«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

امرأة تترأس جلسته الإجرائية لأول مرة

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
TT

«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير

صاحت وهي تركب العربة المكونة من ثلاثة إطارات (التوكتوك): «انتظروني». كانت هذه صيحات السيدة نورا البالغة من العمر 66 سنة، وهي تسعى للمشاركة في المظاهرات العارمة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وعادت السيدة نفسها للمشاركة في الاحتجاجات الكبرى التي أسقطت حكم الرئيس محمد مرسي. وتجلس نورا اليوم، في ظل النخلة أمام بيتها على آخر ناصية شارع محمود عساف، في ضاحية دار السلام في جنوب القاهرة، وهي تنتظر لكي ترى أول سيدة تترأس الجلسة الإجرائية للبرلمان المصري، وهي النائبة آمنة نصير. وتقول السيدة نصير لـ«الشرق الأوسط»: نعم.. إنني أهدي رئاستي لهذه الجلسة لسيدات مصر اللائي شاركن بقوة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في صناعة هذا الواقع الجديد.

منذ ظهور الحياة النيابية في مصر إلى النور منذ نحو 150 سنة، لم تتمكن المرأة، أو كما يسميها البعض «الجنس الناعم»، من الحصول على كل هذه المقاعد بالانتخاب المباشر من المقترعين إلا اليوم. سيصل عدد النائبات إلى نحو 90، أو أقل قليلا، بعد أن تخرُج قائمة المعينين من جانب رئيس الدولة. يبلغ عدد مقاعد البرلمان 587 مقعدا، هي كالتالي: 120 لمن فازوا بنظام القوائم و440 لمن فازوا بالنظم الفردي، بالإضافة إلى 27 مقعدا يعينهم رئيس الجمهورية وفقا للدستور. تشعر النائبة هبة هجرس، بعد أن فازت، بالسعادة وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «الإنجاز الكبير الذي حققته المرأة في انتخابات البرلمان».
وتحمل السيدة هجرس درجة الدكتوراه في دراسات الإعاقة وعلم الاجتماع من بريطانيا، وفازت كمرشحة ضمن ائتلاف «في حب مصر». وتقول عن رؤيتها لعمل مجلس النواب القادم، في ظل وجود هذا العدد الكبير من السيدات، إنه «سيؤدي إلى تغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في مجلس النواب». هذه هي المرة الأولى، منذ بداية تاريخ الحياة النيابية المصرية، التي تحصد فيها السيدات كل هذا العدد من أصوات الناخبين سواء كانوا رجالا أو نساء. حتى في الصعيد (جنوب مصر) الذي يشتهر بالانحياز للرجال، تمكنت بعض السيدات من التغلب على منافسيهن. وتضيف هجرس: «أعرف زميلة تغلبت على تسع مرشحين رجال. هذا مصدر فخر».
ومثلما فعلت في ثورة يناير ومن بعدها في ثورة يونيو (حزيران)، لم تتحرك السيدة نورا بمفردها في الفعاليات الضخمة التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة. تقف تحت النخلة وتبدأ في جمع جاراتها. أحيانا يستأجرن أكثر من «توكتوك»، وأحيانا يركبن مترو الأنفاق من محطة دار السلام. وفي انتخابات البرلمان كانت في مقدمة زميلاتها في اللجنة الانتخابية الموجودة في مدرسة أحمد عرابي القريبة.
وبعد أيام قليلة ستجلس نورا مع سيدات شارع عساف لتشاهد النائبة نصير وهي تدير جلسة مجلس النواب. وتقول مارغريت عازر، التي فازت في الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط»: «هذا أمر غير مسبوق في تاريخ البرلمان.. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص في نهاية المطاف المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية. وكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
من هذه الأزقة الضيقة، خرجت نورا التي لم تحصل على قسط وافر من التعليم، مع جاراتها، وراء موجات الشبان الذين كانوا في كل مرة يهتفون من أجل التغيير. وتحتفظ بصور لها وهي وسط الحشود في ميدان التحرير. وصور أخرى وهي تقف في طوابير الانتخابات الرئاسية، حيث اختارت الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي الزحام على الاقتراع على الدستور الجديد. وأخيرا وهي تقف أمام لجنة أحمد عرابي الانتخابية. ومن مثل هذه الضواحي الفقيرة جاءت الكثير من النائبات ليشغلن مقاعد البرلمان الجديد. وتقول النائبة هبة هجرس: «هذا شيء يُفرح».
