علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري

«فقيه دولة» ما بعد 3 يوليو 2013.. حاصل على الدكتوراه من السوربون.. ونجح بـ«دعم مصر»

علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري
TT

علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري

علي عبد العال.. الرئيس الـ50 لمجلس النواب المصري

لم يكن اسمه معروفًا لدى عموم الرأي العام، وربما بين كثير من القوى السياسية، قبيل الانتخابات البرلمانية التي جرت في مصر، على مدار الأشهر القليلة الماضية، فهو ليس لديه انتماء حزبي، كما أنه مُقلٌّ في الظهور الإعلامي. غير أن هذا المأخذ الذي وُصف به الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب الجديد، كان أحد الأسباب الرئيسية في التوافق عليه لقيادة مجلس يشكل المستقلون أكثر من ثلثيه، ويفتقد حزبًا سياسيًا مهيمنًا كما كان معتادًا في البرلمانات السابقة.

فاز الدكتور علي عبد العال، أستاذ القانون الدستوري المخضرم برئاسة مجلس النواب في انتخابات داخلية أجريت مع عقد أولى جلساته في 10 يناير (كانون الثاني) الحالي، وذلك إثر حصوله على 401 صوت من أصل 585 صوتًا، في ظل منافسة من 6 أعضاء آخرين، ليصبح رئيسًا لأول برلمان منتخب عقب ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، والتي أطاحت بحكم «الإخوان المسلمين».
وجاء انتخاب الرئيس الجديد الذي يعد بمثابة «مايسترو» المجلس التشريعي، كمرشح عن ائتلاف «دعم مصر»، صاحب الأغلبية البرلمانية داخل المجلس بأكثر من 380 عضوًا، والذي يقوده اللواء السابق بالمخابرات سامح سيف اليزل، إذ توافق الائتلاف على تقديم رئيس للمجلس من بين الأعضاء المنتخبين شعبيًا، وليس المعينين من قبل رئيس الجمهورية، حتى لا يقال إن رئيس الجمهورية هو من عين رئيس السلطة التشريعية، وإن كان القانون يبيح للعضو المعين رئاسة المجلس أيضًا.
أيضًا بدا للجميع أن اختيار شخصية قانونية تفقه في الأمور الدستورية هو الأنسب، حتى يتمكن من إدارة مجلس بصدد إصدار تشريعات هامة تتعلق بمستقبل البلاد، التي عاشت لنحو ثلاث سنوات بلا برلمان.
وخلال جلسته الأولى للمجلس حاول عبد العال، صاحب البشرة السمراء، أن يظهر صرامة «غير متوقعة»، عبر علو صوته ونهره للنواب المخالفين للتعليمات، حتى يفرض الهدوء تحت قبة البرلمان، لكن بمرور الوقت تبين أنها أيضًا «غير كافية» للسيطرة على مجلس مضطرب ما زال يتحسس ملامحه.
قال عبد العال، في أول كلمة له عقب إعلان فوزه برئاسة البرلمان، إنه يتعهد بأن يكون عند حسن الظن به، وأن يكون دائمًا مدافعًا عن الديمقراطية والمبادئ التي نادت بهما ثورتا 25 يناير و30 يونيو». وأضاف أن «الفصل التشريعي الذي يأتي مواكبًا لمرحلة تحول جديدة في العمل الوطني يتطلب بذل الجهود لإنجاز مجموعة من التشريعات التي أناط بها الدستور الجديد مجلسكم الموقر في كل المجالات من أجل إطلاق قوي الإنتاج. وتابع: «سأعمل على أن يكون مجلسكم منبرًا لحوار ديمقراطي راقٍ وعلينا أن نقدم نموذجًا من أجل مصلحة هذا الوطن الغالي».
اسمه بالكامل، علي عبد العال سيد أحمد (67 سنة)، وهو من مواليد 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، وتعود أصوله إلى محافظة أسوان (جنوب مصر). ويتمتع رئيس البرلمان الجديد بخبرة قانونية علمية وعملية كبيرة، فقد حصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1972، ثم دبلوم القانون العام عام 1973، ودبلوم القانون الجنائي عام 1974، ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة باريس الأولى - بانثيون سوربون (السوربون) عام 1984.
بدأ عبد العال ممارسة عمله وكيلاً للنائب العام عام 1973، ثم عمل معيدًا بقسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس، ومدرسًا مساعدًا بقسم القانون العام، وملحقًا ثقافيًا لمصر في باريس. وبعدها عمل خبيرًا دستوريًا بمجلس الشعب عام 1992، وشارك في المؤتمر الدولي لوضع النصوص الأولى للدستور الإثيوبي عام 1993. كذلك عمل مستشارًا للديوان الأميري لدولة الكويت من عام 1993 إلى 2011.
