عام 2015.. سينما زاخرة بالإنتاجات في عالم تتسيده هوليوود

أفلام تستهدف الجمهور المفعم بحب المغامرة والعواطف ونظام الأبعاد الثلاثة

ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر}  لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر} لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
TT

عام 2015.. سينما زاخرة بالإنتاجات في عالم تتسيده هوليوود

ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر}  لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر} لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية

أندي واير لم يكن شخصًا معروفًا وكل علاقته بالسينما كانت من خلال ذهابه مرتين في الشهر إلى الصالات لاختيار فيلم يشاهده. ذات مرّة جلس وكتب رواية حول ملاح فضائي تائه فوق المريخ. لقد حطّ هناك مع ملاحين آخرين لكنهم اعتقدوه مات عندما كان عليهم مغادرة المريخ قبل أن يعصف بسفينتهم. نشر الرواية على الإنترنت في أواخر عام 2013. كونه روائيًا غير معروف دفعه لاختيار النشر على الإنترنت عوض النشر الكتبي أو الورقي. لم يكن يعلم حين فعل ذلك أن هوليوود ستشتري حقوق الفيلم في التاسع من أبريل (نيسان) لتحويله إلى فيلم بعنوان «المريخي» وأن تصويره سيبدأ بعد ذلك بستة أشهر فقط.
الرواية تحوّلت إلى عمل سينمائي ناجح انطلق للعروض قبل أشهر قليلة وحقق نجاحًا مزدوجًا بين النقاد والجمهور العريض معًا. بات لأندي واير اسم لامع وخلفية في السينما يسهّل عليه مستقبلاً، عندما يضع رواية أخرى، بيعها لدور النشر أو لشركات الإنتاج.
هذا هو الحلم الأميركي في نموذجه المعبّر. تحقيق الذات على نحو كبير شاسع وبحجم لا يقارن بأي وسيط آخر. إنه ليس «فيس بوك» حيث للجميع صورهم وكلماتهم ولا صورة «سيلفي» صالحة للنشر ولا حتى 16 ثانية من الظهور على شاشة التلفزيون، بل المستقبل الرائع الذي تحدّث عنه جون شتاينبك في «أعناب الغضب» ونقله جون فورد إلى فيلم سينمائي سنة 1940 والذي لا يزال صالحًا اليوم وطبّق على طول أيام العام الذي ينضوي، 2015.

* صرخة مكررة
في «أعناب الغضب» لمسٌ للحلم الذي يرفض الهزيمة. للإنسان الذي يصرخ في وجه الحياة بأن من حقه أن ينجز ما يعد به نفسه. أن ينفذ من حالة العدم إلى تحقيق النعيم. كل ذلك وسواه من عناصر إنسانية كوّن على مدى التاريخ ما عرف بـ«الحلم الأميركي». ومن يومها أمّته الكثير من الأفلام، بعضها لينال منه بدعوى أنه ليس سوى سراب لا يمكن تحقيقه وإذا ما تحقق فبثمن باهظ، وبعضها ليؤكد عليه ويُشيد باستمرار إمكانية تحقيقه.
ومن الغريب إلى حد بعيد أن ينتهي العام وهو ما بين هذين المنهجين. فيلم ستيفن سبيلبرغ الأخير «جسر الجواسيس» في مقابل فيلم «سيكاريو» لدنيس فيلينوف. «كريد» في مواجهة «الكبير القصير» و«المريخي» لريدلي سكوت ضد «99 منزلاً» لرامين بحراني. أفلام تشيد بأميركا وأخرى تكشف النقاب عن بقع سوداء في حياة كل يوم فيها.
لم يعد ضروريا أن يتمحور الفيلم حول الحلم الأميركي ليكون معه أو ضده. فيلم سبيلبرغ دراما جاسوسية رائعة تتولى إخبارنا بأن أميركا ملتزمة بدستورها وقوانينها وتتعامل إنسانيًا وأخلاقيًا مع أعدائها وينجز المحامي، بطل الفيلم، مبادئه ويسترد إعجاب المجتمع بما أنجزه. ليس هناك صعوبة ولا يحتاج الأمر لخيال جانح لكي تصبح بطلاً ملتصقا بمبدأ الحلم الأميركي المتداول، في حين يأتي «سيكاريو» ليتحدّث عن الواقع اليوم حيث تهريب المخدرات لم يعد «بيزنس» وحيدا في ميدانه، بل تحوّلت الحرب ضده إلى «بيزنس» آخر يعتدي على الحقوق ويمارس مسؤوليه فسادًا موازيًا.
أيهما تصدّق؟ لا يهم. لكن النبرة التي انتهت أفلام 2015 بها تدعو للتأمل فعلاً.
في «بحر الأشجار» لغس فان سانت يهيم أميركي (ماثيو ماكونوفي) في غابة يابانية تعرف باسم «غابة الانتحار» يؤمها اليائسون لكي يضيعوا فيها ويقضوا. وفي «99 منزلاً» نرى كيف استغل البعض أزمة 2008 لكي يستولي على أحلام العاجزين عن دفع أقساط منازلهم التي اشتروها لكي يستولوا عليها.
هذه الصرخة مكررة في فيلم «الكبير القصير» الذي يتبع سلسلة من الأفلام التي تداولت الأزمة الاقتصادية الأميركية للعام ذاته وكيف تم استغلالها لصالح بعض المضاربين ورجال الاقتصاد لبناء ثرواتهم.
الحالات تتكاثر والمستغلون لديهم أحلام أميركية وردية، كما المستضعفون تمامًا. الفارق هو من يستطيع تحقيقها.