وعن تفسيرها لفوز هذه العدد الكبير من السيدات، تضيف هجرس أن الأمر لا يقتصر فقط على مشاركة المرأة في ثورتي 25 يناير و30 يونيو.. «هناك أكثر من سبب. ما جعل المرأة متحمسة، وما شجعها، في الحقيقة، وما جعلها تنفض الخمول عن كتفيها في انتخابات مجلس النواب، يرجع للثقة التي اكتسبتها. شعرت أنها قادرة على التغيير.. المرأة كانت فاعلة بقوة في الثورتين وفي الانتخابين السابقين. انتخابات الرئاسة والاستفتاء على الدستور. أي في الاستحقاق الأول وفي الاستحقاق الثاني. كانت ناشطة بقوة، وشاركت المرأة بما لا يقل عن 60 في المائة في انتخاب الرئيس والاقتراع على الدستور».
وتعرب هجرس عن اعتقاها في أن «إحساس المرأة بالخطر أعلى من إحساس الرجل. هذا هو السبب الذي جعلها تشارك بقوة في الاستحقاق الأول والثاني ثم المشاركة في الانتخابات». وتشير إلى أن ظهور المرأة لم يكن متيسرا، بشكل مباشر، في استحقاق انتخابات الرئاسة واستحقاق الدستور، في 2014، بحكم طبيعة هذين الاستحقاقين. كانت تكتفي بالوقوف في الصف للإدلاء بصوتها، مقارنة بانتخابات البرلمان هذا العام، والتي أعطتها الفرصة للمشاركة فيها بشكل ظاهر للعيان. في السابق دعمت بصوتها الاختيار ودعمت القرار، لكن هذه المرة كان لديها الفرصة أن تنزل وتشارك بنفسها وتترشح وتفوز».
أجمل شيء في هذه المشاركة التحليل، كما تؤكد النائبة هبة.. «مثلا، هناك امرأة فازت على تسعة رجال. الشعب اختارها ووثق فيها وأعطاها صوته. حدث هذا في ضاحية إمبابة. هل تستطيع أن تتخيل أن يكون في ضاحية شعبية كل هذا الوعي لاختيار امرأة لتمثل الناس في البرلمان. البعض يرى أن هذه المرأة تساوي ألف رجل. فقد كانت إمكاناتها المالية محدودة جدا، ومع ذلك فازت».
النائبة التي فازت في إمبابة هي نشوى حسين هاشم، الشهيرة باسم «نشوى الديب». وتنتمي إلى عائلة متوسطة، ذات أصول صعيدية وبالتحديد من محافظة أسيوط، لكن لها وجود قديم في الضاحية التي تعد من أكثر ضواحي القاهرة الكبرى فقرًا وازدحامًا. ومثل كثيرات من المصريات شاركت الديب في ثورتي يناير ويونيو. ولها نشاط نقابي ومؤلفات من بينها كتاب «الحوار الإسلامي المسيحي عبر التاريخ». وعزّز من مكاسب السيدات في البرلمان الجديد نزولهن بأنفسهن لعقد لقاءات في الشارع مع الناخبين، مثل نشوى، وعدم الاعتماد على الإعلانات والدعاية كما يفعل المرشحون من المقتدرين الآخرين المنافسين لهن.
