علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري

«فقيه دولة» ما بعد 3 يوليو 2013.. حاصل على الدكتوراه من السوربون.. ونجح بـ«دعم مصر»

علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري
TT

علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري

علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري

لم يكن اسمه معروفًا لدى عموم الرأي العام، وربما بين كثير من القوى السياسية، قبيل الانتخابات البرلمانية التي جرت في مصر، على مدار الأشهر القليلة الماضية، فهو ليس لديه انتماء حزبي، كما أنه مُقلٌّ في الظهور الإعلامي. غير أن هذا المأخذ الذي وُصف به الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب الجديد، كان أحد الأسباب الرئيسية في التوافق عليه لقيادة مجلس يشكل المستقلون أكثر من ثلثيه، ويفتقد حزبًا سياسيًا مهيمنًا كما كان معتادًا في البرلمانات السابقة.

فاز الدكتور علي عبد العال، أستاذ القانون الدستوري المخضرم برئاسة مجلس النواب في انتخابات داخلية أجريت مع عقد أولى جلساته في 10 يناير (كانون الثاني) الحالي، وذلك إثر حصوله على 401 صوت من أصل 585 صوتًا، في ظل منافسة من 6 أعضاء آخرين، ليصبح رئيسًا لأول برلمان منتخب عقب ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، والتي أطاحت بحكم «الإخوان المسلمين».
وجاء انتخاب الرئيس الجديد الذي يعد بمثابة «مايسترو» المجلس التشريعي، كمرشح عن ائتلاف «دعم مصر»، صاحب الأغلبية البرلمانية داخل المجلس بأكثر من 380 عضوًا، والذي يقوده اللواء السابق بالمخابرات سامح سيف اليزل، إذ توافق الائتلاف على تقديم رئيس للمجلس من بين الأعضاء المنتخبين شعبيًا، وليس المعينين من قبل رئيس الجمهورية، حتى لا يقال إن رئيس الجمهورية هو من عين رئيس السلطة التشريعية، وإن كان القانون يبيح للعضو المعين رئاسة المجلس أيضًا.
أيضًا بدا للجميع أن اختيار شخصية قانونية تفقه في الأمور الدستورية هو الأنسب، حتى يتمكن من إدارة مجلس بصدد إصدار تشريعات هامة تتعلق بمستقبل البلاد، التي عاشت لنحو ثلاث سنوات بلا برلمان.
وخلال جلسته الأولى للمجلس حاول عبد العال، صاحب البشرة السمراء، أن يظهر صرامة «غير متوقعة»، عبر علو صوته ونهره للنواب المخالفين للتعليمات، حتى يفرض الهدوء تحت قبة البرلمان، لكن بمرور الوقت تبين أنها أيضًا «غير كافية» للسيطرة على مجلس مضطرب ما زال يتحسس ملامحه.
قال عبد العال، في أول كلمة له عقب إعلان فوزه برئاسة البرلمان، إنه يتعهد بأن يكون عند حسن الظن به، وأن يكون دائمًا مدافعًا عن الديمقراطية والمبادئ التي نادت بهما ثورتا 25 يناير و30 يونيو». وأضاف أن «الفصل التشريعي الذي يأتي مواكبًا لمرحلة تحول جديدة في العمل الوطني يتطلب بذل الجهود لإنجاز مجموعة من التشريعات التي أناط بها الدستور الجديد مجلسكم الموقر في كل المجالات من أجل إطلاق قوي الإنتاج. وتابع: «سأعمل على أن يكون مجلسكم منبرًا لحوار ديمقراطي راقٍ وعلينا أن نقدم نموذجًا من أجل مصلحة هذا الوطن الغالي».
اسمه بالكامل، علي عبد العال سيد أحمد (67 سنة)، وهو من مواليد 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، وتعود أصوله إلى محافظة أسوان (جنوب مصر). ويتمتع رئيس البرلمان الجديد بخبرة قانونية علمية وعملية كبيرة، فقد حصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1972، ثم دبلوم القانون العام عام 1973، ودبلوم القانون الجنائي عام 1974، ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة باريس الأولى - بانثيون سوربون (السوربون) عام 1984.
بدأ عبد العال ممارسة عمله وكيلاً للنائب العام عام 1973، ثم عمل معيدًا بقسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس، ومدرسًا مساعدًا بقسم القانون العام، وملحقًا ثقافيًا لمصر في باريس. وبعدها عمل خبيرًا دستوريًا بمجلس الشعب عام 1992، وشارك في المؤتمر الدولي لوضع النصوص الأولى للدستور الإثيوبي عام 1993. كذلك عمل مستشارًا للديوان الأميري لدولة الكويت من عام 1993 إلى 2011.