* تحت المطرقة
إذا كان هذا كله من صميم الحياة والسينما الأميركية ومن أهم معالمها وتياراتها في عام 2015 فإن الصلة بين ما يتحقق وما لا يتحقق هي صلة اقتصادية في نهاية المطاف. والعام ينتهي بينما يُطيح «ستار وورز: القوة تستيقظ» الأرقام القياسية واحدًا تلو الآخر في انطلاقة هي بدورها تعبّر عن تحقيق أحلام لا مجال لأي دولة أخرى على الأرض تحقيقها. بميزانية يوم واحد ينجز مخرجون حول العالم أفلامهم. بأجر كالذي تقاضاه المخرج «ج ج أبرامز»، يمكن لدولة آسيوية أو أفريقية إنتاج 10 أفلام مرتاحة. ولنتخيل كم فيلما تكفي البلايين الأربعة التي دفعتها ديزني للمبتدع السلسلة جورج لوكاس لتحقيقه في أي من القارات الخمسة.
لكن لوكاس هو ابن ذلك الحلم ومحققه أيضًا. السبب والنتيجة. برهان على أنه، مثل «روكي» الأميركي الذي يستطيع تحقيق الحلم الأميركي مضاعفًا. كلاهما سعى لإنجاز حلم وواجه في سبيل ذلك مصاعب وإحباطات وعدم ثقة بما يحملانه من آمال. فجأة أول ما استطاعا تحقيق غاياتهما فتحت الأبواب كبيرة أمامهما. وسنجد الكثير من الأمثلة على ذلك في كل يوم وفي كل عام وفي كل مجال.
نجاح «ستار وورز» الجديد وقبله نجاح كل الأفلام التي تقصد التوجه إلى الجمهور المحمّل بحب المغامرة والعواطف ونظام الأبعاد الثلاثة ليس كل هوليوود، وليست هوليوود كل السينما الأميركية. هناك هذا العام فيض كبير من الأفلام الأميركية الجيدة التي تم تحقيقها داخل نظام الأستوديوهات وخارجه بصرف النظر عن قدرتها على تحقيق النجاح. الأشهر الثلاثة الأخيرة من العروض السينمائية هي تجسيد لكل المختلف والبديل والجريء من الموضوعات التي تمس الواقع ولا تعيش فوق السحاب. شخصياتها غير مزوّدة بأجنحة ولا بقدرات فولاذية أو عصا سحرية تسبب الإثارة أو الضحك أو أي مشاعر أخرى يتلقاها المشاهد من باب الترفيه عن النفس.
العام 2015 بدأ، أميركيًا، ببقايا ما لم يعرض في العام 2014 من إنتاجات أو ما باشر عروضه في الأسبوع الأخير منه، مثل «سلمى» لآفا دوفرناي و«فوكسكاتشر» لبَنت ميلر و«زاحف الليل» لدان غيلروي جنبًا إلى جنب الفيلم التاريخي المستنبط من مزيج غير مريح بين الخيال والواقع «الهجرة: ملوك وإلهات» لريدلي سكوت الذي عاد في خريف العام ذاته ليقدّم فيلمًا مستقبليًا أقل تحديا للواقع هو «المريخي».
وفي حين ألا حياة للفيلم الديني ذي القالب التاريخي، كما أثبت قبل «الهجرة: ملوك وإلهات» بأشهر قليلة، فيلم «نوح» لدارن أرونوفسكي، فإن الأمر لم يكن هينًا حتى على عدد كبير من الأفلام المسمّاة بالتجارية. سقط «فريق العدالة» المنتمي، ولو كأنيميشن، إلى سينما السوبر هيرو، كما «الاماناك» المنتمي إلى الخيال المستقبلي وواجه «قلب التنين 3» سدًا منيعًا ضد نجاحه، كما حدث أيضًا مع فيلم تنيني آخر هو «نصل التنين». وحاول الكوميدي ول فارل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في Get Hard فأخفق، كذلك أخفق فيلم الكوميدي كفن جيمس (محمد سعد هوليوود) بفيلمه «بول بلارت شرطي المول 2».
خلال فترة الصيف التي تستعد أستوديوهات هوليوود له بمخططات تعود لعامين أو ثلاثة، بدا أنه ليس من المستحيل هوان الأفلام الكبيرة تحت مطرقتي الكلفة العالية وفتور المستقبلين. هذا كان حال «أفنجرز 2» الذي ارتفعت ميزانيته إلى 250 مليون دولار وأنجز في أميركا أقل من 500 مليون دولار (عليك أن تحسب 750 مليون دولار من الإيرادات من قبل أن يبدأ حصد الأرباح الفعلية). إنقاذ هذا الفيلم، وبعض سواه، من مصير الهلاك تم بسبب هيمنة الأفلام الأميركية على الأسواق العالمية وصعود السوق الصينية ليحتل المركز الثاني بين الأسواق النشطة بالنسبة للفيلم الأميركي.