وتتضمن أبزر مؤلفات الدكتور عبد العال، القانون الإسلامي عام 2014، والقضاء الدستوري عام 2014، والحريات العامة عام 2014.
يمكن أن يطلق عليه لقب «فقيه دولة» ما بعد 30 يونيو، بالنظر إلى دوره البارز ومشاركته في معظم اللجان القانونية التي تم تشكيلها لصياغة القوانين التي صدرت في غيبة البرلمان، منذ حل مجلس الشعب السابق عام 2012. وكذلك عضويته في لجنة الخبراء العشرة، التي أعدت المسودة الأولى للدستور المعدل في عهد الرئيس السابق عدلي منصور، بعد 3 يوليو (تموز) 2013. ويذكر له أيضًا أنه لعب دورًا مهمًا في وضع قوانين الانتخابات الثلاثة الأخيرة (تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، ومجلس النواب، وتقسيم الدوائر الانتخابية)، وما صحابها من تعديلات بعد أن أبطلت المحكمة الدستورية العليا نسختها الأولى.
وإزاء ذلك أبدى عبد العال، من خلال حديثه لأعضاء البرلمان أثناء الجلسات المعدودة الماضية، ثقة كبيرة في أن معظم قراراته الإجرائية تتوافق مع نصوص القانون والدستور. ولقد ظهر ذلك في ترديده أكثر من مرة عبارة «أنا اللي كتبت الدستور» لحسم أي جدل قانوني داخل المجلس.
كما أنه (عبد العال) لا يتخوف من حل المجلس من خلال الطعن دستوريًا في القوانين المشكلة له. فقد أكد في تصريح سابق له أن «الأمر واضح.. المحكمة الدستورية بينت نقاط العوار في تلك القوانين وتم الالتزام بتعديلها قبل إجراء الانتخابات ومن ثم لا مجال للقلق من مصير المجلس».
تاريخيًا يعد عبد العال الرئيس الـ50 في قائمة رؤساء البرلمان منذ بدء الحياة النيابية المصرية في عهد الخديو إسماعيل، والـ11 منذ إلغاء الملكية وقيام النظام الجمهوري عام 1953، حيث سبقه كل من (عبد اللطيف البغدادي وأنور السادات، والدكتور لبيب شقير)، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. و(حافظ بدوي وسيد مرعي والدكتور صوفي أبو طالب) في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. و(محمد كامل ليلة، ورفعت المحجوب، وفتحي سرور) في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. وأخيرًا سعد الكتاتني، في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي.
ويؤخذ على رئيس البرلمان الجديد ولاؤه المفرط للرئيس السيسي، بحسب معارضين، الأمر الذي قد يؤثر على تطبيقه مبدأ الفصل بين السلطات، أو أن يتجاوز في أداء مهمته الأساسية وهي مراقبة السلطة التنفيذية.
في الانتخابات الأخيرة خاض عبد العال انتخابات مجلس النواب على رأس قائمة «في حب مصر» بقطاع الصعيد عن محافظة أسوان. وتشكلت القائمة من شخصيات عامة من ضباط شرطة وعسكريين ووزراء سابقين وأساتذة جامعات، إضافة إلى أحزاب جديدة جميعها من مؤيدي الرئيس السيسي. ووجه إلى عبد العال، ضمن تلك القائمة التي تحولت إلى ائتلاف «دعم مصر» داخل البرلمان، اتهامات تتعلق بفوزهم عبر دعم الدولة وأجهزتها الأمنية ليكونوا ظهيرًا سياسيًا للرئيس السيسي. غير أنه رفض ذلك واصفًا القائمة في أحد البرامج التلفزيونية بأنها «دعم للدولة»، وأكد أن «الوضع في مصر مختلف عما سبق، ويتطلب ظهيرًا سياسيًا لتطبيق برنامج السيسي، ولن أقول إن القائمة هي ظهير السيسى، لكن ستكون الظهير السياسي فيما يحقق استقرار مصر». وعقب انتخابه رئيسًا للبرلمان بدأ مهمته بإرسال برقية تأييد لرئيس الجمهورية، قال فيها: «إن مجلس النواب في ظل الظروف التاريخية وما يواجه الوطن العربي، يؤازر منهجكم في محاربة الإرهاب، وتوحيد الصف العربي، فسر على بركة الله يا سيادة الرئيس وقلوبنا معكم، وشعب مصر يؤيد خطاكم».
وأضاف عبد العال: «نحن في مستهل العام الثاني لولايتك، كانت ثمارها تحقيق مزيد من الاستثمار، وآفاقًا جديدة للتنمية.. ويعلن المجلس تأييده لقيادتكم الحكيمة في التصدي للإرهاب، وتصديكم للمخططات الخبيثة». وتابع: «باسمكم جميعًا (النواب) أتقدم بخالص الشكر والتقدير لقائد المسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي ساند ثورة الشعب وتصدى لتحقيق آماله وطموحاته، تحية إعزاز لرجال القضاء واللجنة العليا للانتخابات ورجال الجيش حماة الوطن، والشرطة حراس الأمن الأوفياء، وترحمًا على (شهدائهم) الأبرار».