وفي محافظة الشرقية بشرق الدلتا (شمال البلاد)، فازت المرشحة نوسيلة أبو العمر في دائرة فاقوس بعدما خاضت معركة انتخابية شرسة ليس مع باقي المرشحين الرجال الأغراب فقط، ولكن مع شقيقها أيضًا.. وإجمالا يمكن لمن يرغب في إعادة قراءة الانتخابات وتحليل نتائجها أن يشعر بهذا المتغير في ما يتعلق بمزاج الناخبين الذي أفرز كل هؤلاء النائبات من كل هذه المناطق. أو كما تقول النائبة هجرس: من يحلل الأمر سيشعر بالفخر ليس لفوز المرأة فقط ولكن للطريقة التي جرى بها هذا الفوز، وكيف أن الشعب لديه وعي وكيف أن لديه القدرة على التمييز والثقة في هؤلاء المرشحات. هذا شيء مبهج. وتضيف أن هذا النجاح، بهذا الكم، وبهذا العدد، يحمل دلالات مختلفة، حتى بالنسبة للأماكن التي فازت فيها المرشحات، لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار. فقد فازت الكثير منهن في دوائر في الصعيد، وما أدراك ما الصعيد، حيث لا يمكن لأحد أن يتخيل أن الرجال هناك يمكن أن يصوتوا لامرأة. النتيجة مبهرة للمرأة وليست بسيطة.
لكن كيف ترى النائبات الجديدات أنفسهن في عمل مجلس النواب؟
تقول السيدة هجرس: «هذا سيؤدي إلى متغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في هذا المجلس. سيكون هناك اهتمام أكبر بقضايا المرأة وسيكون هناك اهتمام أكبر بوجهة نظر المرأة في قضايا الدولة. حين تكون رؤيتك لقضية ما من زاوية واحدة، تختلف عن رؤيتك لها من زاويتين. وجهة نظر المرأة ستكون إضافة فاعلة. وحين تكون هناك مناقشات لقضايا تخص المرأة سيكون هناك عدد كبير من النائبات يمكن لهن أن يشاركن بفاعلية في هذه القضايا وطرح وجهة نظرهن والدفاع عنها بشكل أفضل».
ويمكن تصور ما يشبه التكتل النسائي في البرلمان الجديد. ويبدو من المناقشات المبدئية التي جرت في اجتماعات مغلقة على النائبات السيدات فقط، أن التنسيق بينهن ستكون له الأولوية عن التنسيق مع الكيانات أو التيارات السياسية التي ينتمين إليها، إلا أن المتوقع بشكل عام أن يعمل جميع النواب والنائبات من أجل إنجاح جهود الدولة في التغلب على المصاعب الاقتصادية والأمنية التي نتجت عن سنوات الاضطرابات منذ 2011 حتى الآن.
أكبر موقع شغلته المرأة المصرية في البرلمان كان في عهد مبارك حين تولت لعدة دورات موقع وكيل مجلس الشعب، وحلت في بعض الجلسات محل رئيس المجلس في إدارة الجلسة. وكانت أشهر هؤلاء الدكتور آمال عثمان، التي كانت قبل دخولها البرلمان وزيرة للشؤون الاجتماعية والتأمينات. أما أول نائبة منتخبة في البرلمان في عهد ما بعد 1952 فهي النائبة راوية عطية. كان ذلك عام 1957، إلا أنها لم تحظ بشهرة تذكر بسبب قصر مدة البرلمان في تلك المرحلة. وعاشت الحياة البرلمانية في مصر بعد ذلك على أمل أن تتمكن المرأة من شغل عدد مناسب من المقاعد يعكس وجودها وأهميتها في المجتمع.
وجرت محاولات من جانب الدولة لتخصيص مقاعد للنساء مرة بنظام الكوتة (الحصة) ومرة بالتعيين طوال السنوات العشرين الماضية. وبموازاة ذلك ظهرت مجالس شبه رسمية ومنظمات أهلية ولجان حزبية تعمل على إقناع الناخبين باختيار المرأة كمرشحة مثلها مثل الرجل. ومن بين هذه المجالس والمنظمات واللجان، «المجلس القومي للمرأة» الذي كانت ترأسه سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق مبارك. و«منظمة جبهة المرأة العربية» و«لجنة اتحاد النساء التقدمي»، وغيرها الكثير.