وتتضمن أبزر مؤلفات الدكتور عبد العال، القانون الإسلامي عام 2014، والقضاء الدستوري عام 2014، والحريات العامة عام 2014.
يمكن أن يطلق عليه لقب «فقيه دولة» ما بعد 30 يونيو، بالنظر إلى دوره البارز ومشاركته في معظم اللجان القانونية التي تم تشكيلها لصياغة القوانين التي صدرت في غيبة البرلمان، منذ حل مجلس الشعب السابق عام 2012. وكذلك عضويته في لجنة الخبراء العشرة، التي أعدت المسودة الأولى للدستور المعدل في عهد الرئيس السابق عدلي منصور، بعد 3 يوليو (تموز) 2013. ويذكر له أيضًا أنه لعب دورًا مهمًا في وضع قوانين الانتخابات الثلاثة الأخيرة (تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، ومجلس النواب، وتقسيم الدوائر الانتخابية)، وما صحابها من تعديلات بعد أن أبطلت المحكمة الدستورية العليا نسختها الأولى.
وإزاء ذلك أبدى عبد العال، من خلال حديثه لأعضاء البرلمان أثناء الجلسات المعدودة الماضية، ثقة كبيرة في أن معظم قراراته الإجرائية تتوافق مع نصوص القانون والدستور. ولقد ظهر ذلك في ترديده أكثر من مرة عبارة «أنا اللي كتبت الدستور» لحسم أي جدل قانوني داخل المجلس.
كما أنه (عبد العال) لا يتخوف من حل المجلس من خلال الطعن دستوريًا في القوانين المشكلة له. فقد أكد في تصريح سابق له أن «الأمر واضح.. المحكمة الدستورية بينت نقاط العوار في تلك القوانين وتم الالتزام بتعديلها قبل إجراء الانتخابات ومن ثم لا مجال للقلق من مصير المجلس».
تاريخيًا يعد عبد العال الرئيس الـ50 في قائمة رؤساء البرلمان منذ بدء الحياة النيابية المصرية في عهد الخديو إسماعيل، والـ11 منذ إلغاء الملكية وقيام النظام الجمهوري عام 1953، حيث سبقه كل من (عبد اللطيف البغدادي وأنور السادات، والدكتور لبيب شقير)، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. و(حافظ بدوي وسيد مرعي والدكتور صوفي أبو طالب) في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. و(محمد كامل ليلة، ورفعت المحجوب، وفتحي سرور) في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. وأخيرًا سعد الكتاتني، في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي.
ويؤخذ على رئيس البرلمان الجديد ولاؤه المفرط للرئيس السيسي، بحسب معارضين، الأمر الذي قد يؤثر على تطبيقه مبدأ الفصل بين السلطات، أو أن يتجاوز في أداء مهمته الأساسية وهي مراقبة السلطة التنفيذية.
في الانتخابات الأخيرة خاض عبد العال انتخابات مجلس النواب على رأس قائمة «في حب مصر» بقطاع الصعيد عن محافظة أسوان. وتشكلت القائمة من شخصيات عامة من ضباط شرطة وعسكريين ووزراء سابقين وأساتذة جامعات، إضافة إلى أحزاب جديدة جميعها من مؤيدي الرئيس السيسي. ووجه إلى عبد العال، ضمن تلك القائمة التي تحولت إلى ائتلاف «دعم مصر» داخل البرلمان، اتهامات تتعلق بفوزهم عبر دعم الدولة وأجهزتها الأمنية ليكونوا ظهيرًا سياسيًا للرئيس السيسي. غير أنه رفض ذلك واصفًا القائمة في أحد البرامج التلفزيونية بأنها «دعم للدولة»، وأكد أن «الوضع في مصر مختلف عما سبق، ويتطلب ظهيرًا سياسيًا لتطبيق برنامج السيسي، ولن أقول إن القائمة هي ظهير السيسى، لكن ستكون الظهير السياسي فيما يحقق استقرار مصر». وعقب انتخابه رئيسًا للبرلمان بدأ مهمته بإرسال برقية تأييد لرئيس الجمهورية، قال فيها: «إن مجلس النواب في ظل الظروف التاريخية وما يواجه الوطن العربي، يؤازر منهجكم في محاربة الإرهاب، وتوحيد الصف العربي، فسر على بركة الله يا سيادة الرئيس وقلوبنا معكم، وشعب مصر يؤيد خطاكم».
وأضاف عبد العال: «نحن في مستهل العام الثاني لولايتك، كانت ثمارها تحقيق مزيد من الاستثمار، وآفاقًا جديدة للتنمية.. ويعلن المجلس تأييده لقيادتكم الحكيمة في التصدي للإرهاب، وتصديكم للمخططات الخبيثة». وتابع: «باسمكم جميعًا (النواب) أتقدم بخالص الشكر والتقدير لقائد المسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي ساند ثورة الشعب وتصدى لتحقيق آماله وطموحاته، تحية إعزاز لرجال القضاء واللجنة العليا للانتخابات ورجال الجيش حماة الوطن، والشرطة حراس الأمن الأوفياء، وترحمًا على (شهدائهم) الأبرار».