* الأكثر نجاحًا
سقطت أيضًا محاولة استثمار أحد أفلام الرعب السبعيناتية «بولترغيست» في إطلاق جديد ولم ينجز الفيلم الكوارثي «سان أندرياس» الزلزال الذي طمح إليه بل خطف النجاح آنذاك فيلما كوميديا جاسوسيا خفيفا هو «جاسوسة» بطولة ماليسا مكارثي.
هذا إلى أن انبرى فيلم «جوراسيك بارك 4» الذي هو من إنتاج ستيفن سبيلبرغ لإنقاذ الموسم بأسره وهو أنجز ذلك باعتماد المفاتيح والعناصر ذاتها التي مارسها سبيلبرغ مخرجًا في كل أفلامه التجارية.
جاور ذلك سقوط «ترميناتور 5» ونجاح «ماد ماكس: طريق الغضب» مما عزز موقع بطل الفيلم الثاني، توم هاردي، وأطاح بما تبقى من قدرة بطل الفيلم الأول، أرنولد شوارزنيغر الذي احتاج لعملية ترقيع غرافيكية لعله يستطيع جذب الجيل الجديد ولم يفعل.
في نهاية الموسم برهن توم كروز على أنه لا يزال «فارس الكُبّة» رغم ما يحمله من عمر (50 سنة) وذلك بفضل سلسلة «المهمّة: مستحيلة» بجزء سادس. وفي حين ظهر ممثل جيمس بوند السابق بيرس بروسنان في خمسة أفلام ما بين عاطفية وأكشن لم ينجز أي فيلم منها أي نجاح يُذكر، عاد دانيال كريغ، جيمس بوندنا الحالي، إلى النجاح الكبير في الملحق الرابع والعشرين من السلسلة «والرابع تحت إمرته» تحت عنوان «سبكتر».
«سبكتر» هو الفيلم العاشر تبعًا لقائمة أكثر الأفلام رواجًا في الولايات المتحدة وكندا خلال العام الآيل إلى الانصراف.
عالميًا تختلف الصورة ولو أن العناوين ذاتها تبقى:
«جيروسيك وورلد» جمع مليارًا و669 مليون دولار ويتولى المركز الأول، لكن «غاضب 7» (Furious 7) الكامن في المركز الخامس في اللائحة الأميركية هو الثاني في اللائحة العالمية بمليار و515 مليون دولار. «سبكتر» في السادس هنا (والعاشر هناك) بـ838 مليون دولار.
هذا كله من قبل أن ينتهي نشاط «ستار وورز: القوة تستيقظ» المتوقع له أن يسبق الجميع إلى المركز الأول في كلا اللائحتين.

