي سامي الجمل الساعي ليكون زعيما، ووزير الخارجية جبران باسيل الذي يظهر في قمة فتوته السياسية بعد وصوله إلى رئاسة التيار الوطني الحر خلفًا لعون، وطوني سليمان فرنجية الزعيم المستقبلي للمردة».
ولا يقتصر ترشيح جعجع لعون، على إيصال رئيس تكتل التغيير والإصلاح إلى سدة الرئاسة فحسب. يُنظر إليه على أنه تحالف مسيحي، يعد الأقوى، ويمثل أكثر من 75 في المائة من أصوات المسيحيين في لبنان، ومن شأنه أن يغير في خريطة التحالفات السياسية القائمة منذ العام 2005، فضلاً عن أسباب أخرى مرتبطة بالصراع على الزعامة المسيحية في لبنان.
يقول علم، إن التحالف في الشكل: «يبدو تركيزًا على الرئاسة، لكن في الوعي المسيحي المضمر، هناك قلق كبير على المصير والمستقبل للمكون المسيحي في لبنان، وبالتالي هناك بداية يقظة لاستدراك المخاطر عن طريق إعداد خطة لا تزال غامضة حتى الآن، وإن كان بعض المثقفين المسيحيين يرى بأن المصالحة التي تمت في معراب بين مكونين رئيسيين، هي الخطة الأولى في مسافة الألف ميل».
ومن شأن التحالف الجديد، أن يصيب خريطة التمثيل في مجلس النواب، حيث سيرتفع عدد النواب المسيحيين المنضوين تحت لواء التحالف الجديد وفق القانون الانتخابي الحالي، إلى 44 نائبا، بدلاً من 25 نائبا ينضوون تحت كتلة عون وكتلة القوات في الوقت الحالي، ما يعني أن هذه الكتلة في البرلمان المقبل «سيكون لها تأثير كبير داخل البرلمان».
لكن احتمالات وصول عون إلى الرئاسة، رغم التحالف المسيحي، ضئيلة. ويرى علم في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن جعجع «ما كان ليقدم على هذه الخطوة لو لم يكن وراءها دعم دولي كبير، أقله موافقة من واشنطن، كما هو الحال وراء مبادرة سعد الحريري عندما أقدم على ترشيح فرنجية». ويسأل: «ماذا يريد المجتمع الدولي تحديدا بزعامة الولايات المتحدة، عندما يسمح لقطب بارز في قوى 14 هو سمير جعجع ليدخل بمنافسة مع قطب أبرز هو الحريري؟ ويضيف: «يعني ذلك أن الحلفاء في تيار واحد أصبحوا أضدادا، وهذا يعني أن هناك نية خلط أوراق واسعة، لن تقتصر على الداخل اللبناني».
ويوضح علم: «على المستوى الإقليمي، بعد التحولات التي نشهدها على المسرح الإيراني لفك العقوبات، ومواجهة الملفات المعقدة السورية والعراقية نحو طاولات حوار وتسويات في جنيف وخارجها، هذا يعني عودة إلى المربع الأول»، مشيرًا إلى أن السؤال المطروح هنا «أين حزب الله من كل ما يجري؟ وبالتالي هل تتقدم الرئاسة على التسوية الإقليمية، أم التسوية ستكون مدخلاً للرئاسة في لبنان؟»
لا ينفي علم أن واشنطن تدعم الترشيحين، ترشيح الحريري لفرنجية، وترشيح جعجع لعون: «كي لا يصل المرشحان إلى الرئاسة التي لن يُسدّ الشغور فيها، بلا انسحاب أحدهما، لأن عون واضح في موقفه بأنه لن يشارك في جلسة الانتخابات الرئاسية في البرلمان، من غير أن يكون مرشحًا توافقيًا، لإدراكه بأن الرئيس في لبنان إن لم يكن توافقيًا، لا يستطيع أن يحكم».
ويعرب علم عن اعتقاده بأن الأميركيين، بدعم الترشيحين: «سيذهبون إلى مرشح ثالث، هو مرشح تسووي، من خارج الأسماء الأربعة التي طرحتها بكركي»، لافتًا إلى أن «التسوية تسقط وجود مرشح من 8 آذار». ويشير إلى أن «رضا حزب الله عن وصول شخص إلى الرئاسة لا يكفي، لأن السؤال المطروح حول ماهية الشروط السياسية التي على الحزب تقديمها، بدءًا من الخلاف حول سلاحه حتى مشاركته في معارك خارج الحدود وغيرها». ويضيف: «تبدو التسوية الرئاسية، طربوشًا لتسوية أكبر»، معربًا عن اعتقاده أنه «حتى إذا كان الأميركي يسعى لمرشح ثالث خارج الأسماء المتداولة، فإنها ستكون جزءًا من تسوية أشمل، هي توليفة وحوار سياسي كامل على الحكم في لبنان».

* الترشيحات تهدد تحالفي 8 و14 آذار
ظهر تحالفان سياسيان بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في فبراير 2005، تحالفان سياسيان هما 14 و8 آذار، أثمر توافقهما مرارًا بتشكيل حكومات، وأدى تنافرهما في مرات كثيرة إلى تعطيل الحياة السياسية في البلاد.
التحالفان، وضعا على المحك الآن بعد ترشيح جعجع الذي ينتمي إلى 14 آذار، غريمه السياسي ميشال عون الذي ينتمي إلى 8 آذار، إلى الانتخابات الرئاسية.
14 آذار، تحالف سياسي يتكون من كبار الأحزاب والحركات السياسية التي عارضت الوجود السوري في لبنان وتلقت الدعم من عدد من الدول بالأخص فرنسا والولايات المتحدة والدول العربية، ويضم تيار المستقبل الذي يرأسه الرئيس الأسبق سعد الحريري، وحزب «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب، وكان النائب وليد جنبلاط من أبرز المنضوين تحت لوائه، قبل أن يتحول إلى الموقع الوسطي إثر الانقسام الحاد بين التحالفين في لبنان.
أما قوى 8 آذار، فيقودها حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، وتيار المردة، وعدد من الأحزاب القومية وغيرها، وعرفت بولائها للنظام السوري، واكتسبت اسمها من تاريخ مظاهرة حملت عنوان «شكرًا سوريا» العام 2005.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.