ونظرًا لحداثة مهمته تعرض عبد العال لانتقادات حادة بشأن إدارته للجلسات الأولى للبرلمان، وقال البعض إن أداءه غير الحازم بالشكل الكافي وعدم تطبيقه لائحة المجلس على وجه الدقة تسبب في خلافات حادة وحالة من الفوضى خلال الجلسات الأولى لمجلس النواب، مما فتح الباب لتعليقات لاذعة من المتابعين، تقرر على أثرها وقف بث جلسات المجلس على الهواء مباشرة.
وفي خلفية الاحتجاج على حالة الفوضى التي سادت الجلسات الأولى للمجلس تقدم النائب كمال أحمد باستقالته، معلنًا رفضه للطريقة التي تدار بها الجلسات، كما وجه النائب سري صيام، رئيس مجلس القضاء الأسبق، انتقادات حادة لعبد العال. وقال النائب المستقيل، قبل أن يتراجع لاحقًا عن استقالته، إنه استقال اعتراضًا على طريقة إدارته (البرلمان)، وتصرفات كثير من النواب، واصفا جلسة يوم الاثنين الماضي بأنها كانت «شادر بطيخ، وليست مجلس نواب». كذلك هدد أعضاء حزب المصريين الأحرار بالانسحاب لرفض رئيس المجلس إعطاءهم الكلمة أكثر من مرة، متهمينه بتهميش حزب الأكثرية (65 مقعدًا) لصالح ائتلاف الأغلبية الذي ينتمي إليه. وانتقد نواب خارج ائتلاف الأغلبية قيامه (عبد العال) باتخاذ قرارات دون الرجوع إلى النواب في أكثر من مناسبة، ومنها محاولته تشكيل 6 لجان نوعية لدراسة القوانين الصادرة في غيبة البرلمان، قبل أن يتراجع في القرار بسبب حالة الغضب التي عمت في المجلس.
ورد عبد العال على تلك الاتهامات قائلاً إن «بعض وسائل الإعلام روجت لفكرة أن الكلمة داخل المجلس يتم منحها لأشخاص بعينهم وهذا غير صحيح لأني لا أتلقى تعليمات من أحد»، مضيفًا: «محدش بيديني تعليمات وعمري ما أخدت تعليمات من حد، ومعنديش استعداد لكده، كما يروج البعض بنية سيئة». وتابع عبد العال، تعقيبًا على اعتراض النواب على عدم الانضباط في الجلسات: «نحن مضغوطون بسبب مدة الـ15 يومًا، وإذا لم ننتهِ من القوانين خلال هذه المدة سيتم حل المجلس»، قائلاً: «للأسف هناك بعض النواب يستغل هذه الضغوط ويدفع لإسقاط المجلس».
هذا، ويلزم الدستور البرلمان بالنظر في القوانين التي صدرت في غيبته وإقرارها أو رفضها خلال 15 يومًا من انعقاده، وفي حال عدم عرض تلك القوانين على المجلس تعد لاغية ويزول ما كان لها من قوة القانون بأثر رجعي. ولقد أصدر الرئيسان عدلي منصور والسيسي أكثر من 300 قانون منذ يوليو 2013، يتوجب على المجلس النظر فيها خلال 12 يومًا. ومن بين هذا العدد الضخم يوجد نحو 10 قوانين هي الأكثر إثارة للجدل على رأسها قانون التظاهر وقانون الخدمة المدنية، وقانون الإرهاب.
عبد العال قال إن قراره وقف البث المباشر للجلسات راعى أهمية إنجاز تلك القوانين، مؤكدًا أنه لا يستطيع أن يتحمل الآثار المترتبة على عدم إنجاز هذه المهمة في ضوء المسؤولية التاريخية التي تقع عاتقه. وأضاف: «لو كانت القرارات بقوانين متعلقة بقوانين اجتماعية أو صحية كان من الممكن إسقاطها وإعداد غيرها، لكنها متعلقة ببناء المؤسسات الدستورية، وبالأخص مؤسسة الرئاسة، ومجلس النواب». وتابع: «المجموعة الثانية من القرارات بقوانين متعلقة بكيان الدولة، حيث إن قانون الإجراءات الجنائية والعقوبات يأتي ضمن هذه المجموعة، وإذا لم يتم إقرارها سيتم الإفراج فورًا عن كل من ارتكب جرائم إرهابية، ولا أستطيع أن أتحمل هذه الآثار.. هذه مسؤولية تاريخية على المستوى الشخصي».
وحول أبرز القضايا الملحة على المجلس في بداية انعقاده يرى عبد العال أنه بالإضافة إلى مراجعة القوانين السابقة، يبغي التعجيل بتعديل اللائحة الداخلية للمجلس لكي تتوافق مع الدستور الجديد، وتشكيل اللجان النوعية. وأيضًا «هناك قانونان أساسيان يجب الانتهاء منهم مع بداية مجلس النواب، أولهما قانون تنظيم بناء الكنائس والثاني قانون العدالة الانتقالية».
وسيظل عبد العال، الذي يعول على خبرته القانونية ولم يثبت أن دخل في أي أمور خلافية أو معارك سياسية، في اختبار ومراقبة لمدة خمسة أعوام، هي عمر البرلمان الحالي، الأهم في تاريخ مصر الحديث.