ونظرًا لحداثة مهمته تعرض عبد العال لانتقادات حادة بشأن إدارته للجلسات الأولى للبرلمان، وقال البعض إن أداءه غير الحازم بالشكل الكافي وعدم تطبيقه لائحة المجلس على وجه الدقة تسبب في خلافات حادة وحالة من الفوضى خلال الجلسات الأولى لمجلس النواب، مما فتح الباب لتعليقات لاذعة من المتابعين، تقرر على أثرها وقف بث جلسات المجلس على الهواء مباشرة.
وفي خلفية الاحتجاج على حالة الفوضى التي سادت الجلسات الأولى للمجلس تقدم النائب كمال أحمد باستقالته، معلنًا رفضه للطريقة التي تدار بها الجلسات، كما وجه النائب سري صيام، رئيس مجلس القضاء الأسبق، انتقادات حادة لعبد العال. وقال النائب المستقيل، قبل أن يتراجع لاحقًا عن استقالته، إنه استقال اعتراضًا على طريقة إدارته (البرلمان)، وتصرفات كثير من النواب، واصفا جلسة يوم الاثنين الماضي بأنها كانت «شادر بطيخ، وليست مجلس نواب». كذلك هدد أعضاء حزب المصريين الأحرار بالانسحاب لرفض رئيس المجلس إعطاءهم الكلمة أكثر من مرة، متهمينه بتهميش حزب الأكثرية (65 مقعدًا) لصالح ائتلاف الأغلبية الذي ينتمي إليه. وانتقد نواب خارج ائتلاف الأغلبية قيامه (عبد العال) باتخاذ قرارات دون الرجوع إلى النواب في أكثر من مناسبة، ومنها محاولته تشكيل 6 لجان نوعية لدراسة القوانين الصادرة في غيبة البرلمان، قبل أن يتراجع في القرار بسبب حالة الغضب التي عمت في المجلس.
ورد عبد العال على تلك الاتهامات قائلاً إن «بعض وسائل الإعلام روجت لفكرة أن الكلمة داخل المجلس يتم منحها لأشخاص بعينهم وهذا غير صحيح لأني لا أتلقى تعليمات من أحد»، مضيفًا: «محدش بيديني تعليمات وعمري ما أخدت تعليمات من حد، ومعنديش استعداد لكده، كما يروج البعض بنية سيئة». وتابع عبد العال، تعقيبًا على اعتراض النواب على عدم الانضباط في الجلسات: «نحن مضغوطون بسبب مدة الـ15 يومًا، وإذا لم ننتهِ من القوانين خلال هذه المدة سيتم حل المجلس»، قائلاً: «للأسف هناك بعض النواب يستغل هذه الضغوط ويدفع لإسقاط المجلس».
هذا، ويلزم الدستور البرلمان بالنظر في القوانين التي صدرت في غيبته وإقرارها أو رفضها خلال 15 يومًا من انعقاده، وفي حال عدم عرض تلك القوانين على المجلس تعد لاغية ويزول ما كان لها من قوة القانون بأثر رجعي. ولقد أصدر الرئيسان عدلي منصور والسيسي أكثر من 300 قانون منذ يوليو 2013، يتوجب على المجلس النظر فيها خلال 12 يومًا. ومن بين هذا العدد الضخم يوجد نحو 10 قوانين هي الأكثر إثارة للجدل على رأسها قانون التظاهر وقانون الخدمة المدنية، وقانون الإرهاب.
عبد العال قال إن قراره وقف البث المباشر للجلسات راعى أهمية إنجاز تلك القوانين، مؤكدًا أنه لا يستطيع أن يتحمل الآثار المترتبة على عدم إنجاز هذه المهمة في ضوء المسؤولية التاريخية التي تقع عاتقه. وأضاف: «لو كانت القرارات بقوانين متعلقة بقوانين اجتماعية أو صحية كان من الممكن إسقاطها وإعداد غيرها، لكنها متعلقة ببناء المؤسسات الدستورية، وبالأخص مؤسسة الرئاسة، ومجلس النواب». وتابع: «المجموعة الثانية من القرارات بقوانين متعلقة بكيان الدولة، حيث إن قانون الإجراءات الجنائية والعقوبات يأتي ضمن هذه المجموعة، وإذا لم يتم إقرارها سيتم الإفراج فورًا عن كل من ارتكب جرائم إرهابية، ولا أستطيع أن أتحمل هذه الآثار.. هذه مسؤولية تاريخية على المستوى الشخصي».
وحول أبرز القضايا الملحة على المجلس في بداية انعقاده يرى عبد العال أنه بالإضافة إلى مراجعة القوانين السابقة، يبغي التعجيل بتعديل اللائحة الداخلية للمجلس لكي تتوافق مع الدستور الجديد، وتشكيل اللجان النوعية. وأيضًا «هناك قانونان أساسيان يجب الانتهاء منهم مع بداية مجلس النواب، أولهما قانون تنظيم بناء الكنائس والثاني قانون العدالة الانتقالية».
وسيظل عبد العال، الذي يعول على خبرته القانونية ولم يثبت أن دخل في أي أمور خلافية أو معارك سياسية، في اختبار ومراقبة لمدة خمسة أعوام، هي عمر البرلمان الحالي، الأهم في تاريخ مصر الحديث.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».