* حصاد المهرجانات
إذا ما كانت الصورة الأميركية مؤلفة من أفلام تنجح وأخرى تخفق، ومن صراع على تفسير ماهية النجاح وبالتالي ماهية الحلم الأميركي وشروطه وتبعاته، فإن الصورة في أنحاء العالم قائمة على معايير مختلفة. ليس أن النجاح التجاري في آخر حسابات السينمات الفرنسية والبريطانية والفلبينية والسويدية والكولومبية وسواها، بل لأنها - بالنسبة لغالبية ما تنتجه من أعمال - تدرك المساحة التي تستطيع إشغالها وتلتزم بها مما يمنح المخرج مجالاً أوسع لتوفير رؤيته الذاتية والفنية.
وما زالت المهرجانات الثلاثة الأولى في العالم، وهي برلين وكان وفينيسيا، بمثابة المكان الأكبر لعرض هذه الأعمال. تتنافس فيما بينها على تقديم الجيد والجديد وتعبّر عن تلك الرغبة في استحواذ المكانة لنفسها ولمخرجيها وكسب الإعجاب من النقاد الذين باتوا لا يستطيعون التوقف عن العودة إليها طلبًا للمزيد من الاكتشافات.
إيران هذا العام خرجت بجائزة ذهبية من مهرجان برلين السينمائي عن فيلم كانت حبست صاحبه في منزله حتى لا يصنع أفلاما فتسلل إلى سيارة تاكسي وقادها وصوّر فيلمه فيها. الفيلم «تاكسي» ليس عملاً فنيًا، لكن إعلان سياسي عن فشل السُلطة الإيرانية في الحد من حرية التعبير ونجاح من تريد كتم أصواتهم في إيجاد السبيل إلى ذلك.
لكن الجائزة في نهاية مطافها كانت سياسية لأن «تاكسي» يخلو من عناصر الفن. لقطة واحدة من «فارس الكُبة» (Knight of Cups) لترنس مالك لا تطيح بالفيلم الإيراني وحده، بل بمعظم ما ورد في مهرجان برلين من أعمال. على ذلك حُرم من الجائزة كما تحرم الأفلام الأميركية غالبًا من جوائز مهرجاني برلين وكان.
الألماني فرنر هرتزوغ قدّم فيلمًا صافيًا بعنوان «ملكة الصحراء» قامت نيكول كيدمان ببطولته لاعبة شخصية غيرترود بل، الرحالة التي جابت صحراء الحجاز خلال الفترة التي كان فيها توماس إدوارد لورنس يحضّر لجولته الداعية إلى استقلال البلاد العربية عن النفوذ العثماني. كلا هذين الفيلمين، «فارس الكُبة» و«ملكة الصحراء»، لم يشهدا العروض الأميركية بعد وهما مؤجلان للشهر الثالث من العام المقبل، أي بعد دورة برلين القادمة في الشهر الثاني منه.
على بعد ثلاثة أشهر منه أقيمت الدورة الثامنة والستون لمهرجان «كان» والفائز بالذهبية كان «ديبان» لجاك أوديار. مرّة أخرى ربت المهرجان على ظهر السينما الفرنسية بمنحها جائزة ذهبية هي الثالثة في غضون السنوات الخمس الأخيرة من بعد «حب» لمايكل هنيكه، 2011 و«اللون الأزرق أكثر دفئًا» لعبد اللطيف قشيش، 2013.
من الأفلام الأكثر استحقاقًا من «ديبان» «سيكاريو» لدنيس فيلينوف و«شباب» للإيطالي باولو سورتينو و«المغتالة» للتايواني سياو سيين هاو. الثلاثة وجدوا طريقهم مؤخرًا إلى قوائم أفضل عشرة للكثير من النقاد حول العالم.
ولم يخل مهرجان فنيسيا من الأفلام المهمّة هذا العام: «فرانكوفونيا» للمخرج الروسي ألكسندر سوخوروف كان يستحق الذهبية لكنها توجهت إلى الفيلم الفنزويلي (الجيد، لا أكثر) «من بعيد» للورنزو فيغاس. أفلام جيدة أخرى مرّت بما تستحقه من اهتمام نقدي من بينها «العصبة» للأرجنتيني بابلو ترابيرو و«بهيموث» للصيني ليانغ زاو كما البريطاني «فتاة دنماركية» لتوم هوبر.