إثيوبيا أمام اختبار «الحوار الوطني»... بعد اجتياز تحدّي الانتخابات

الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)
الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)
TT

إثيوبيا أمام اختبار «الحوار الوطني»... بعد اجتياز تحدّي الانتخابات

الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)
الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)

بعد «ماراثون» انتخابي في إثيوبيا، خلال يونيو (حزيران) الماضي، عزّز استمرار «حزب الازدهار» الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، شهدت العاصمة أديس أبابا انطلاقة «حوار وطني» غير مسبوق منذ تأسيس الفيدرالية عام 1991 لإنهاء «مظالم تاريخية بالبلاد». هذا الحوار، الذي يواجه تحدّيات أبرزها غياب مناهضي آبي أحمد، لا سيما من قادة إقليم تيغراي، يُعدّ وفق خبراء ومحللين حاورتهم «الشرق الأوسط»، بمثابة اختبار جدّي للدولة الإثيوبية ورئيس الوزراء لجهة دعم استقرار البلاد، وذلك في أعقاب انتزاع الحزب الحاكم الغالبية الكاسحة بالبرلمان التي عزّزت وضعه إثر انتخابات الشهر الماضي.

افتتح آبي أحمد مؤتمر «الحوار الوطني» منتصف يوليو (تموز) الحالي بالعاصمة أديس أبابا، وهو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها «لجنة وطنية» مكوّنة من 11 مفوّضاً، كانت قد دشنت في فبراير (شباط) 2022، بهدف «معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خصوصاً في إقليمي أمهرة وتيغراي».

المحلّل الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد يرى أن الانتخابات العامة السابقة في إثيوبيا، بحجم ونوعية المشاركة المجتمعية، كانت بمثابة استفتاء ودعم لحكومة «حزب الازدهار»، والسياسات التي ينتهجها والبرامج التي تبنّاها، ونجحت إثيوبيا في تجاوز تحدياتها ومخاوفها.

ويضيف أن «الحوار الوطني»، الذي تم الإعداد والتهيئة له بشكل منظم، يمثّل قطاعاً عريضاً ومناطق مختلفة، ويعبّر عن معظم شرائح المجتمع الإثيوبي في الداخل ودول المهجر.

كذلك، يشير علي محمود كلني، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، إلى أن إثيوبيا أطلقت أعمال «الحوار الوطني» باعتباره محطة مفصلية في مسار بناء الدولة ومعالجة الأزمات الداخلية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وبحسب كلني، «يحمل التوقيت أهمية خاصة» بعد نحو شهر من إعلان الحكومة تحقيقها فوزاً كاسحاً في الانتخابات، وفق الأرقام الرسمية. وهو أمر ترى فيه أديس أبابا «تفويضاً شعبياً يمكّنها من إطلاق مرحلة جديدة عنوانها التوافق الوطني». بيد أن نجاح الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاح الحوار؛ «إذ يواجه هذا المسار تحديات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها استمرار الانقسامات الداخلية، وغياب قوى معارضة رئيسية، والتشكيك في قدرة المؤتمر على إنتاج تسوية شاملة»، وفق كلني.

مسار «الحوار الوطني»

وفق المعلومات التي نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية، ونقلتها عن اللجنة المعنية بتسييره، حُدّد موعد انطلاق منتدى «الحوار الوطني» في مركز أديس أبابا الدولي للمؤتمرات منتصف يوليو الحالي ويستمر 3 أسابيع، وتعدّه أديس أبابا «محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الذي انطلق عام 2021».

وبحسب بيانات اللجنة، جُمعت أجندات الحوار من 1,234 دائرة إدارية، وهو ما يمثل نحو 93 في المائة من إجمالي الدوائر الإدارية في إثيوبيا، بما يشمل مختلف الأقاليم الفيدرالية والإدارتين الحضريتين في البلاد (أديس أبابا ودير داوا).

بنود ومحاور

تشمل محاور «المنتدى» 8 بنود رئيسية، حسبما أعلن رئيس لجنة «الحوار الوطني» الإثيوبية، مسفين أرايا، في مؤتمرين صحافيين يوم 24 يونيو (حزيران) الماضي و6 يوليو الحالي، وهي:

- «بناء الدولة» ويشمل القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية، والروايات التاريخية، والتماسك الاجتماعي، ومستقبل الدولة الإثيوبية.

- «هيكل ونظام الحكم»، ويتناول النظام الفيدرالي، وآليات تقاسم السلطة، والحكم الدستوري، والأطر المؤسسية المنظمة لإدارة الدولة.

- «وضع المدن الفيدرالية»، ويركّز على مناقشة إدارة و«حوكمة» ودور مدينتي أديس أبابا ودير داوا في المنظومة الوطنية.

- «الشؤون الدينية»، ويهدف إلى تعزيز التعايش والوئام بين أتباع الأديان المختلفة، وتطوير العلاقات بين الدولة والمؤسسات الدينية، وضمان المساواة والاحترام المتبادل بين المكونات الدينية.

- «بناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان»، ويتناول تعزيز كفاءة المؤسسات العامة، واستقلال السلطة القضائية، وترسيخ مبادئ الدستورية، وحماية الحقوق والحريات الأساسية.

- «القضايا الاجتماعية والاقتصادية وشؤون المزارعين والرعاة»، ويركز على التنمية الاقتصادية، وتحقيق النمو العادل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والاستجابة للتحديات التي تواجه المجتمعات الزراعية والرعوية.

- «مكافحة الفساد والحكم الرشيد»، ويبحث السبل الكفيلة بتعزيز الشفافية والمساءلة ورفع مستوى الثقة العامة في مؤسسات الدولة.

- وأيضاً «بناء السلام»، ويتناول دعم جهود المصالحة الوطنية، وتسوية النزاعات، وإرساء آليات مستدامة للسلام بما يضمن الاستقرار طويل الأمد.

ولقد تم اعتماد هذه المحاور، بحسب رئيس اللجنة، بعد مشاورات موسعة نُفذت في أكثر من 1200 دائرة إدارية بمختلف أنحاء البلاد منذ انطلاق عمل اللجنة عام 2021. وشاركت في المشاورات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والقيادات الدينية والشخصيات التقليدية، إضافة إلى ممثلي النساء والشباب ومختلف المكونات المجتمعية.

مؤسسة مستقلة

للعلم، أسست لجنة «الحوار الوطني» عام 2021 بوصفها مؤسسة مستقلة، وكُلّفت بقيادة عملية حوار وطني شامل تهدف إلى بناء توافق حول القضايا التي شكلت عبر التاريخ مواضيع خلاف بين الإثيوبيين، بما يسهم في تعزيز السلام الدائم والاستقرار والوحدة الوطنية، حسب وكالة الأنباء الرسمية للبلاد. ويوضح كلني أن جدول أعمال المؤتمر يشمل خلافات بين حكومة ترى أن هذه البنود تمثل الأساس لمعالجة جذور الأزمة الإثيوبية. إلا أن أطرافاً معارضة ترى أن جدول الأعمال لا يعكس مطالب القوى السياسية المختلفة؛ بل يهدف بصورة أكبر إلى تثبيت أركان النظام القائم وإضفاء شرعية سياسية على سياساته، من دون تقديم ضمانات حقيقية لإصلاحات جوهرية. ويتابع: «ستظل قدرة هذه المحاور على استقطاب المعارضة مرتبطة بمدى استعداد الحكومة لتقديم تنازلات حقيقية، وفتح المجال أمام مشاركة جميع القوى السياسية دون استثناء».

موقف السُّلطة

من جهة ثانية، تراهن حكومة آبي أحمد بقوة على مسار «الحوار الوطني». ولقد تطرق أحمد إلى ذلك بوضوح في كلمته أمام البرلمان في 7 يوليو الحالي، قائلاً إن «عملية الحوار الوطني في إثيوبيا فرصة تاريخية لمعالجة التحديات السياسية التي تواجهها البلاد، وإرساء توافق اجتماعي وطني جديد وشامل»، داعياً لـ«اغتنام هذه الفرصة النادرة لبناء سلام دائم وتوافق في الآراء».

وأكد الزعيم الإثيوبي أن «الحوار الحقيقي والشامل يبقى السبيل الأمثل والأكثر استدامة لتجاوز الانقسامات التاريخية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء إثيوبيا مسالمة ومستقرة ومزدهرة للأجيال القادمة». وعاد أحمد في انطلاقة المؤتمر، الثلاثاء، ليؤكّد الأمر ذاته بأن «مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي بما يتميّز به من اتساع في النطاق وشمولية في العملية، وطول في المدة، وما قد يسفر عنه من نتائج، يمكن أن يشكل في نواحٍ عديدة نموذجاً يحتذى به لبقية دول أفريقيا». ويرى أنه حذر من أن «تفويت مثل هذه الفرص قد يؤدي إلى كتابة صفحة مؤلمة في التاريخ تتسم بالانقسام بدلاً من التنمية»، في إشارة إلى «غياب ممثلي تيغراي المناهضين للدولة».

أما مسفين أرايا، المفوض العام لـ«الحوار الوطني»، فقال في كلمته، إن الأهداف النهائية لـ«المنتدى» تتمثل في «ترسيخ ثقافة الحوار حول طاولة النقاش، ومعالجة الجراح التاريخية، وبناء رابطة جديدة من الثقة بين المواطنين والقوى السياسية والدولة»، داعياً إلى «تجاوز المصالح الضيقة للفئات، والنظر نحو الأفق الأوسع لإثيوبيا موحدة تنعم بالسلام».

موقف المعارضة

كما سبق، لم يشارك الممثلون المعارضون البارزون للحكومة من إقليمي أمهرة وتيغراي (لا سيما قيادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي») في جلسات الإعداد للمنتدى، مع أن «وكالة الأنباء الإثيوبية» أفادت في أبريل (نيسان) الماضي، بـ«مشاركة أحزاب سياسية إقليمية وممثلين عن إقليم تيغراي في الجولات الأولى من المنتدى».

ولقد أعلن حزب «سلساي ويان تيغراي» في يناير (كانون الثاني) الماضي، رفضه ما وصفه بـ«المزاعم المضللة» بشأن مشاركة الإقليم عبر 7 أحزاب في «الحوار الوطني» الإثيوبي، وأشار حينذاك إلى أن تيغراي يفتقر إلى التمثيل الدستوري، ويواجه تحديات سياسية وإنسانية مستمرة.

وأيضاً، أكد بيان صادر عن مكتب شؤون الاتصال في حكومة إقليم تيغراي، المعارضة لآبي أحمد، يوم 13 يوليو الماضي، أن «تيغراي لن يشارك في أي منصة حوار يُقصى منها ولا يحظى فيها بالاعتراف»، ولفت البيان إلى أن «شعب تيغراي تعرّض لانتهاكات جسيمة شملت الإبادة التدمير والمعاناة على يد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد».

ووفق البيان، أيضاً، فإنه بعد توقيع «اتفاق بريتوريا للسلام» كانت ثمة آمال بعودة وحدة أراضي تيغراي، وانسحاب القوات الموجودة داخل الإقليم، وإطلاق سراح السكان المتضرّرين، وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وبدء إعادة الإعمار والتنمية، إلا أن هذه التوقّعات لم تتحقق.

وقال البيان أيضاً إن «منتدى الحوار يُستخدم لأغراض دعائية، ولا تمثل حواراً حقيقياً»، وشدّد على أن «أي شخص يتكلم باللغة التغرينية ويشارك في تلك الجلسات، إنّما يمثل نفسه أو حزب الازدهار إذا كان من أعضائه أو مؤيديه، ولا يمثل شعب تيغراي أو حكومة الإقليم».

أما في إقليم أمهرة، الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، فقد هدَّدت حركة «فانو» بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في 8 دوائر فقط من أصل 137. وكانت حركة «فانو» الأمهرية قد أعلنت غير مرة رفض الانخراط في «الحوار الوطني»؛ إذ عدّته «عملية صورية لخدمة مصالح الحزب الحاكم». وهنا تجدر الإشارة إلى أن إثيوبيا شهدت أزمات عديدة؛ بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

وبالتوازي، سبق أن اتهمت أديس أبابا في أغسطس (آب) 2023، حركة «فانو» المسلحة في إقليم أمهرة، بأنها «حاولت الإطاحة بالحكومتين المحلية والاتحادية، بعد أيام من القتال الذي دفع السلطات لإعلان مؤقت لحالة الطوارئ وقتها مع استمرار المواجهات بينهما».

مكانة «الحوار»

عبد الشكور عبد الصمد يشدد على أنه مع أهمية المجموعات التي لم تشارك، فإنها لا تستطيع أن تعرقل أو تنتقص من مصداقية ومكانة الحوار الوطني. ولذا، يتوقع أن يسهم الحوار رغم الغياب «في الإجابة عن تساؤلات الشعب الإثيوبي في الحكم والإدارة والثروة وتوزيعها بشكل عادل، وتشكيل مؤسسات الدولة بما يلبي حاجات البلاد لعقد اجتماعي جديد يبني الدولة الوطنية الفاعلة والحيوية والمتماسكة»، ويؤكد أن دولة إثيوبية بهذه المواصفات بعد الحوار «ستكون ركيزة قوية لقرن أفريقي متكامل ومستقر ومزدهر».

في المقابل، يرى كلني أن الغياب المستمر لقوى معارضة بارزة، وفي مقدمتها حركة «فانو» الأمهرية وبعض أجنحة «جبهة تحرير تيغراي»، يُعدّ من «أبرز العقبات أمام نجاح الحوار الوطني... وأن استمرار مقاطعة هذه الأطراف قد يحدّ من شرعية مخرجات المؤتمر، ويجعل أي اتفاقات تصدر عنه عاجزة على إنهاء الصراعات القائمة، خصوصاً في المناطق التي تتمتع فيها تلك القوى بنفوذ سياسي أو عسكري». ويتابع القول إن «غياب اللاعبين الرئيسيين يهدد بتحويل الحوار إلى عملية أحادية؛ وهو ما قد يكرّس الانقسام بدلاً من تجاوزه، ويؤجل فرص الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة».

ويخلص كلني إلى أن «الحوار الوطني» فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية، لكنه في الوقت ذاته يواجه اختباراً بالغ الصعوبة، فنجاحه لن يقاس بعدد المشاركين أو حجم التمثيل الرسمي، وإنما بقدرته على استيعاب القوى المعارضة، ومعالجة أسباب النزاعات، وتحويل مخرجاته إلى إصلاحات سياسية ودستورية قابلة للتنفيذ.


إثيوبيا... نظام فيدرالي متعدّد القوميات

احد شوارع أديس أبابا (آ ف ب)
احد شوارع أديس أبابا (آ ف ب)
TT

إثيوبيا... نظام فيدرالي متعدّد القوميات

احد شوارع أديس أبابا (آ ف ب)
احد شوارع أديس أبابا (آ ف ب)

> *من إمبراطورية دامت 7 قرون من عام 1270 إلى حكم عسكري عام 1974، لنظام فيدرالي متعدد القوميات ولد عام 1991، عاشت إثيوبيا مراحل فاصلة في تاريخها.

ووفق معلومات رسمية ترصد «الشرق الأوسط» أبرز ملامح إثيوبيا التي تمرّ حالياً بأول حوار وطني شامل في تاريخها منذ النظام الفيدرالي.

- الموقع: دولة حبيسة (غير ساحلية) تقع في الجزء الشمالي الشرقي من القرن الأفريقي، تحدها شمالاً إريتريا، وشرقاً الصومال، وجنوباً كينيا، وغرباً جنوب السودان.

- عدد السكان: أكثر من 135 مليون نسمة، يحق لأكثر من 50 مليوناً منهم الإدلاء بأصواتهم، وتعد ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان بعد نيجيريا.

- عدد الأقاليم: 12 إقليماً بينها أوروميا، والأمهرة، وبني شنقول (قماز)، وصومالي (أوجادين)، والتيغراي، بالإضافة إلى مدينتي أديس أبابا ودير داوا (إدارتان مستقلتان).

- العاصمة: أديس أبابا.

-= الدستور: صدّق عليه يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) عام 1994. وبدأ العمل به يوم 22 أغسطس (آب) 1995.

-= النظام السياسي: شهدت إثيوبيا في العصر الحديث إمبراطورية أسسها يكونو أملاك، ودامت سبعة قرون من عام 1270م حتى أطيح بآخر حكامها هيلا سيلاسي في انقلاب عسكري عام 1974. وبعد نحو 17 سنة من الحكم أطاح ثوار جبهة تيغراي بحكم منغستو هايلي مريام عام 1991 لتنتقل البلاد إلى النظام الفيدرالي.

- متعددة القوميات: ووفق تقديرات غير رسمية تتشكل أبرز القوميات في إثيوبيا على النحو التالي:

الأورومو، وتتركز هذه القومية الكبرى في أوروميا (وسط إثيوبيا) وتشكل نحو 40 في المائة من عدد السكان. ثم الأمهرة ثاني أكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا وتشكل نحو 25 في المائة من عدد السكان. ثم التيغراي ويشكلون نحو 6.1 في المائة من الشعب الإثيوبي، ومعظمهم يعيش في شمال البلاد. والصوماليون - يشكلون أيضاً نحو 6.1 في المائة من تعداد الشعب الإثيوبي - وهم يتركزون في منطقة أوجادين (شرق البلاد) كما ينتشرون في أنحاء أخرى، ويعد إقليم أوجادين من المناطق المتنازع عليها بين الصومال وإثيوبيا. ومجموعة العفر التي تشكل نحو 1 في المائة من السكان.

- اللغات: أبرزها الأمهرية والأورومية، إضافة إلى الإنجليزية.

- الديانة: المسيحية في المرتبة الأولى، ثم الإسلام، ثم اليهودية، بخلاف معتقدات وثنية.

- السلطة التنفيذية: يُعد منصب رئيس الدولة في إثيوبيا منصباً شرفياً، ويُنتخَب الرئيس لمدة ست سنوات من قبل البرلمان ويمكن إعادة اختياره لفترة جديدة. وتقع السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء، الذي يُعَد القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو حالياً آبي أحمد (من الأورومو) منذ 2018. ويجري اختيار رئيس الوزراء من قبل الحزب الفائز بالأغلبية في مجلس النواب.

- أبرز الأحزاب والقوى:

«حزب الازدهار»، الحزب الحاكم الحالي، أسس باندماج معظم أحزاب الائتلاف الحاكم السابق (الجبهة الديمقراطية الثورية) مع أحزاب أخرى من الأقاليم. وفاز الحزب الذي يترأسه آبي أحمد باكتساح في انتخابات عامة أجريت الشهر الماضي، وشارك فيها 47 حزباً.

«جبهة تحرير شعب تيغراي» كانت القوة المهيمنة في الائتلاف الحاكم السابق، وهي الآن الحزب الحاكم في إقليم التيغراي.

- السلطة التشريعية: هناك غرفتان تشريعيتان: «مجلس الاتحاد» ويتكون من 153 مقعداً، يُنتخَب أعضاؤه بشكل غير مباشر من قبل مجالس محلية وولايته مدتها 5 سنوات. و«مجلس الشعب» الذي يضم 547 عضواً بولاية مدتها 5 سنوات، ويجري انتخاب أعضائه بالنظام الفردي.

- الهيئة القضائيّة: تُعدّ المحكمة الاتحادية العليا أعلى سلطة قضائية في إثيوبيا. ويوصي رئيس الوزراء بتعيين رئيسها ونائبه؛ ويعتمد تعيينهما مجلس نواب الشعب.


مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».