وتدير «المجلس القومي للمرأة»، في الوقت الراهن، وهو مجلس مهم في مصر، السفيرة ميرفت التلاوي. وفي الشهور الماضية ساعد المجلس بالتعاون مع المنظمات الأهلية واللجان الحزبية والنقابات وغيرها، في تسمية المئات من النساء والفتيات اللائي يصلحن لخوض انتخابات البرلمان الأخيرة. ونظم المجلس دورات تدريبية على العمل النيابي والسياسي، بغض النظر عن انتماء المتدربات لهذا الحزب أو ذاك. ويعد المجلس فوز نائبات وردت أسماؤهن في قوائمه منذ البداية، نجاح له أيضًا، رغم تراجع إمكانياته وتعرضه للتهميش خلال فترة حكم الإخوان القصيرة.
سؤال للنائبة هبة: هل ترين نفسك قريبة من تكتل سياسي بعينه تحت قبة البرلمان؟ تجيب بكل ثقة: «أنا في ائتلاف دعم مصر. كنت في تحالف انتخابي هو (في حب مصر). وهذا التحالف جرى حله بعد انتهاء الانتخابات. نحن كمستقلين في البرلمان سنعمل كمستقلين، وهذا لا يمنع من العمل مع ائتلاف دعم مصر أيضًا. وهي مثل كثير من المصريين ترى أن البلاد تمر بمخاطر جمة منذ ثورة يناير حتى اليوم، مرورا بمرحلة حكم الإخوان برئاسة الرئيس الأسبق مرسي». ومن المصطلحات السياسية التي كان يحلو للمصريين استخدامها للتعبير عن ظاهرة العزوف عن المشاركة في الحياة العامة، مصطلح «حزب الكنبة»، والذي يشير إلى الغالبية التي كانت لا تحبذ النزول للشارع للمشاركة في التغيير. لكن المرأة دفعت حزب الكنبة للخروج حين حاول الإخوان الهيمنة على الدولة في 2013.
تقول هجرس: «نحن دخلنا في ثورة في 2011، ثم أصيبت هذه الثورة بالارتباك، وتعرضت للسرقة. ما حدث أننا عدنا مرة أخرى لتصحيح المسار في 2013. هل سمعت عن حزب الكنبة. معظم السيدات هن اللائي جعلن حزب الكنبة ينزل إلى الشارع في ثورة 30 يونيو ضد الإخوان. حملت السيدات الكنبة بالفعل ونزلن بها وجلسن عليها في الشارع، كصرخة منهن لمن لا يحبون المشاركة ولمن يفضلون مشاهدة التطورات وهم جالسون في بيوتهم».
وتضيف قائلة إنه «لا يمكن أن نترك البلد يتعرض للهزات والارتجاجات، ونصمت. لا بد من الاستقرار. كان لا بد للمرأة أن تنزل لتشارك في صناعة هذا الاستقرار. قرون الاستشعار عند المرأة أكثر حساسية من الرجل، لأنها هي التي تحمي الأسرة ومستقبلها، وهذا الذي جعلها تنتفض وتنزل للمشاركة في الاستفتاء على الدستور وفي انتخابات الرئاسة، وأخيرا في انتخابات البرلمان الجديد سواء كمرشحة أو ناخبة».
ويعطي فوز المرأة في انتخابات البرلمان دافعا لها لخوض انتخابات المحليات المقبلة. تقول هجرس: «أعتقد أن انتخابات المحليات المقبلة ستشهد حضورا للسيدات أكبر من السابق. ستكون المرأة فيها أكثر إبهارا. تعلم أن المحليات أكثر الأماكن التي توصم بالفساد، ولا بد للمرأة أن تتدخل لوضح حد لكل هذا. الفساد في المحليات معروف منذ سنوات. وسترى السيدات حين يشاركن في انتخابات المحليات وكيف سيشاركن بقوة في القضاء على هذا الفساد، لأن هذا هو الآفة التي لا بد أن نقتلعها في المرحلة المقبلة».
النائبة مارجريت عازر تدخل البرلمان وهي مزودة بخبرة من العمل السياسي والانتخابي لسنوات كثيرة، خاصة في مناطق شمال القاهرة. وتقول إن مجلس النواب الجديد «مختلف.. فيه جميع المكونات والطوائف والفئات. أعتقد أن هذا سيثري الحياة البرلمانية. يضم عددا كبيرا من النساء، وفيه عدد من الأقباط والشباب.. حتى المصريون بالخارج ممثلون فيه. أعتقد أن الكل سيعمل على تحقيق آمال وطموحات الشعب الذي انتخبه، وخصوصا أن البرلمان لن يكون فيه حزب حاكم ولا أغلبية تستطيع أن تفرض أجندتها على الآخرين كما كان الحال من قبل».
وتعرب عن سعادتها وهي تصر على التذكير بأن «عدد السيدات العضوات في مجلس النواب، واللائي جئن عن طريق الانتخابات، عدد غير مسبوق في تاريخ البرلمان»، مشيرة إلى أن «السيدات يدخلن البرلمان وهن حاضرات الذهن ومعهن الملفات التي تحتاج إلى علاج ونقاش وبحث تحت القبة. عليهن أعباء كثيرة. فبالإضافة إلى الأجندة التشريعية، عليهن محو الموروثات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع المصري، والتي تقول إن السيدة لا تصلح لكل المناصب، وسيكون عليهن أن يثبتن العكس وأن يعملن بجد. ونحن نقوم بالتحضير لهذا الأمر».
وتتوقع السيدة عازر أن يشهد المصريون «دورة برلمانية مختلفة مع النساء، خاصة في شأن طرح موضوعات ومشروعات قوانين هامة جدا للمجتمع ككل. وليس كما يعتقد الكثير من الناس من أن جهودها في البرلمان ستنصب على قضايا المرأة فقط. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص، في نهاية المطاف، المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية.. عموما ستجد عملها في مجلس النواب قوي جدا. فكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
وتعد الدكتورة آمنة نصير نفسها، باعتبارها أكبر أعضاء مجلس النواب سنا، لرئاسة جلسة الإجراءات وفقا لما ينص عليه الدستور. وتبدأ الجلسة بأداء النواب لليمين الدستورية ثم انتخاب رئيس للبرلمان ووكيلين. والدكتورة نصير مولودة في محافظة أسيوط عام 1948، وهي مفكرة معروفة وأستاذ للفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر، وتشغل أيضًا عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولها مؤلفات كثيرة.
وتنظر لرئاستها المقررة لجلسة الإجراءات على أنها «قضاء وقدر». وتقول: «أنا لم أختر يوم مولدي، مثلما لم أختر ترؤس الجلسة الإجرائية للبرلمان. لم أضع بروتوكولا بأن يكون أكبر الأعضاء سنا هو من يرأس الجلسة. لا دخل لي في هذا.. لا اختيار لي ولا فضل. ولذلك أنا في الحقيقة أقول إن ما قدره الله لي، وليس لي فيه أي اختيار أو أي جهد، أهديه للمرأة المصرية».
وعما إذا كانت تشعرين بالرهبة قبل الجلوس على مقعد رئاسة الجلسة الإجرائية، ردت في ثقة: «لا.. أقول لك لماذا، لأنني متمرسة. أعني أنني جلست من قبل على أقوى من هذا، في مؤتمرات دولية في ألمانيا وفي النمسا وفي هولندا، وناقشت رسائل جامعية في كبرى الجامعات الدولية، وكان هناك في بعض الأوقات مناقشة أكثر من رسالة جامعية في وقت واحد.. فالمسألة بالنسبة لي ليست جديدة.. أي ليس فيها رهبة. هذا عمل أمارسه منذ أربعين سنة».
وعن توقعاتها لمستوى عمل المرأة في البرلمان، تقول إنها تتمنى أن يكون عملا مختلفا بهذا العدد الكبير من السيدات.. «أنا جلست مع النائبات الجديدات في عدة اجتماعات ولديهن العزيمة والقوة والتصميم بأنهن لن يتركن هذه الفرصة الذهبية».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».