* عربيًا يبقى الوضع على ما هو عليه لدرجة الملل
نعم، في كل سنة هناك أفلام جيدة تستحق الإشادة والاهتمام لكن السينما العربية ككل لم تتقدّم كثيرًا على أصعدة العروض التجارية حول العالم. لننسى العالم، لا وجود لمعظم ما تنتجه في أسواقنا المحلية المضروبة بتجاهل رجال الأعمال من ناحية والظروف الأمنية القاسية من ناحية أخرى.
اخترق فيلم محمد خان السابق «فتاة المصنع» حصار هذا الوضع عندما تم عرضه، تجاريًا في السويد في صيف هذا العام. لكن الغالب من هذه الأفلام خسر الأسواق الأوروبية التي كانت تطلبه قبل رحيل يوسف شاهين وتراجع الاهتمام بالسينمائيين الذين كانت أعمالهم تعرض في باريس لأسابيع طويلة في السبعينات والثمانينات أمثال التونسي رضا الباهي (أنجز فيلمًا جديدًا صوّره في لبنان) والمغربي نبيل عيوش واللبناني (الراحل أيضًا) مارون بغدادي. تلك فترة ذهبية من فترات النشاط السينمائي العربي تنتظر أن تعود لكن الظروف أقوى مما تستطيع مواجهته على صعيد العروض العالمية التي أصبحت أكثر حزمًا فيما يتعلق بقدرة الأعمال، حتى البديلة، إنجاز ما هو مطلوب منها إنجازه على المستوى التجاري.
هذا ما يجعل مهرجان دبي المجال الأكثر كثافة بالنسبة لمعظم ما تحققه السينما العربية من أفلام. وعام 2015 عزز نجاح مهرجان دبي، بعد توقف مهرجان أبوظبي وقبله مهرجان الدوحة، وبسبب صغر حجم مهرجان قرطاج التونسي وابتعاد مهرجان مراكش المغربي عن المنافسة وظروف مهرجان القاهرة المادية التي لا تسمح له باختراق المستحيلات.
على ذلك، تسرّبت أفلام عربية إلى المهرجانات العالمية بوفرة. هنا علينا أن نعي أن عرض فيلم ما خارج المسابقة ليس تمامًا مثل عرضه فيها، كذلك يتوقف الأمر على أي مسابقة. تلك الرسمية تضع المخرج مباشرة أمام التصنيف الدولي الألمع. المسابقات الثانوية تضعه، إذا ما استطاع الوصول إليها، إما كمخرج واعد أو كمخرج فقد وعده.
في برلين شوهد «حب، سرقة ومشكلات أخرى» للفلسطيني مؤيد عليان كما عرض المصري جوزف رزق فيلمه التجريبي «برة في الشارع». «كان» شهد جفافًا عربيًا باستثناء ما عرض في التظاهرات والأسواق من أفلام تبحث عن مشترين. ولم ينقذ الوضع إلا فيلم لبناني قصير بعنوان «أمواج 98» لإيلي داغر الذي كان أول فوز لبناني بذهبية الفيلم القصير في التاريخ، وثاني فيلم عربي يفوز بالذهبية بعد سنوات طويلة مرّت على اقتطاف «وقائع سنوات الجمر» للجزائري محمد لخضر حامينا، سعفة الفيلم الطويل سنة 1975.
والجزائري مرزاق علواش عرض فيلمه الجديد «مدام كوراج» في فينسيا، كذلك فعلت التونسية ليلى بو زيد بعرضها «على حلّة عيني» والمغربي محمد نبيل عبر فيلمه «جواهر الحزن».
وداومت مهرجانات مهمّة، وإن لم تكن كبيرة بحجم الثلاثة المذكورة أعلاه، مثل تورنتو ولوكارنو ومرسيليا ونانت عرض أفلام عربية أخرى، لكن معظمها، للأسف، اكتفى بفعل العرض من دون أن يفتح المهرجان له إمكانية الانتقال إلى المنصّة التي يرغب بها.



«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز