«سكر القالب».. علاقته بالمغاربة أحلى منه

يستهلك الفرد 36 كيلوغرامًا منه سنويًا

أحد معامل تصنيع السكر في المغرب  -  المغاربة من بين أكثر من يستهلك السكر -  صناعة سكر القالب في المغرب لا تزال تحافظ على أصالتها  -  قوالب السكر بأشكالها المميزة
أحد معامل تصنيع السكر في المغرب - المغاربة من بين أكثر من يستهلك السكر - صناعة سكر القالب في المغرب لا تزال تحافظ على أصالتها - قوالب السكر بأشكالها المميزة
TT

«سكر القالب».. علاقته بالمغاربة أحلى منه

أحد معامل تصنيع السكر في المغرب  -  المغاربة من بين أكثر من يستهلك السكر -  صناعة سكر القالب في المغرب لا تزال تحافظ على أصالتها  -  قوالب السكر بأشكالها المميزة
أحد معامل تصنيع السكر في المغرب - المغاربة من بين أكثر من يستهلك السكر - صناعة سكر القالب في المغرب لا تزال تحافظ على أصالتها - قوالب السكر بأشكالها المميزة

تتجاوز علاقة المغاربة بالسكر حدود مطبخ العائلة ومائدة الأكل والشرب ليصير عنوانا يكرس اللحمة الاجتماعية المتأصلة في أعماق التاريخ، خاصة حين يتعلق الأمر بـ«سكر القالب»، الذي يتفرد به المغرب، والذي يرتبط استهلاكه بلحظات هامّة في حياة كل مغربي، إذ يتم إهداؤه في كل المناسبات الاجتماعية، سواء كانت سعيدة أو حزينة، يتقاسم خلالها المغاربة حلاوته كعربون محبة وتضامن، حتى إنهم يختصرون القيمة التي يحتلها لديهم، بقولهم إنه «المساند الرسمي للمواطن المغربي في كل المناسبات».
ويختصر معظم المغاربة مادة السكر في «سكّر القالب»، حتى إنهم لا يرتاحون بالقدر نفسه إلى المنتجات السكرية الأخرى، من قبيل «السكر المحبب» (المشهور بـ«سنيدة»)، وقطع السكر الصغيرة والكبيرة (تعرف بـ«المقرط»)، وهي على شكل مكعبات، بشكل يترك انطباعًا ويؤكد اقتناعًا بأن «سكر القالب» قد يكون أكثر حلاوة من باقي المنتجات السكرية، إلى درجة أن متعة إعداد «الشاي» لا تكتمل من دون أن تكون حلاوة «قالب السكر» حاضرة، خاصة في القرى والبوادي.
ويتخذ «سكر القالب» شكلا هرميا مخروطيا، يزن كيلوجرامين، ويعبأ في ورق بين الأبيض والأزرق، في صناديق ورقية من 8 و12قطعة.
ويرجع عدد من المتتبعين رمزية «قالب السكر» إلى «شكله الهرمي الذكوري، من جهة، ولونه الأبيض الناصع، الذي يرمز إلى لون جسم المرأة، من جهة ثانية».
وركز محمد فيكرات، الرئيس المدير العام لـ«كوزيمار»، الشركة المتخصصة في إنتاج وتصنيع السكر بالمغرب، في تقديمه لـ«سكر القالب»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على «رمزية وأصالة هذا المنتج بالنسبة للمغاربة»، مشددا على أنه «يختصر أواصر العلاقات التي ظلت تجمع بينهم، في الماضي كما الحاضر».
ويمثل استهلاك مادة «قالب السكر» نسبة الثلث من مجموع استهلاك المغاربة لمختلف أنواع السكر، حيث يتم تسويق 400 ألف طن من «قالب السكر»، فيما يناهز مجموع التسويق الوطني من المنتجات المكونة لمادة السكر مليون و200 ألف طن.
ويحتل المغرب المركز الثالث على مستوى الطاقة الإنتاجية للسكر بأفريقيا بمليون و650 ألف طن، وذلك خلف جنوب أفريقيا ومصر، كما يبقى من بين أهم الدول المستهلكة لهذه المادة، إلى جانب مصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا والسودان والجزائر وكينيا.
وتبرز الإحصائيات المتعلقة باستهلاك هذه المادة أن متوسط الاستهلاك الفردي السنوي من السكر عند المغاربة يناهز 36 كيلوغراما.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المغرب، الذي يستورد، اليوم، نحو 58 في المائة من حاجاته من السكر، عرف زراعة قصب السكر منذ نهاية القرن التاسع للميلاد، قبل أن يزدهر إنتاج السكر بين القرنين 16 و17 في عهد السلطان المنصور الذهبي السعدي، الذي حكم المغرب ما بين 1578 و1603، إلى درجة أصبح معها المغرب، وقتها، مركزا مهما لإنتاج مادة السكر وتصديرها على الصعيد العالمي.
ويتوقف الباحث محمد إستيتو عند الازدهار الذي عرفته صناعة السكر خلال فترة الحكم السعدي، مشيرا إلى أن السعديين جنوا من صناعة السكر «عائدات مالية مهمة للغاية»، كما «تمت مقايضة السكر بمواد وسلع أجنبية كثيرة ومن أبرزها الرخام»، الذي كان المنصور في حاجة إليه بكميات كبيرة لبناء «قصر البديع» بمراكش، وغيره من البنايات التي ظلت شاهدة على ازدهار الحكم السعدي، حيث جلب الرخام من إيطاليا، بشكل خاص، فـ«كان يشتريه منهم بالسكر وزنا بوزْن»، كما كتب المؤرخ محمد الصغير اليفراني، في مؤلفه «نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي عشر».
وتذكر بعض الدراسات، حسب إستيتو، أن «التجار الإنجليز خاصة، كانوا يتقاطرون على المغرب بكثرة، من أجل التجارة، ولا سيما من أجل استبدال السكر المغربي بالأسلحة وبذخائر الحرب، وأيضًا بالذهب، بدلاً من سلع ومنتجات أخرى كالأقمشة، حتى إن بعض الأوساط الإنجليزية اتهمتهم بأنهم يحرمون بذلك ملكة بلادهم من الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات، وبأنهم يدمرون صناعة المنسوجات الإنجليزية. والواقع أنه كان للسكر أيضًا فوائد أخرى كثيرة غير مباشرة، ومن ذلك، مثلاً، أن هذه المادة لم تكن مجرد سلعة استهلاكية فقط، بل كانت كذلك مادة تستعمل لعلاج عدة أمراض، كما كانت سلعة إشهارية لمصْدرها (المغرب)، وذلك بفضل الطلب الأجنبي عليها وتوفرها في كثير من أسواق أوروبا عامة، وفي أسواق إنجلترا وبلاطاتها الملكية خاصة، حتى إن إدارة مخازن الملكة إليزابيث الأولى، كانت تحرص بنفسها على استيراد السكر المغربي، لا سيما الأنواع الجيدة منه. وكيف لا والسكر كان يعتبر، منذ العصور الوسطى، مادة كمالية رفيعة، لا يقدر عليها إلا المترفون، ولا تستهلك إلا في المناسبات العزيزة. والراجح أن سلاطين المغرب استثمروا كل هذه المزايا التي كانت لمادة السكر وقيمتها الاعتبارية في الحقل السياسي والدبلوماسي من أجل توطيد العلاقات مع الدول الأجنبية، وذلك بتقديم هذه السلعة النفيسة هدايا للملوك وغيرهم، وقد تكون الملكة الإنجليزية إليزابيث الأولى توصلت من المنصور السعدي، أحيانا، بكميات مهمة من السكر الجيد في هذا الإطار، لا سيما وأن العاهل المغربي كانت تربطه بالملكة الإنجليزية علاقات متينة كادت أن تتحول، في بعض الفترات، إلى تحالف سياسي وعسكري. وقد استفاد المغرب من تسويق مادة السكر في الأسواق الخارجية والأوروبية منها بشكل خاص، بفضل جودة منتجه وقلة الدول المنافسة، إذ إن المستعمرات الإيبيرية في جزر المحيط الأطلسي مثل ماديرا وجزر البحر الكاريبي كالأنتيلو جامايكا وكوبا وغيرها، لم تكن قد بلغت بعد شأوًا بعيدًا في إنتاج هذه المادة إلى حد الاستفادة منها كثيرًا على المستوى التجاري».
لا ينسى إستيتو أن يتحسر على مآل صناعة السكر في المغرب، في القرن السادس عشر، حيث يقول: «ومما يدعو للسخرية أن مشروع صناعة السكر في المغرب خلال القرن 16، الذي سار في خط متواز مع مراحل تطور النظام السياسي للدولة السعدية ونما بنموها، انتكس وهو في أوج الازدهار وذلك في الوقت نفسه تمامًا الذي انتكست فيه تلك الدولة وهي في عز قوتها، أي مباشرة بعد وفاة المنصور الذهبي، سنة 1603، الذي يعتبر أحد أعظم السلاطين السعديين».
والملفت للانتباه أن صناعة السكر أفلت بشكل سريع جدًا، بعد وفاة المنصور، حتى أصبح الحديث عنها بعده بزمن يسير في خبر كان. وبذلك يكون المغرب قد فقد صناعة غذائية كان رائدًا فيها، وسلعة تجارية رائجة كان شبه محتكر لتجارتها، ومادة إشهارية لحضوره على المستوى التجاري في كثير من أقطار أوروبا وغيرها، وخسر فوائد مادية مهمة للغاية، وأسواقًا خارجية كثيرة استفادت منها بعد ذلك المستعمرات الإيبيرية خاصة. إلا أن أكبر خسارة تعرض لها المغرب نتيجة لخراب صناعة السكر هي خسارته لتقنيات تلك الصناعة ولطرق إدارتها وتدبيرها، وهو الأمر الذي ظل على حاله إلى أن أحيت الحماية تلك الصناعة في النصف الأول من القرن العشرين. ليتساءل إستيتو، رابطا معطيات الماضي بالحاضر: «كيف يا ترى تحول المغرب من أكبر البلدان المنتجة والمصدرة لمادة السكر في القرن السادس عشر إلى بلد فقد كل تلك الخبرات والتجارب التي اكتسبها في زمن ازدهار تلك الصناعة، إلى أن أصبح مستوردًا لها بشكل متصاعد باستمرار في القرن 19؟».
وتجد هذه المفارقة، التي يرصدها الباحثون، بين واقع صناعة وإنتاج السكر في المغرب، بين الأمس واليوم، معطياتها في الأرقام التي تهم اقتصاد السكر في المغرب في السنوات الأخيرة وآفاق تطويره، حيث لم يحقق المغرب إلا نسبة 42 في المائة من اكتفائه الذاتي من هذه المادة، عند نهاية الموسم السكري 2014 - 2015، مقابل 29 في المائة، فقط، في موسم 2012 - 2013، فيما يتوقع المسؤولون المغاربة الوصول إلى نسبة 56 في المائة في أفق 2020.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».